الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 13 آب (أغسطس) 2017

كُتّاب قيد الاستقطاب

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com

(1)
وقعت مؤخرا وبمحض الصدفة ضمن تلال وثائق ويكيليكس المسربة من مواقع الحكومات على وثيقة مثيرة للدهشة حملت توقيع وزير الخارجية السعودي، حفظه الله. وتتعلق الوثيقة بكاتب صحافي مصري من أصحاب الأسماء اللامعة، لم يحفظه الله إذ توفى مؤخرا، نسأل الله له جنات الفردوس.

فحوى الوثيقة ان الحكومة السعودية تلقت تطمينات من الصحافي المذكور، عن طريق وزير مصري، بأن كتاباته الأخيرة لم تكن موجهة ضد المملكة، بل كانت موجهة حصرياً ضد دولة قطر. مع التأكيد بأن الكاتب يحب السعودية ويقدر حكومتها ومليكها. كما أبلغ الوزير المصري المسؤول السعودي ان الصحافي الشهير يزمع ان يثبّت هذا المعني ويؤكده من خلال مواد صحافية يكتبها مستقبلاً.

كذلك حملت الوثيقة توصية وزير الخارجية لجهة اخرى في المملكة بأن تسعى لاستقطاب ذلك الكاتب المصري. يقول النص الويكيليكسي المسرّب: (قد يشاطرني معاليكم الرأى في ضرورة بذل الجهود لاستقطاب مثل هذه الأقلام المرموقة والمؤثرة)! فركت عيني مرتين ثم أعدت القراءة، فإذا بنفس النص أمامي بلغة عربية مبينة!

(2)
قلبت فقرات الوثيقة في رأسي عدة مرات بيد أنني لم اوفق في الوصول الى رأى قاطع عما إذا كانت هذه المادة الويكيليكسية توثق لقوة الصحافة والكاتب الصحافي، أم لضعفها وضعفه.

الوثيقة واضحة وجلية في أن الكاتب الصحافي المصري الذي ابرزت المذكرة اسمه هو الذي سعى برجليه وبادر بالاتصال ليبلغ الجهة السعودية بأنه إنما عنى بكتاباته الشانئة دولة قطر ولم يستهدف المملكة. وهي ايضا واضحة وجلية في أن الاتصال بالحكومة السعودية تم عن طريق الوزير المصري الذي اتصل بالسفير السعودي في القاهرة لينقل له انكار الكاتب الصحفي لمقصد الإساءة في كتاباته. والصورة هنا بالقطع ليست في صالح الصحافة، فالمظهر العام هنا مظهر ضعف. بل ضعف مهين!

ولكن تدخل شخصية قيادية سعودية في وزن وزير الخارجية للتوصية ب(استقطاب) هذا الكاتب الصحفي بالذات، ثم حديثه العام عن ضرورة (استقطاب الأقلام الصحافية المرموقة والمؤثرة) تقلب المعادلة رأساً على عقب، لتعزز الفرضية المضادة، فرضية سلطة الصحافة وقوة نفوذ كتابها.

فإذا كانت اعمدة ذلك الكاتب قد استوجبت التداول والتشاور على أعلى مستويات السلطة في دولة استراتيجية كالمملكة السعودية، وخلصت الى التوصية بضرورة (استقطاب) الكاتب المعنى، وربما غيره من الكتاب، فإن الأمر يسترعي الانتباه ويستوجب الوقفة المتأملة.

(3)
قرأت ما جاء في الوثيقة، وقلت في عقل بالي وانا أغبط زميلي الكاتب المصري محل الاستقطاب: "جاتنا نيلة في حظنا الهباب"! ثم خطر لي، بدلا من الولولة وندب الحظوظ، ان اتخذ موقفا ايجابيا فأتوجه الى أحبابنا في وزارة الخارجية السعودية، والى الجهات الاخرى التي طلب منها الوزير استقطاب الاقلام المؤثرة في الصحافة المصرية، ألا تنسانا نحن معاشر الكتاب الصحافيين السودانيين من صالح الاستقطاب.

وأود باعتباري أهمّ وأبرز الكتاب السوادنة طُرا، الذين تنطبق عليهم عبارة الوزير (الاقلام المرموقة والمؤثرة) في السودان، ان ابلغ السلطات السعودية بأنني أمهلها ثلاثة أشهر فقط لاستقطابي، فإذا انقضت الأشهر الحرم بغير استقطاب فلا تلومنّي حكومة المملكة إن رأتني مهللاً ومطبلا في ركاب مستقطِب آخر. وبين المستقطب بكسر الطاء والمستقطب بفتحها يفتح الله!

ولا أخفيك، أعزك الله، أنني أمسيت وقد أحسست في دخيلة نفسي شيئا من الكآبة والبؤس، كون أنني ظللت ولزمان طويل أحشد قراطيس الصحف وأكبسها بأطنان الكلام، أشكالاً وألوانا، دون ان تسعى لاستقطابي دولة اجنبية واحدة، نفطية او غير نفطية. غير أن الشكوك ما انفكت تساورني بأن بعض اصدقائي من الكتاب الصحافيين السوادنة ربما تم (استقطابهم) بالفعل دون علمي. لا سيما كاتب واحد بعينه. يعرفني ويعرف انني اعرفه. شكوته لله. ولكنني سأمتنع عن الإدلاء بالإسم على الاقل في الوقت الحاضر!

(4)

غير أنني أؤمن بالنقد الذاتي، ولا استبعد ان يكون للأمر صلة بوجهة الكتابة وطبيعتها وفحواها، بمعني انه ليس كل الكتابات، بل قد يكون هناك نوع معين من مقالات واعمدة الرأي هي التي تمهد الطريق أمام الاستقطاب. أما الأصناف الاخرى فلا تسوّغه ولا تستدره. ولذا ففي نيتي ان اقوم بمراجعة شاملة فأعيد توجيه جميع ما أحرره وجهة استقطابية. وما ضاع كاتب وراءه مُستقطب، او بالأحرى ما ضاع استقطاب وراءه كاتب!

مرة أخرى، نعيد قراءة هذه المقولة الطرية الندية الملهمة، كما جاءت في مذكرة الوزير السعودي: (قد يشاطرني معاليكم الرأى في ضرورة بذل الجهود لاستقطاب مثل هذه الأقلام المرموقة والمؤثرة). يا سلام. يا سلام! بارك الله فيك ايها الوزير القطب وأصلحك وأصلح بك، وأبقاك ذخرا للأمة. وباعتباري الناطق الرسمي باسم الأقلام (المرموقة والمؤثرة) في السودان فإنني أعبّر لك عن فائق الشكر وعظيم الامتنان، كونك على الأقل عرفت للكاتب الصحافي قدره، بصرف النظر عن جنسيته، ورعيته وحفظت ودّه، ودعوت لاستقطابه. لا عدمناك!


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

”كل منزل بالكنيسة يقيم عزاء“ 2018-08-16 06:56:58 مجدي الجزولي أتسبح أجساد الأطفال ال(٢٢) في طريقها إلى المدرسة؟ أفرادى هذه الأجساد أم اجتمعت في عطش الحياة وسط ماء النيل؟ أي وحي نزل على هؤلاء الرسل الصغار في برهة الحياة الأخيرة؟ قال خبر الدولة: ”وقع الحادث نتيجة توقف (...)

رفض ترشيح البشير قضية تهم النازحين واللاجئين 2018-08-15 22:15:19 كتب : ياسر عرمان في خرق صارخ للدستور قامت جماعة المصالح الحاكمة في المؤتمر الوطني وهي صاغرة بتقديم البشير كمرشح لها في ٢٠٢٠م، وهذه القضية تهم كل من لا قطة له من السودانيين، فهي تهم حوالي ستة ملايين من النازحين واللاجئين (...)

سؤال الشباب .... (٢) 2018-08-13 16:39:33 كتب : محمد عتيق في العدد ٨٤ (٢٣ يوليو ٢٠١٨) من هذه الصحيفة ، جاءت كلمة هذه الزاوية تحت عنوان (سؤال الشباب) وتم فيها استعراض كيف ان كل القوي السياسية في بلادنا - في الحكومة كانت ام في المعارضة - تمضي في سعيها نحو (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)

بيان مهم - بمناسبة اليوم العالمى للشباب - (12 أغسطس/ آب) 2018-08-12 16:28:41 الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال – SPLM-N الشباب يقودون التغيير .. " كان حتماً أن نثور .. مثلما يمضى القطار .. فى دروب الأرض مُفتعلاً الغبار .. " شباب وطلاب السودان الشُرفاء : لقد ظل السودان يُعاني من أزمات عميقة (...)

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.