الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 21 أيلول (سبتمبر) 2017

لاءات عبد الوهاب الأفندي الثلاث

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(1)
أطلق علىّ أحد الأصدقاء في منبر تواصلي لقب (كبير دعاة التطبيع)، وذلك عقب مقال لى الاسبوع الماضي بعنوان (الخرطوم تل أبيب وبالعكس). هذا مع أن مقالي لم يتضمّن أية دعوة للتطبيع مع اسرائيل، بل اقتصر على تحليل الواقع السياسي الذي أنتجته الدعوة التي أطلقها مؤخرا السيد مبارك المهدي نائب رئيس الوزراء ووزير الاستثمار بشأن مستقبل العلائق بين السودان والدولة الاسرائيلية.

وإذا كان لا بد من ايجاد شخصية مناسبة لتنال لقب (كبير دعاة التطبيع) فالمؤكد انها ستكون الاستاذ محمود محمد طه، الذي أصدر في العام 1967 كتابه الشهير (مشكلة الشرق الأوسط) ودعا عبره، في شجاعة سافرة عزّ نظيرها، الى الصلح والاعتراف بدولة اسرائيل، في وقتٍ كان فيه جمال عبد الناصر معبود المثقفين وبقرة الجماهير المقدسة، وكانت هيستيريا القضاء على اسرائيل وازالتها من الوجود في أوجها.

وسينال لقب (نائب كبير دعاة التطبيع) ابن عمي الاستاذ نزار عوض عبد المجيد، الناشر الصحافي في تسعينيات القرن الماضي، الذي كتب مقالاً في صحيفته (آخر خبر) دعا فيه الى الاعتراف باسرائيل، فهاجت الدنيا وماجت، واصدرت نقابة الصحافيين السودانيين آنذاك بيانا تبرأت فيه من قريبي هذا وشتمته شتيمة الأراذل، وقالت عنه أنه لا يمثل الصحافة السودانية ولا يشرفها. ثم أغلقت السلطات داره الصحفية في السادس عشر من يناير 1996 عبر بيان رسمي اعلنت فيه ايقاف الصحيفة التي كانت ترأس تحريرها الاستاذة آمال عباس، ايقافا نهائيا، فأراحتنا نحن معشر أبناء الأسرة الممتدة من دعاوي نزار وبلاويه!

(2)
في اطار تداعيات دعوة السيد مبارك المهدي للتطبيع خرج علينا الحبيب الآخر الدكتور عبد الوهاب مفتتح هذا الاسبوع بمقال جعل له عنوانا (السودان وإثم التطبيع العظيم)، تحاشى أن يأتي فيه باسم السيد مبارك، فاكتفى بعبارة (سجال هذه الأيام حول دعوات تكاثرت لإقامة علاقات مع اسرائيل).

كال الافندي في مقاله الذي نشرته صحيفته اللندنية الراتبة (العربي الجديد)، التي تمولها دولة قطر ويشرف عليها عضو الكنيست الاسرائيلي السابق عزمي بشارة، كال بكل مكيال للدعوة ومسانديها، ووصفهم بأنهم كالطفل الغرير الذي يستخدم قنبلة شديدة الانفجار كلعبة يتسلى بها، وهو في هذه الحالة أشد خطرا على نفسه، وأن تناول قضية العلاقات مع الكيان الصهيوني بهذا الاستخفاف سلوك لا أخلاقي، بل هو إثمٌ عظيم. يا للهول!

وأنا من جانبي أرى في تناول الدكتور عبد الوهاب لقضية التطبيع وفق هذا النهج، الذي يمزج في ذات الآن بين القسوة والدراما والعاطفة المفرطة، إثماً جديدا يفوق إثم الأولين في عظمته. ولو أنه استهدى بالله ووضع القضية في سياقها السليم، لوجد لنفسه ولمخالفيه مدخل صدق ومخرج صدق، ولثاب الجميع من بعد ذلك الى ملاذٍ آمن.

ويخيل الىّ، والله أعلم، أن التخليط الذي تاهت فيه خيوط الحوار فبلغ هذا المبلغ من حدّة الاستقطاب، حتى لا نقول التطرف، ربما يعود في الأساس الى اختلاط المفاهيم وغياب التعريفات الدقيقة للمصطلحات التي يُفترض ان يجري توظيفها بما يعين على تحرير الخلاف تحريرا موضوعيا. وهو أمر يمكن ان يؤدي، في النزاع الحاضر وفي غيره، الى سجالات سياسية وفقهية وايديولوجية دائرية مُفرغة لا تنتهي، بسبب غياب الانسجام بين بنيتي اللغة والعقل. ولذا فقد طرحت في حوار مباشر مع صديقي الدكتور عبد الوهاب السؤال التالي: ماهو المقصود من مصطلح (التطبيع)؟ كيف تعرّفونه في كتابكم؟!

(3)
يمكنك، أعزك الله، ان تقف على تعريف الدكتور عبد الوهاب للتطبيع من خلال عباراته التالية: (التطبيع كلمة استخدمها الصهاينة ومن تعامل معهم للايهام بأن القطيعة مع المعتدين هو أمر غير طبيعي، وكذلك عدم الاكتفاء بالعلاقات الدبلوماسية، وإنما السماح بالسياحة والتجارة وحرية التنقل وكل ما يخدم مصلحة إسرائيل، بينما تظل أوضاع الفلسطينين أبعد ما تكون عن طبيعتها المفترضة. وهكذا يدخل الإسرائيلي مصر والأردن وغيرها متى شاء بينما حجاج غزة ومرضاها يموتون على الحواجز. هذا هو تطبيع الخيانة والإجرام وبيع الآخرة بقليل من الدنيا)!

وذلك تعريف قد يُلزم صاحبي عبد الوهاب، ولكنه لا يلزم مخالفيه.

السيد مبارك المهدي عندما سئل في المقابل عن تعريفه للتطبيع أجاب: (التطبيع هو الخروج من حالة العداء، وممارسة وخدمة المصالح المشتركة من تجارة ونقل تكنولوجيا وخبرات وغيرها، ووقف اي تحريض او دعم لزعزعة الاستقرار في البلدين).

تعريف الافندي ينطلق من نظرية تفترض انصياع المُطبّع لشروط اسرائيل، والانخراط الطوعي في خدمة مصالحها. والإعانة على قهر الفلسطينيين. أما سليل المهدي فلا يرى أيّا من ذلك، إذ ينطلق من أرضية براغماتيكية محضة تستغنى عن حالة عداء مفروضة على السودان فرضاً، وتكرس وتصون أمن البلاد القومي في مواجهة مؤامرات قائمة ومحتملة من جانب قوى مقتدرة، وتجلب لبلادنا أية مكتسبات مادية وتقنية متاحة. فقط لا غير!

وبالتالي فإن مصطلح التطبيع المباركي لا يستصحب بالضرورة موالاة اسرائيل والانكسار في مواجهتها، وتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، ولا يعني علاقات متميزة وتحالفات استراتيجية مع تل أبيب على حساب غيرها. وربما كان ذلك هو ما يحاول خصوم الفكرة اشاعته بين الناس بهدف كسب الجولة!

(4)
لندير الحوار بيننا بالحسنى، فلا يكون مصير أحدنا مصير الشاعر العظيم صلاح عبد الصبور الذي دعاه صديقه الشاعر احمد عبد المعطي حجازي الى العشاء والسهرة في منزله مع آخرين، وهناك احتك به شاعر آخر فهاجمه، واتهمه بموالاة سياسة التطبيع، واحتد النقاش بينهما واحتدم، وبلغ الانفعال بشاعرنا عبد الصبور مبلغاً لم يحتمله قلبه المرهف، فاجتاحته نوبة قلبية غادرنا لفوره، وعلى اثرها، الى دار البقاء في ذات مكان السهرة.

رحمه الله، وألهمنا وهدانا جميعا سبيل الرشاد.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في السودان ام في جنيف ؟ 2018-10-15 15:52:40 بقلم : محمد عتيق الصديق ‏والصحفي الكبير الاستاذ محمد لطيف ، صاحب التحليل السياسي الرشيق والمقروء ، كان نجم التغطية الصحفية التحليلية لاجتماعات الدورة 39 لمجلس حقوق الإنسان التابع ‏للأمم المتحدة (جنيف سبتمبر ‏٢٠١٨) ‏عبر (...)

النُّخبة السُّودانية وما تبقَّى من رحيق 2018-10-14 14:46:18 بقلم :عمر الدقير يُنْسَب للمسيح عليه السلام أنه شبّهَ النخبة في أي مجتمع بالملح، لأن الملح إذا فسد ربّما تعذّر وجود ما يمكن أن يُحْفَظ به أي شيء ويصان به من التعفن والخراب .. وسواء صحّت نسبة ذلك التشبيه للسيد المسيح أم (...)

"الخواجة عبدالقادر" بين ألف النداء وياء المد 2018-10-14 14:46:02 بقلم:الجميل الفاضل قبل نحو ست سنوات تقريباً، رفعت الدراما المصرية، ذِكر المهندس النمساوي الأصل، المصري الجنسية، السوداني الروح والقبر والهوية، "جوليوس فاجوجون" أو"الخواجة عبدالقادر" الذي عاش لأكثر من ثلاث عقود بين (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.