الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 13 آب (أغسطس) 2017

ماذا حدث و يحدث داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال؟ (4-4)

separation
increase
decrease
separation
separation

 

ناصف بشير الأمين

 

في الجزء الأول من هذا المقال، قدمنا تلخيصا للوقائع و الأحداث الرئيسية لأزمة الحركة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال وذلك بالإعتماد على الوثائق والبيانات الصادرة من طرفي الخلاف كمصادر أولية. بدأت هذه الأزمة بتقديم نائب رئيس الحركة الفريق عبد العزيز آدم الحلو لإستقالته للمرة الثالثة (خلال حوالي عامين) في 7 مارس 2017م. تضمن ذلك سردا لأسباب هذه الإستقلات حسب ما جاءت في خطابات الإستقالة و التي تضمنت أيضا إتهامات محددة لرئيس الحركة وأمينها العام وردت في خطاب في الإستقالة الثالثة. تناول الجزء الأول كذلك قرارات مجلس تحرير إقليم جبال النوبة – جنوب كردفان القاضية بإعفاء رئيس الحركة وأمينها العام من مواقعهما ومنعهما من دخول المناطق المحررة، وحل المجلس القيادي للحركة و تعين نائب الرئيس رئيسا للحركة. وتضمن أيضا رد رئيس الحركة وأمينها على ما ورد في إستقالة نائب الرئيس و التهم الموجهة اليهما ورؤيتهما لطبيعة الخلاف وأسبابه، وردهما على قرارات مجلس التحرير الإقليمي.

الجزء الثاني من المقال حاول الإجابة على سؤال مدى شرعية قرارات مجلس تحرير إقليم جبال النوبة. ركز هذا الجزء على القيام بتحليل قانوني لمدى دستورية تلك القرارات على ضوء نصوص دستور الحركة الشعبية لتحرير السودان-ش لسنة 2013م والأعراف التنظيمية المستقرة. ابرز التحليل القانوني المسائل التي تدخل في، وتلك التي تخرج عن إختصاصات و صلاحيات مجالس التحرير الإقليمية المنشأة بموجب الدستور، وحدد الهيئة القومية المختصة بالتقرير في أمر إقالة رئيس الحركة ونائب الرئيس والأمين العام، وهي المؤتمر العام. كذلك امتد التحليل الى مضمون قرارات المجلس الإقليمي لفحص الإجراءات التي اتبعت في إصدارها ومدى إستنادها على تحقيق شامل محايد و شفاف يأخذ في الإعتبار وجهتي نظر الطرفين، و كذلك الشروط الإجرائية المتعلقة بمدى قانونية الدعوة لإجتماع المجلس الثاني و نصابه.

الجزء الثالث تناول بالتحليل السياق العام السياسي والإجتماعي و الإقتصادي للأزمة وأسبابها المباشرة. ابرز التحليل عامل الإشكالات والمصاعب التنظيمية و الإدارية الداخلية في تنظيم الحركة، و الأطراف المسؤلة عنها، ومدى مساهمتها في خلق الأزمة الحالية. جرى التركير في هذا الجزء التحليلي على إبراز الجوانب الفكرية المتصلة بأهداف الحركة و رؤيتها والتي تشكل موضوع الخلاف و المحرك الرئيسي في هذه الأزمة، وهي تشمل قضايا الإلتزام بوحدة السودان على أسس جديدة مقابل المطالبة بممارسة تقرير المصير، وقضايا الديمقراطية الداخلية والموقف من تصاعد دور الإثنية في السياسية السودانية، مع تركيز خاص على قضية حق تقرير المصير بجوانبه النظرية والتطبيقية.

الخلاصة

خلاصات هذه الدراسة يمكن تلخيصها في الآتي: 

1. لم يتم النظر للخلاف بين رئيس الحركة وأمينها العام من جانب ونائب الرئيس من جانب آخر بإعتباره مجرد إختلاف طبيعي في وجهات النظر بين رفاق الكفاح؛ ولكن جرى النظر للخلاف من خلال عدسات نظرية المؤامرة وفي ظل الغبار والدخان الكثيف الذي يحجب الرؤية الموضوعية، والناتج عن مناخ الإستقطاب والشيطنة والتخوين والتعبئة الإثنية الذي عمل على تصعيده بشكل خاص تيار القوميين النوبة. فتم تصويره طبقا لذلك كصراع بين الخير والحق وملائكته والشر و الباطل و شياطينه، بين البطل المنقذ الذي سوف يأتي على حصانه المجنح فيهزم الأعداء بضربة سوط ويأتي بتقرير المصير للمنطقتين ويبقي على الجيشين ويبنى السودان الجديد العلماني ويملآ الأرض عدلا ولبنا وقمحا وعسلا، و في الجانب الآخر الخونة الذين باعوا القضية و الجيش الشعبي للعدو وقبضوا ثمنهما. هذه النظرة السريالية التي تذكرنا ببرنامج دقيقتي الكراهية المخصص "للخائن العميل" قولدنشتاين في رواية جورج أوريل 1984، يلخصها ما ورد في البيان الختامي لإجتماع القادة العسكريين والسياسيين والأدارات المدنية بإقليم جبال النوبة / جنوب كردفان، الصادر بتاريخ 7 يوليو 2017م، والذي نورد ما جاء فيه حرفيا: "التأكيد بما لا يدع مجالا للشك وفقاً للوثائق المتوفرة بأن الرئيس والامين العام السابقين المقالين، قد عقدوا صفقات سرية مع جهات معلومة بغرض التخلي عن حمل السلاح والجيش الشعبي لتحرير السودان، مما يعتبر خيانة للمشروع والرؤية والاهداف ودماء الشهداء." كان و ما يزال معظم المراقبين المحايدين يتوقعون ان يخرج العقلاء رؤوسهم من ذلك الصندوق المعبأ بدخان التعبئة والإستقطاب الذي يحجب الرؤية المحايدة والموضوعية. وأن يفكروا و ينظروا خارج ذلك الصندق المفخخ ليروا طرفي الخلاف على حقيقتهم البشرية لا ملائكة ولا شياطين؛ ويروا الخلاف على حقيقته الموضوعية كخلاف في وجهات النظر حول قضايا محددة، قد يخطيء فيها أي طرف وقد يصيب. لربما كانوا قد وجدوا إجابات على الأسئلة المركزية التي تطرحها هذه الأزمة ومنها: هل ما حدث هو صراع بين أبطال و خونة، أم هو خلاف حول قضايا فكرية و سياسية و تنظيمية محددة؟ و هل ما حدث هو تصحيح للمسار أم إنقسام وصل درجة الإقتتال على أسس قبلية في النيل الأزرق؟ وهل الحركة الشعبية-ش أقوى حاليا بعد هذه القرارات أم اضعف؟ ولأمكن بالتالي إحتواء الخلاف وحقن الدماء ومنع الإنقسام و الحول دون منح أعداء الحركة الحقيقين نصرا مجانيا. 

الواقع أن تهم الخيانة وعقد صفقات سرية مع النظام لتجريد الجيش الشعبي من سلاحه الموجهة لرئيس الحركة وأمينها العام، والتي وردت في إستقالة نائب الرئيس وإستند عليها مجلس التحرير الإقليمي كجزء رئيسي من حيثيات قراراته، تفتقد لأي أساس موضوعي، وهي تكشف عن أزمة الطرف الثاني الذي إعتمد على إستراتيجية التخوين وإغتيال الشخصية لتسهيل عملية إقصاء الأمين العام للحركة ثم الرئيس، و ذلك بدل طرح قضايا الخلاف الحقيقية بوضوح وشجاعة. في هذا الخصوص يتوجب إبراز الحقائق الآتية: أولا: ليس هناك إتفاق سري عقده وفد الحركة الشعبية –ش المفاوض او أيا من أعضاءه منفردا مع النظام، و لا يوجد غير وثائق المفاوضات المنشورة في الإعلام طوال جولات التفاوض، ولم يقدم نائب الرئيس و مؤيدوه أي دليل على هذا الإتهام الخطير، وهناك أعضاء في وفد التفاوض يقفون الآن مع نائب الرئيس؛ ثانيا: ما طرحه وفد الحركة الشعبية المفاوض في أغسطس 2016م، ردا على مطالبات الوفد الحكومي، كان عبارة عن مقترح إطار مباديء للترتيبات الأمنية وليس إتفاق، وإحتفظ الوفد بحقه في طرح مبادئ آخرى لاحقا، وعند طرح هذا المقترح بمبادئه الخمس الواردة في الجزء الأول من هذا المقال إنسحب الفريق عماد عدوي، وقبل الوفد الحكومي بعدها بالرجوع لوثيقة وقف العدائيات كما هي دون الحديث عن مباديء الترتيبات الأمنية النهائية. وهذه حقائق معلومة و منشورة و ملكت للرأي العام في وقتها. إذا الأمر لا يعدو كونه مقترح مباديء إطارية رفضه الوفد الحكومي؛ ثالثا: الجيش الشعبي الذي إستخدم كورقة وكموضوع لتهم الخيانة وتصفية الحسابات لم يكن طرفا في الأزمة و ظل محايدا، و لم تصدر عنه أي قرارات ذات صلة الا بعد إجتماع المجلس العسكري في 15-16 يونيو 2017م، و لعل سبب ذلك الموقف يعود لحقيقة وجود رئيس هيئة أركان الجيش الشعبي اللواء جقود مكوار و نوابه كأعضاء في المجلس القيادي للحركة وكذلك كأعضاء في وفد التفاوض خاصة في جولات التفاوض الخاصة بوقف العدائيات وبند الترتيبات الأمنية، و لذلك هم على دراية كاملة بعدم صحة تلك الإتهامات الخاصة بعقد الرئيس والأمين العام للحركة صفقات سرية لتجريد الجيش الشعبي من سلاحه؛ رابعا: قراءة وثائق الأزمة تكشف أن رئيس الحركة و أمينها العام لم ينزلقا الى مجاراة الطرف الآخر في لعبة التخوين والشيطنة والشتائم، وإنما إختارا بدلا من ذلك العمل على إبراز الوقائع ونقاط الإختلاف بشيء من التفصيل و درجة من الموضوعية. الحركة الشعبية لم تكن إذا إستثناءا من طرق و مناهج أحزاب المركز التقليدية والحديثة في إدارة خلافاتها الداخلية التي لاتنتهي، فهي جميعا دون إستثناء تعتمد إستراتيجية الشيطنة والتخوين لإقصاء المختلفين، بدلا عن طرح قضايا الخلاف الحقيقية بطريقة شجاعة وعقلانية. لذلك في تقدير كاتب هذه السطور، أن اللجوء لأسلوب التخوين والتصعيد في هذا الجانب قصد به التغطية على قضايا الخلاف الأساسية.

2. من منظور قانوني، القرارات التي أصدرها مجلس تحرير إقليم جبال النوبة - جنوب كردفان بإعفاء رئيس الحركة وأمينها العام وتعيين رئيس جديد لها وحل مجلسها القيادي تعتبر غير دستورية، بسب تعارضها الواضح من نصوص الدستور والأعراف التنظيمية المستقرة. مجلس تحرير أقليم جبال النوبة – جنوب كردفان –وكذلك سائر مجالس التحرير الإقليمية - تنحصر سلطاته وصلاحياته، حسب المادة 15(5) من الدستور، في نطاق دائرة إختصاصه الإقليمي؛ لهذا السبب فإن المجلس الإقليمي لا يملك سلطة إصدار القرارات التي إصدرها، لأنها تتعلق بشئون قومية خارجة عن نطاق إختصاصه الإقليمي. و حسب نصوص المواد 20(ح)، 21(ح) و 22(ح) من دستور الحركة لسنة 2013م، ينعقد إختصاص إعفاء رئيس الحركة او نائب الرئيس او الأمين العام لجهة واحدة على سبيل الحصر وهي المؤتمر القومي العام، ويمارس في حالة واحدة و هي فقدان الأهلية حسب شروطه المنصوص عليها في الدستور، و يتخذ القرار بنصاب عالي جدا و هو أغلبية ثلاثة أرباع جميع الأعضاء (وليس الحاضرين) وهو تشديد مقصود من الدستور. إضافة لما تقدم، إستندت قرارات المجلس الإقليمي على ما ورد في إستقالة نائب الرئيس وحدها دون غيرها و لم تستند إلى تحقيق شامل محايد و شفاف يأخذ أيضا في الإعتبار وجهة نظر الطرف الآخر ورده على التهم الواردة في إستقالة نائب الرئيس، وهو يعتبر لذلك إجراءا معيبا، يطعن في قانونية القرارات من ناحية موضوعية، بسبب إفتقادها التسبيب الموضوعي و الوزن السليم للبينات والوقائع ذات الصلة. كذلك صاحبت إنعقاد إجتماع المجلس الثاني مخالفات إجرائية تتعلق بمصدر الدعوة للإجتماع وعدم إكتمال نصابه.

3. عدم دستورية قرارات مجلس التحرير الإقليمي يعطي التكييف الوارد في خطاب رئيس الحركة لما حدث بأنه "إنقلاب" أساسا دستوريا. و ما الإنقلاب سوى فرض أمر واقع قسريا على مؤسسة ما، من خارج الأطر الشرعية و الدستورية القائمة. التبريرات التي حاولت جاهدة أن توجد نوعا من الشرعية لهذه القرارات بالإستناد الى ما اسموه الشرعية الثورية التي يبررها منطق الثورة و ظروف الكفاح المسلح، تعزز هذا الرأي. يعزز هذا الرأي أيضا التشدد غير المبرر بحق رئيس الحركة و أمينها العام الذي انطوت عليه قرارات المجلس الإقليمي، التي لم تكتف بإقالة االرئيس و الأمين العام وإنما زادت عليه منعهما من دخول المناطق المحررة. ألا يتوجب على مجلس التحرير الإقليمي، حتى وهو يصدر قرارا بإعفاء رئيس الحركة وأمينها العام، ان يعاملهما بالتقدير والإحترام الواجبين وبالطريقة التي تحفظ كرامتهما كأفراد أولا، و تراعى مكانة والإحترام الواجب للموقع القيادي في هرم تنظيم الحركة والجيش الشعبي الذي يشغلانه، وتأخذ في الإعتبار تاريخهما الطويل ومساهماتهما الكبيرة في مسيرة الثورة لما يزيد عن 30 عاما؟ خاصة وأن رئيس الحركة و الأمين العام كانا قد ابديا رغبتهما في التنحي طواعية عن قيادة الحركة وإفساح المجال لجيل جديد ليتولي القيادة، منذ سبتمبر 2016م. لكن مقابلة ذلك العرض بالتجاهل والإستخفاف ومعاملة الإثنين بهذه الطريقة، لا يكشفان عن شيء سوى الرغبة في إقصاء الرئيس و الأمين العام للحركة بشكل تام و نهائي من المشهد السياسي و التنظيمي، وإنفراد مجموعة معينة بقيادة الحركة، و هل يعنى الإنقلاب شيئا آخر غير ذلك؟

4. مع الإعتراف بحق تقرير المصير كحق إنساني، الإ ان تبنيه والمطالبة به من قبل الحركة الشعبية-ش لإقليم جبال النوبة او المنطقتين يعترضه عدد من المصاعب التطبيقية والمخاطر والصعوبات العملية. سوف يؤدي طرح حق تقرير المصير الي إهتزاز شامل في طرح فكرة السودان الجديد، خاصة بعد إنفصال الجنوب، وسيعزل الحركة الشعبية عن القوى الوطنية والديمقراطية الساعية للتغيير والتحول الديمقراطي، وسوف يقسم الحركة الي جبال النوبة في إتجاه والنيل الأزرق في إتجاه آخر،لاسيما وأنه لا توجد حدود جغرافية مشتركة بينهما. يضاف الى ذلك واقع التنوع الإثني في المنطقتين و الخوف من أن تؤدي المطالبة بالحق الى فتنة ونزاعات إثنية شبيهة بما حدث ويحدث في دارفور. كذلك الخلافات المتوقعة في أوساط النوبة أنفسهم، آخذين في الإعتبار إن نسبة كبيرة جدا من شعب النوبة هم من سكان المدن الذين لديهم مصالح مرتبطة مع باقي سكان السودان، وسيبعد أعضاء الحركة الذين ينتمون الي خارج المنطقتين. يضاف الى ذلك أن حدود المنطقتين الجغرافية ليست كحدود الجنوب وغير متفق عليها. كذلك لا يتوقع أن تجد الدعوة لحق تقرير المصير سندا دوليا و إقليميا بعد تجربة الجنوب.

 تبني قضية تقرير المصير وإعطاءها أولوية على تحقيق هدف السودان الجديد الموحد سوف يغير أيضا دون شك طبيعة وهدف الكفاح المسلح، وكما جاء في بيان رئيس الحركة، فإنه أيضا يحول الجيش الشعبى لتحرير السودان -ش الى جيش يقاتل لفصل جزء من البلاد. و سيؤدي ذلك أيضا الى تحويل الحركة الشعبية – شمال من حركة قومية تقود حركة المقاومة المدنية والمسلحة الهادفة الى أحداث التغيير و تحقيق التحول الديمقراطي الى حركة ذات نزعة إقليمية إثنية، مما سيؤدي الى عزل الحركة عن قوى التغيير في البلاد. المطالبة بحق تقرير المصير لإقليم جبال النوبة – جنوب كردفان التي وردت في إستقالة نائب رئيس الحركة الفريق عبد العزيز الحلو و تبنتها قرارات مجلس التحرير الإقليمي، جاءت أيضا دون أن تخضع هذه القضية المصيرية للدراسة والنقاش الكافي داخل مؤسسات الحركة الشعبية - ش، و طرحت بطريقة فوقية استهدفت فرضها كأمر واقع قبل إنعقاد المؤتمر العام للحركة.

5. رؤية السودان الجديد التي طورها الشهيد د. جون قرنق طرحت في الأصل كمضاد لسياسات الهوية والإثنية وتسيس الدين التي تتبناها تاريخيا قوى المركز التقليدية؛ وطرح في مواجهة ذلك الإعتراف بواقع التنوع الإثني والديني والثقافي في السودان وجعل المواطنة المرتبطة بالإنتماء المجرد للأرض أساسا للحقوق والواجبات دون تمييز. الأسئلة التي اثارتها الأزمة حول إعتراف الحركة بالدور المتعاظم للإثنية في السياسة السودانية، تثير بدورها السؤال عما إذا كانت تلك بمثابة دعوة لإعادة النظر في أساسيات رؤية الحركة. هذه الدعوة التي وردت في كل إستقالات نائب رئيس الحركة جاءت في سياق مطالبته بتمثيل أبناء جبال النوبة في القيادة وإنه إستقال من موقع نائب الرئيس - الذي لايستحقه حسب تعبيره- بغرض منح ذلك الموقع للنوبة. الا يثير ذلك سؤالا فقط من باب المنطق الصوري: كيف استحق نائب الرئيس الآن موقع الرئاسة إذا كان يرى أنه لا يستحق موقع نائب الرئيس؟ لكن فلنتجاوز هذا السؤال المنطقي لثانويته لفائدة التركيز على السؤال الرئيسي الذي نحن بصدده. المطالبة بعدالة تمثيل أي إقليم وذلك بأن يعكس تمثيله في مؤسسات الحركة القيادية ثقله العددي النسبي، مطالبة عادلة ومشروعة. ولكن عدالة التمثيل لا تتطلب إعترافا وتكريسا للدور الإثني في السياسية لأن المعيار لعدالة تمثيل الإقاليم او المكاتب الخارجية او غيرها من تنظيمات الحركة القاعدية لا ينبني بداهة على أسس أثنية، وإنما يتم على أساس عددي رياضي بحت. وهو لذلك نتيجة تتحقق اتوماتيكيا في حال تكونت المؤسسات القيادية كنتاج لإنتخابات ديمقراطية نزيهة من المؤتمرات القاعدية، دون حاجة لإثارة هذا النوع من الإسئلة. لكن نتائج التمثيل الديمقراطي العادل الذي يعكس الثقل العددي لايتطابق بالضرورة مع الخلفية او التركيبة الإثنية لإقليم ما مثلا. فقد تختار الغالبية ممثلا لها لا ينتمي للغالبية الإثنية في الإقليم، كما هي حالة نائب الرئيس نفسه، وهذه هي بداهات رؤية و مشروع السودان الجديد! السؤال الذي يفرض نفسه هنا؛ الا تشكل دعوة نائب الرئيس (مقرؤة مع المطالبة بتقرير المصير) تبنيا ل او تماهيا مع طرح القوميين النوبة الذين لا تعنى السياسية عندهم شيئا اخر سوى الإثنية؟ والذين تتعارض توجهاتهم الإنعزالية تعارضا واسعا مع رؤية السودان الجديد الموحد؟، والذين ظلوا يستخدمون الورقة الإثنية بطريقة إبتزازية ضد نائب الرئيس نفسه، كما ورد في خطاب إستقالته؟ الواقع أن القوميين النوبة هم الذين تولوا قيادة الحملة الإعلامية والتعبئة الإثنية ضد رئيس الحركة وأمينها العام خلال هذه الأزمة في المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي. استهدف خطابهم بشكل خاص إغتيال شخصية الأمين العام للحركة وتصعيد حالة الإستقطاب والتعبئة الإثنية ضده من خلال إنتاج صورة نمطية له "جلابي" معادي لتطلعات أبناء جبال النوبة، هذا بالإضافة الى خطاب الشيطنة والتخوين وتهم عقد الصفقات السرية مع النظام الحاكم التي تهدف الى بيع القضية و تصفية الجيش الشعبي..الخ! لذلك فإن المتوقع حسب المجرى الطبيعي للإمور- اذا حدث الأسوأ وتم تكريس الإنقسام في الحركة كأمر واقع لجهة بروز حركتين (وهو أمر ما يزال بالإمكان تجنبه)- فإن الساحة ستشهد سيطرة القوميين النوبة على الحركة الشعبية التي يقودها الفريق عبدالعزيز الحلو وما يترتب علي تلك السيطرة من نتائج و ذلك لثلاث أساب؛ أولا: لأن تيار الفريق الحلو قد تبنى عمليا أجندة هولاء القوميين كما اشرت والتي تتمحور أساسا حول المطالبة بتقرير المصير للإقليم؛ ثانيا: للدور المساند لنائب الرئيس الذي لعبوه خلال الأزمة؛ ثالثا: بسبب الفراغات التنظيمية القيادية و الوسيطة التي سيخلقها الإنقسام.

6. يلاحظ في خطاب نائب الرئيس و مؤيديه انهم يطرحون خطا يبدو متشددا، ولكن سرعان ما تتضح هشاشته عند فحصه نقديا، كما أوضحت النقاط الخمس السابقة. ظلت الحركة الشعبية لتحرير السودان تواجه على مدار سنوات الكفاح ضغوطا وحملات متعددة من الخصوم التاريخيين والجدد داخل السودان، وكذلك ضغوطا خارجية ضخمة لجهة التخلي عن رؤية السودان الجديد وحصر نفسها في المنطقتين، كل على حدا. المركز ظل تاريخيا يعمل على تقزيم حركات المقاومة في الهامش، ودفعها بإتجاه أن تظل حركات إقليمية، وليست حركات ذات توجهات قومية تهدد المركز. على سبيل المثال، في كل جولات التفاوض بين الحركة الشعبية –ش و النظام الحاكم، كان ممثلو النظام يصرون على انهم ليس لديهم تفويض لمناقشة القضايا القومية الخاصة بالتحول الديمقراطي، وأن تفويضهم يقتصر على مناقشة قضايا المنطقتين. القوميين النوبة – كحال نظرائهم القوميين الجنوبيين – عرفوا من خلال التجربة بإستعدادهم للمساومة مع النظام من أجل تحقيق مطالبهم الإقليمية، و بشكل لا يحدث أي تغيير في المركز أو يؤثر على سيطرة النظام على المركز او يمس ركائز النظام الأساسية، وذلك في ذات الوقت الذي يتغنون فيه بشعاراتهم التي تبدو متشددة. لهذا السبب ظل النظام طوال تاريخه أقرب لهذه المجموعات، وعلى إستعداد دائم لعقد صفقات معها. لذلك ليس مستغربا أن ينظر النظام بعين الرضا والإرتياح لتوجهات قيادة الحركة الشعبية-ش الجديدة، فهو الرابح الأكبر، و ربما الأوحد، من هذه التطورات في نهاية المطاف. 

7. أخيرا وليس آخرا، أزمة الحركة الشعبية لتحرير السودان – ش، رغم جروحها العميقة وتحدياتها الكبيرة التي ناقشها المقال، يمكن تحويلها الى فرصة لإعادة بناء الحركة على أسس تجديدية منفتحة. من خلال التفهم العميق لأسباب و جذور الأزمة الفكرية و السياسية و التنظيمية، والتناقضات التي كشفت عنها، و المتغييرات الكثيرة المحيطة بالحركة الشعبية – ش محليا وأقليميا و دوليا، يمكن التقدم نحو إطلاق عملية تجديد حزبي شاملة، من خلال النقد الجذري لكافة الأطر النظرية والممارسات السابقة. بذلك وحدة يمكن أن تتحول الأزمة الى فرصة للتجديد وإعادة البناء التنظيمي، و"لتحرير" مانفستو التحرير نفسه من أي قيود او إرتهان إثني او إقليمي ومن أي نزعات إنفصالية، ليعود مشروعا لتحرير و توحيد كل السودان على أسس جديدة، كما كان حلم الشهيد د. جون قرنق في صفائه الأول. وبذلك يمكن أن تتجاوز الحركة وتنهي حالة الإنقسام الحقيقي وهو الإنقسام الفكري وتحقق الوحدة الفكرية الضرورية لأي حركة تغيير؛ او ما اسماه خطاب رئيس الحركة الشعبية "أن نتمسك برؤية السودان الجديد ووحدة السودان على أسس جديدة دون المراوحة والتأرجح بين حق تقرير المصير ووحدة السودان كما حدث في الماضي." وكما جاء في خطاب الأمين العام للحركة (1 يوليو 2017م): "رؤية السودان الجديد أمام خيارين لابد أن ينتصر أحدهما، فأما أن تصعد نحو ميلاد ثاني يفتح أمامها أبواب التجديد والإنفتاح على الحقائق الجديدة على مستوى الممارسة والنظرية، وأن تستقي دروس جديدة من الممارسة والنتائج التي تمخضت عنها سلبا وإيجابا لتواصل تقدمها نحو الأمام، أو يصيبها الجمود في عالم متغير على مدار الساعة واليوم."


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

لوكا بيونق يرد علي بونا ملوال ..هل أبيي تتبع لجنوب السودان؟ 2017-12-12 19:26:46 ترجمة موياك لنقو أويج إن البيان الأخير بأن أبيي جزء لا لبس فيه من السودان أثار جدلا صحيا مرة أخرى حول وضع أبيي. لقد فوجئت ليس فقط بمستوى الجهل المطلق لبعض الحقائق التاريخية الأساسية ولكن أيضا استهزاء بشهوة السلطة (...)

القرار الخطيئة 2017-12-07 20:50:12 بقلم: الصادق المهدي إنه عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. فالرئيس الامريكي في فترة وجيزة صنف نفسه عنصرياً، إثنياً، وعدواً دينياً للمسلمين، وجهولاً بمسؤولية البشر عن سلامة البيئة، وقدم برهاناً ساطعاً بخطر خلو الذهن السياسي (...)

الكارثة والفرصة في اليمن 2017-12-06 19:18:26 بقلم: الإمام الصادق المهدي قُـتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، رحمه الله وأحسن عزاء أسرته وحزبه وأهلنا في اليمن، فقتلى طرفي الحرب الأهلية خسارة للوطن اليمني الجريح. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.