الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 24 نيسان (أبريل) 2018

في منهجية السلام الذي يؤدي إلى الحرب

separation
increase
decrease
separation
separation

كتبت: سلمى التجاني

بعد اجتماع برلين في 16-17 من أبريل الجاري، والذي مُنِيَ بالفشل، بدا واضحاً أن السقف الذي تتوافق عليه الحكومة والمجتمع الدولي هو وثيقة الدوحة للسلام في دارفور الموقع في الرابع عشر من يوليو 2011، الحكومة أعلنت ذلك عدة مرات وسفير المانيا بالسودان، الدولة المنظمة للقاء، تحدث عن إلحاق الحركات المسلحة بالسلام. لذلك كان جلياً قبل بداية انعقاد اللقاء أن الهدف منه هو دفع المجموعتين المشاركتين فيه لتغيير موقفهما من الوثيقة، الموقف الذي ظل ثابتاً كل في جولات التفاوض مع الحكومة.

أخطر ما حدث لقضية دارفور هو الضغوط التي مارسها المجتمع الدولي على أحد فصائل حركة تحرير السودان والتي أسفرت عن توقيعه على اتفاق أبوجا في مايو من العام 2006م. كان الاتفاق مدخلاً للتعامل مع القضية بالتقسيط المخل توطئةً لتصفيتها، فأبوجا منحت الحكومة فرصة ذهبية لتفكيك وإضعاف جيوش الحركات المسلحة، وذلك بوضعها في مواجهاتٍ مسلحة مع بعضها البعض، إضافة لتمكنها من دراسة الأوضاع الداخلية للفصائل بتركيبتها الإثنية ومطلقاتها السياسية، ورؤيتها للحل.

منذ هذه الاتفاقية بدأ المجتمع الدولي التعامل مع قضية دارفور كأزمةٍ آيلة للحل عبر الصفقات السياسية المجتزأة، عبر سياسة الإلحاق باتفاقيات هشة لا تكلف ثمن الحبر الذي أهريق فيها. وبدأ تراجع الاهتمام بها دولياً رغم ما خلفته من مأساةٍ إنسانية، عنوانها مئتي ألف روح راحت ضحية الإبادة التي وقعت في أول فترة الحرب، ومليوني ونصف نازح وأربعمائة ألف لاجئ، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة. انشغل المجتمع الدولي بقضايا أخرى وأصبحت قضية دارفور وما أسفر عنها من عقوبات دولية وملاحقات جنائية مجرد عصا يبتز بها النظام لتحقيق مصالح الدول الكبرى. لذلك تتجه المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة الآن لتجفيف معسكرات اللاجئين بتشاد، ولذلك أيضاً يضيِّق برنامج الغذاء العالمي على النازحين فيخفض حصتهم من المعونات الغذائية للنصف، ثم يأتي خبراء الأمم المتحدة بالسودان ليؤكدوا أن الحرب بدارفور لا وجود لها إلا بجبل مرة، ما يعني أن (كلو تمام التمام) ولم يتبق إلا إلحاق الحركات المسلحة بوثيقة الدوحة.

الصراعات التي خاضتها الفصائل مع بعضها في بداية سنوات الحرب، ثم جولات التفاوض المكوكية التي وجدت نفسها جزء منها ابتداءً من انجمينا الأولى والثانية في أواخر 2003 م، كلها أسهمت في الوضع الذي تعيشه الآن، إذ كان مشروعها الفكري وطرحها السياسي في مرحلة التبلور، وجيوشها في مرحلة البحث عن عقيدة قتالية تقيها شر الانقسام والدخول في اتفاقات سلام بعضها شفاهي يتم عقده على الحدود مع شاد، أو مع ولاة الولايات ومحافظي المحليات، ما أدى لتناقص ثقة قواعد الحركات فيما تقوم به.

ما يحدث الآن لقضية دارفور قد يوقف الحرب مؤقتاً، لكن لن يحقق السلام، قد يعود النازحون واللاجئون لقراهم، لكن ستظل الحرب داخل نفوسهم، سيعيشون بمأساتهم في دولةٍ أبادت أهلهم، وقتَّلتهم، وحرقت قراهم، فدفعتهم للحياة في جحيم المعسكرات لعقدٍ ونصف من الزمان. أن تعيش في دولةٍ تسببت في تغيير حياتك للأسوأ وللأبد يعني أن فرص استمرار السلام الظاهري ضئيلةً جداً، وأن حرباً بأشكالٍ مختلفة ستظل قائمة.

يمكن أيضاً أن تستمر الحرب بشكلها المعروف من قتالٍ ودمار، تقودها أجيال جديدة علِمت ماذا تعني الحياة مع جلادك، أن تراه يتوعد ويرغي ويزبد في أجهزة الإعلام، أن يُحشد له النازحون ليتحدث لهم عن السلام وهو من أطلق أوامر القصف والحرق القتل التي طالتهم هم وأهلهم وممتلكاتهم، ما يعني أنه يقتلك بكلماته كلما تحدث.

طريقة (كلفتة السلام) كما يجري الآن لن تحققه، يحققه جبر ضرر الضحايا، بالسماع لمعاناتهم والاعتذار لهم، والمحاسبة القانونية لكل من أجرم في حقهم، ثم تعويضهم عن كل ما مروا به، تعويضاً مادياً ومعنوياً، وإجراء إصلاحات جذرية في هيكل الدولة تؤسس لنظامٍ ديموقراطي يقوم على المواطنة المتساوية وحكم القانون، حتى لا يفلت أحد من العقاب، في دولةٍ ظلت تعيش في حالة حرب منذ استقلالها، واصبح الإفلات من العقاب هو ديدنها.

لن يتحقق السلام بدارفور بهذه الكيفية التي يجري الترتيب لها، ما سيحدث أنه ستنفتح أبوابٌ جديدة لأشكالٍ مختلفة من الحرب، فالسلام العادل يتحقق أولاً في نفوس الضحايا.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

ياسر عرمان وغصن الزيتون (2-3) 2018-05-24 22:50:57 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com بعد وفاة جون قرنق طلب مسئول أمريكي زائر من أحد القادة التاريخيين للحركة الشعبية لتحرير السودان من أبناء الجنوب أن يشرح له نظرية السودان الجديد، فرد القائد الجنوبي: "نظرية (...)

الرائد لا يكذب أهله 2018-05-21 17:14:52 الإمام الصادق المهدي 16/5/2018م أمتنا العربية والأمة الإسلامية والعالم، عوالم تمر بمرحلة خطيرة يعتبرها بعض الناس غلياناً منذراً بحرب كونية لا تبقى ولا تذر. وأسوأ ما في الأمر قصور التشخيص لهذه الحالات، بالتالي تهافت (...)

ياسر عرمان وغصن الزيتون (١-٣) 2018-05-21 01:12:39 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com (1) يستحق الحبيب ياسر عرمان ان نقول له: حمد الله على السلامة وألف مبروك، فكون أن هذا الحبيب وصل متأخرا لا يمثل اشكالية ذات وزن، فقد قيل: أن تأتي متأخرا خيرٌ من ألا تأتي. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.