الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 7 تموز (يوليو) 2019

قضايا الثورة والثورة المضاد، العودة إلى الخرطوم (٢)

separation
increase
decrease
separation
separation

ياسر عرمان

⭕ الحرية والتغيير من المعارضة إلى الحكم، وإشكاليات قضايا الرؤية والقيادة وتكرار تجارب الأمس
⭕ الزعيم يوسف حسين: وهتفتُ ليتك لا تزال
⭕ قضية عودتنا للخرطوم على طاولة حكومة الحرية والتغيير

الحرية والتغيير من المعارضة إلى الحكم، وإشكاليات قضايا الرؤية والقيادة وتكرار تجارب الأمس

عكست قيادة الحرية والتغيير مرة أخرى مأزق زعماء الاستقلال في ١٩٥٦، حينما ذهبوا إلى الاستقلال دون الجنوبيين وغالبية المهمشين، وأعطوهم وعوداً مضروبة في النظر بعين الاعتبار في مطلبهم بالفيدرالية، وعبّر الزعماء بنجامين لوكي وفرانكو ويل قرنق بعيون زرقاء اليمامة، حين قالوا أن الجنوب سيخرج من السودان، مثل ما خرجت باكستان من الهند، إذا لم تعالج قضاياه، وقد كان، وإغفال قضايا الهامش والمواطنة تقليد قديم في السياسة السودانية، وتكررت في تجارب ١٩٦٤ و١٩٨٥ و٢٠١٩ كفرص مهدرة، لم تُستغل لحل قضايا الحكم والإجابة على سؤال كيف يحكم السودان، والآن نمضي في نفس الطريق دون رؤية تضع قضايا التهميش والسلام العادل وإعادة هيكلة الدولة، وفي مقدمتها القطاع الأمني، والعلاقة بين الأقاليم والمركز وقضايا النساء والشباب الذين لعبوا دوراً مركزياً في الثورة وقضايا التنوع والمواطنة بلا تمييز. لقد انحصر الحديث الذي لم يسجل في ورقة أو موقف تفاوضي على قضايا الأرقام وصلاحيات هياكل الحكم الفوقية، دون الاتفاق حتى على مبادئ تحكم الانتقال الديمقراطي وتفكيك دولة التمكين ومبادئ لازمة للسلام الشامل وأخرى ضرورية للانتقال من الدولة الأحادية إلى الدولة التي تقبل وتحتفي بالتنوع. ورغم المشاركة الواسعة للمهمشين هذه المرة، والتضحيات العظيمة لريف وهامش السودان، لكننا مع ذلك لم نتعلم شيئاً ولم ننسَ شيئاً من تجارب الانتقال السابقة، عشية الإستقلال ١٩٥٦، وحينما أصبح الصبح في أكتوبر ١٩٦٤، وصباح ٦ أبريل ١٩٨٥ (بلا وإنجلى) فشمل ما يسمى بالهبوط الناعم كافة المشاركين في المسرح، وفي ظل خلل بَيّن في القطاع الأمني بسيطرة مليشيا الدعم السريع عليه واستقلاليتها قيادة وتمويلاً، بل إن الدعم السريع يصرف على الدولة، والثورة التي لا تلغي قوانين اللعبة السياسية القديمة وتجارب الماضي لن تكمل أهدافها كثورة، فالثورة سميت ثورة لإنها لا تلتزم بالقوانين والتجارب القديمة. في ظل خلل الترتيبات الأمنية الحالية يصعب قيام دولة مدنية ديمقراطية، فالقطاع الأمني شبه منهار ولا حديث عن قضايا المواطنة والتنوع والنساء مع سيطرة شبه مطلقة للنظام القديم على الاقتصاد السياسي وإفقار تام للأغلبية الساحقة، وفي ظل محاصصات ومحاولات القفز إلى كراسي الحكم حتى من قوى جديدة، كان من المؤمل أن تقود التغيير.

في ظل التناقضات داخل معسكر قوى الحرية والتغيير، وعلى الجانب الآخر لا توجد استراتيجية واضحة لقوى الكفاح المسلح، فهي أيضاً متباينة الرؤى ولم تلتقط المبادرة لطرح قضاياها بشكل موحد في مناخ الثورة الذي يتيح أكثر من فرصة.
في ظل هذا الوضع فإننا نحتاج إلى تغليب الاستراتيجي على التكتيكي، وهذا بدوره يستدعي وحدة قوى التغيير والثورة، بدءاً من قوى الكفاح المسلح وعلى رأسها الجبهة الثورية، ووحدة قوى نداء السودان، والاتفاق بين قوى نداء السودان وقوى الإجماع الوطني، ووحدة قوى الحرية والتغيير، بجميع مكوناتها، وفي مقدمتها تجمع المهنيين. كان من الأفيد أن تقبل قوى الكفاح المسلح التحدي وتذهب لإجتماع واسع مع قوى الحرية والتغيير داخل الخرطوم، وتجري حوار على الهواء مع الشعب ومع قواعدها، طالما أن قوى الحرية والتغيير أصبحت حاكمة، وستوقع على اتفاق، على أن يتم ذلك الاجتماع قبل تشكيل الحكومة، لوضع رؤية وخارطة سياسية واضحة، تجيب على الأسئلة التاريخية لإشكاليات قضايا الحكم، وكيفية الربط بين قضايا السلام والديمقراطية، ولكن في ظل التعقيدات الحالية فإن الاجتماع الممكن لابد من عقده في الخارج، وفي أديس أبابا، مقر الاتحاد الأفريقي، وبطلب رسمي من قوى الحرية والتغيير للاتحاد الأفريقي، فالاتفاق مع المجلس العسكري ينص على إن أول مهام الحكومة هي تحقيق السلام، وإن قوى الحرية والتغيير هي التي ستشكل الحكومة، ولذلك من حقها أن تجتمع مع قوى الكفاح المسلح قبل تشكيل الحكومة للاتفاق على رؤيةٍ موحدة، وهذا حق وليس منحة، وجزء من مهام الثورة التي يجب عدم التفريط فيها، لا سيّما وأن قوى الكفاح المسلح شريك رئيسي في الثورة وفي تأسيس قوى الحرية والتغيير.

لقد استثمرنا جميعاً ومطولاً في التحالفات ضد نظام الإنقاذ منذ التجمع الوطني الديمقراطي إلى قوى الحرية والتغيير، ونجاح الفترة الانتقالية ومواجهة المؤامرات والانفتاح على القوى الوطنية خارج الحرية والتغيير، الراغبة في نجاح الفترة الانتقالية يستدعي عقد هذا الاجتماع، كما يستدعي تكوين قيادة لقوى الحرية والتغيير من كافة مكوناتها لقيادة الفترة الانتقالية بارتباط وثيق مع الحركة الجماهيرية. علينا أن نتعلم من تجارب الماضي حتى نعبر إلى المستقبل.

يوسف حسين: وهتفتُ ليتك لا تزال

رحل يوسف حسين، كما عاش، دون بهرجة وضوضاء وقشور، رحل (تاج السر) الذي احتفظ بالسر، وكافة الأسرار في أقبية التعذيب وسنوات السجن والقهر الطويلة، محتفظاً بأسرار مساهمته العميقة في بناء الحركة الجماهيرية منذ أن كان طالبا، شارك يوسف من مواقع القيادة في ثلاث ثورات؛ ١٩٦٤-١٩٨٥-٢٠١٩، والحركة الجماهيرية ارتوت من حبّات عرق يوسف حسين ومن التزامه القاطع، ولم يبخل عليها بعمره، شبابه وشيخوخته (والدُّجى يشربُ من ضوء النجيمات البعيدة) كما عبّر تاج السر الآخر. وفي الثلاث ثورات كان يوسف حسين مِلء السمع والبصر، لم يهزمه المرض وسنوات العمر وتقلبات الحياة السياسية، حمل كل ذلك فوق ظهره، وأبداً لم ينحنِ، ومشى باستقامة قلّ نظيرُها، وأتقن حرفة النمل والصبر على المكارهـ والأخلاق عالية الجودة والزهد، وقد ضرب بالدنيا عرض الحائط، وتحلى بشجاعة نادرة، وحينما زاره الموت من بلاده البعيدة والقريبة أيضاً استقبله بثبات بعد أن أكمل مشاركته في ثلاث ثورات.

رحل يوسف حسين، مأسوفاً عليه، وخلّف أسىً وحزناً ودمعة، عند عارفي قدره وفضله، وهو بحق أيقونة المنظمين الثوريين وقديسهم في محراب الشعب، يوسف حسين كان من الذين هزموا مشانق نميري وسجونَه، وبيوت أشباح الإنقاذ، وحتى رمقه الأخير لم يبدل تبديلاً.

يوسف حسين كان ولا يزال بطلاً من أبطالٍ شخصيين بالنسبة لي، وكان يستحق جنازة وطنية، فهو ربما كان صاحب أفضل صفات شخصية في العمل السياسي المعاصر، والأطول قامةً في العزوف عن بهارج الدنيا (كان جمل شيل بشد الحيل) وكان توقيتُ رحيله بعد الثورة من ابتسامات الحياة له، فقد التقى للمرة الثالثة بأهازيج الشباب والنساء ورأى هزيمة الإنقاذ، وهو صاحب سهمٍ ونصيبٍ كبيرين في هزيمتها. لقد أدى واجبه كاملاً، فالمعاني العميقة لحياة يوسف حسين وقدرته على التضحية تظل درساً لشباب اليوم، ولقد كان بحق أستاذاً لا يضاهى من أساتذة جيلنا، في صدق الانتماء وأخلاقيات العمل السياسي. لقد كان لي شرف التعرف عليه، ولقد أسعدني بأن مقالتي عنه بعنوان "لو ولد يوسف حسين قبل مائة عام لكان وليّاً يزار" قد إطّلع عليها قبل أن يرحل، وذكر لي صديق عزيز، طلبتُ منه أن يتأكد تسلّمه تلك المقالة، قال بتواضعه الجم والمعتاد: "هذه المقالة وصلتني من أكثر من شخص، أنا لا استاهل كل ذلك، كان على فلان أن يكتب عن موضوعات أهم".

عند زيارتي الأخيرة للخرطوم لم يسقط يوسف حسين سهواً، فقد طلبتُ من صديقين أن أقوم بزيارته، لم يتحقق ذلك بسبب اعتقالنا وابعادنا، ثم رحل هو، ولا زلتُ أهتف ليتك لاتزال. سأعود للكتابة عنه مرةً أخرى. فكما كانت إسكندرية كمان وكمان، فيوسف حسين كمان وكمان وكمان.

قضية عودتنا للخرطوم على طاولة حكومة الحرية والتغيير

قضية اعتقالنا وابعادنا من الخرطوم انتهاك للقانون وحقوقنا الدستورية، فمنذ الآن هي مطروحة على طاولة حكومة الحرية والتغيير، ولقد ذهبنا للخرطوم كجزء من تلك القوى، وبالضرورة فإن تلك الحكومة ستنتهج نهجاً جديداً ضد سياسات النظام القديم والمجلس العسكري. في كل الأحوال وعند تكوين تلك الحكومة سنعود مرة أخرى ولن نقبل بتجريدنا من حقوقنا في المواطنة الدستورية والقانونية، تنفيذاً لحكم إعدام سياسي باطل ومعيب، والشخص الذي أمر باصداره مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية وهو الآن في السجن، واستبعاد قوى الكفاح المسلح والحركة الشعبية من العملية السياسية جريمة ضد الثورة ومن صنع الثورة المضادة.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

سماجة الشر، احتجاب البصيرة.. في تذكّر مساعد البشير 2019-10-17 15:14:11 بقلم : عبدالحميد أحمد حملت صحف الخرطوم الصادرة بالأمس مفارقةً باعثةً على السخرية إذ ترافق على صفحاتها خبران أولهما هو "عزم النيابة العامة على أن تحسم ملفات قضائية عالقة في مواجهة أقطاب النظام الساقط أبرزها تقويض النظام (...)

ثم ماذا عن مؤتمر السلام الشامل في السودان 2019-10-16 11:43:15 الشفيع خضر سعيد تنطلق اليوم في مدينة جوبا، عاصمة جمهورية جنوب السودان، الجولة الأولى من مفاوضات البحث عن السلام بين حكومة السودان والحركات المسلحة، تصاحبها بعض المفارقات والأسئلة التي تفرض نفسها عليها. أولى هذه المفارقات، (...)

أخواني الشهداء: العيون السود في البطانة كتار 2019-10-14 05:41:16 مجدي الجزولي انهضوا لبوا يا شبابنا هموا شهيدنا الطاهر ضحى بدموا أخواني الشهداء الزايد شوقهم مناى يا الله أسير في طريقهم أصبر قلبي وراجي لحوقهم هنالك في الجنة أبقى رفيقهم.. من أخسر ما خاض فيه المرحوم حسن الترابي بعد (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.