الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأربعاء 18 نيسان (أبريل) 2018

قراءة في فشل برلين

separation
increase
decrease
separation
separation

أحمد حسين آدم

لم أندهش أبدا لفشل محادثات برلين هذا الأسبوع، حيث تصادمت و تناقضت فيها أهداف و أجندات الفاعلين الاساسيين.

فالنظام كان يريد من برلين ورقة علاقة عامة( لإلحاق حركتي العدل و المساواة و تحرير السودان بوثيقة الدوحة)، تدعم مناخ الحريات الكذوب الذي صمم بمكر لدفع جهود رأس النظام الطامح إلي فترة رئاسية جديدة تمر عبر عملية دستورية أحادية و إنتخابات جديدة مزورة في العام ٢٠٢٠، تكرس سلطة نظام الأمر الواقع، و تجدد شرعيته المفقودة.

النظام أتي إلي برلين مستندا إلي عاملين داعمين لموقفه: أولهما: ميزان القوي في دارفور الذي إختل لصالحه حتي الآن، ثانيهما: الغطاء الأقليمي و الدولي الداعم له لقاء الأدوار الوظيفية التي يقوم بها لخدمة اللاعبيين الإقليميين و الدوليين في مجالات مكافحة الإرهاب و الهجرة، إضافة إلي دعم صراعات و حروب التنافس علي النفوذ في المنطقةِ.

أما حركتا تحرير السودان بقيادة مناوي و حركة العدل و المساواة بقيادة جِبْرِيل فكانتا تريدان من برلين الحضور الدبلوماسي و السياسي و الإعلامي الدولي الذي يعزز شرعيتهما في مواجهة ضغوط الإتحاد الأفريقي و بعض اللجان الأممية المتخصصة، كما أن مفاوضي الحركتين كانوا يريدون المناورة للحصول علي مفاوضات " كاملة الدسم" ، و ليست مفاوضات إلحاق ب"وثيقة الدوحة لسلام دارفور" !

من جانبه، المجتمع الدولي و أقصد تحديدا الولايات المتحدة الأمريكية و ألمانيا- عرابتا لقاء برلين ، قد تلاقت إجندتهما في إطار سعيهما إلي ما يوصف ب " الهبوط الناعم للنظام" . فموقف ألمانيا المتشابك و الداعم للنظام ليس بجديد، فهي قد سبقت معظم الدول الأوربية في التقارب مع النظام و لذلك حيثيات و تفاعلات ليس هنا مكانها.

أما الولايات المتحدة الإمريكية فتسعي إلي ورقة أو عملية تهيء لها المناخ للدخول في المرحلة التالية من الحوار مع نظام البشير- و هي مرحلة الحوار حول رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إضافة إلي قانون محاسبة و سلام دارفور Darfur Peace and Accountability Act ، و هذه قضايا و مظان معقدة للكنغرس الأمريكي فيها سلطة و قرار. من جانب آخر، بقية دول الإتحاد الإتحاد الأوربي تريد رفع الحرج عن نفسها جراء إنتقادات المنظمات الحقوقية للإستمرار في تعاونها مع النظام في قضايا الهجرة، فبريطانيا مثلا، ما زالت تواصل ما يسمي بحوارها الإستراتيجي مع النظام و الذي ستدشن مرحلته الثالثة في الثالث و العشرين من الجاري في الخرطوم . أما الأمم المتحدة و أعضاء مجلس الأمن فيريدون غطاءا لخروج اليوناميد أو تعديل تفويضها في يوليو القادم، لذلك ليس غريبا أن يشارك الممثل الخاص المشترك لليوناميد بفعالية في لقاء برلين .

عوامل فشل برلين:

١- النظام الذي لا يستجيب إلا لمنطق القوة و الضغوط، فهو يعتقد علي نحو راسخ أن ميزان القوي علي الأرض قد إختل لصالحه و أنه لا وجود للحركات في دارفورء، و أن نزاع دارفور قد إنتهي و أنه الطرف المنتصر. لذلك، إرسل أمين حسن عمر المتعجرف و الذي لا يحظي بدعم و تفويض من نظامه، إذ أنه يغرد خارج سرب العصبة التي تعمل علي إعادة ترشيح رأس النظام في العام ٢٠٢٠. من الواضح، إن أعلي سقف تفاوضي جاء به أمين إلي برلين هو إلحاق قيادات الحركتين بوثيقة الدوحة و إستيعابهم في وظائف مثلهم مثل الذين سبقوهم إلي نادي السلطة في الخرطوم!

٢- النظام كذلك يستخف بالوزن السياسي و الإجتماعي لمفاوضي الحركتين، فهو لا يري فيهم تمثيلا متنوعا لأهل الإقليم، و ذلك وفقا لفهمه الضيق للقضية السودانية في دارفور التي يحصرها في الإطار الإثني و العرقي.

٣- النظام مستمر في نهجه الذي يقوم علي " الإنبطاح للخارج لقمع الداخل" ، فهو يعتقد أن تنازله و إنبطاحه للمجتمع الدولي كاف لأن يعمل المجتمع الدولي لحشر الحركات في حضنه. بكلمة إخري، النظام يفضّل التنازل للخارج بدلا إن يقدم أي تنازلات لأطراف الأزمة الوطنية في الداخل.

خلاصة القول، برلين فشلت و ستفشل غيرها من جولات التفاوض ما لم يتغير و يتبدل ميزان القوي الحالي لصالح قوي التغيير الحقيقية. تحضرني في هذا السياق واقعة مهمة، عندما كنّا في خواتيم مفاوضات أبوجا في مايو ٢٠٠٦ قال لنا كاتب مسودة إتفاقية سلام دارفور عندما إحتججنا علي ضعفها و ظلمها و تقاصرها عن طموحات و تطلعات أهل الإقليم، قال لنا " هذا وزنكم الحقيقي علي الأرض ، فالإتفاقية تعكس موزاين القوي علي الارض." قولته المستفزة تلك، كانت تدفع و تشجع بوضوح إلي الحرب لتغيير موزاين القوي. للأسف، هذه هي المناهج و الأسس التي تنهض عليها نظريات علم حل النزاعات. أقول ذلك، و الجميع يدرك إن النظام ليس قويا كما يزعم ، لكنه يستغل آلة الدولة ليخدم بها الخارج فيستقوي به لقهر الوطن و أهله الذين حتما سيثورون عليه قريبا و يقتلعونه بإرادتهم الحرة .


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

ياسر عرمان وغصن الزيتون (2-3) 2018-05-24 22:50:57 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com بعد وفاة جون قرنق طلب مسئول أمريكي زائر من أحد القادة التاريخيين للحركة الشعبية لتحرير السودان من أبناء الجنوب أن يشرح له نظرية السودان الجديد، فرد القائد الجنوبي: "نظرية (...)

الرائد لا يكذب أهله 2018-05-21 17:14:52 الإمام الصادق المهدي 16/5/2018م أمتنا العربية والأمة الإسلامية والعالم، عوالم تمر بمرحلة خطيرة يعتبرها بعض الناس غلياناً منذراً بحرب كونية لا تبقى ولا تذر. وأسوأ ما في الأمر قصور التشخيص لهذه الحالات، بالتالي تهافت (...)

ياسر عرمان وغصن الزيتون (١-٣) 2018-05-21 01:12:39 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com (1) يستحق الحبيب ياسر عرمان ان نقول له: حمد الله على السلامة وألف مبروك، فكون أن هذا الحبيب وصل متأخرا لا يمثل اشكالية ذات وزن، فقد قيل: أن تأتي متأخرا خيرٌ من ألا تأتي. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.