الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 19 تموز (يوليو) 2016

ما مصير المؤسسات التركية بعد الانقلاب البرئ ؟؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : مني أركو مناوي

تركيا دولة استثنائية ، في موقعها الجغرافي الذي يحتل مربطا لاهم قارات العالم و الدول،أوروبا بعزمتها و روسيا بعظمتها ، الشرق الأوسط ببتروله و بطوائفه السُنية و الشٓيِعية و الشام بكل تلاله و اسرائيله. بالإضافة انها دولة صناعية و زراعية تتمتع بتعدد مناخاتها المتميزة ، مستفيدة عن مساحتها الشاسعة .

عدد سكانها يفوق سبعون مليون نسمة مع النسبة العالية من المستوي التعليمي قياساً بدول الشرق الاوسط . بكافة معايير انها دولة كبري . اما من حيث حظها السياسي و المؤسسي ، جيد جدا بعد الامتياز الذي سبق عهد اردوغان .

في السنوات الاخيرة وقعت تحت حكم الإسلاميين الذين حافظوا شعر المعاوية بينهم و العلمانية التي أصبحت هوية و جزء من تعريفها . قد حافظت العلمانية كل مكونات و مؤسسات أُسست بثمن غالٍ عالٍ من دماء ابنائها.

ليجئُ الحزب الماكر بخطابه السياسي يقول فيه جئنا لنطّهر الدولة من الجيش و الانقلابات و لننشر الاسلام . و الاسلام المنشور و المرسوخ أصلا بمثل هذه الشعارات الرنانة اعتادت عليها الخطابات الاسلامية السياسية منذ ظهورها في فضاء السياسة.

الاسلام في تركيا ليس في حاجة الي نبئ من بعد لا نبئ بعده ((ص)) لينشره . لانه زرع ، ضرع و كماء في حياة ، ينساب و يُشرب في كل البيت التركي . اما الحزب منذ قدومه لم يتوانا بوما عن الاتهامات تكيل علي الجيش نفذت فيهم اِقالات جماعية بما تشبه الصالح العام السوداني فتصاعدت هذه الخلافات الي القمة بالطريقة الدرامية التي شاهدناها في الامس القريب . في منتصف ألليل جاء بيان علي شاشات التلفزيون القومي بصياغة خبرية مفادها ان جيشاً يستولي علي السلطة في البلاد . و لكن البيان لم يقرأه ضابط في الجيش كسابقاته النمطية . عادةٍ تُقرأ لمثل هذه الانقلابات .
بل بُث علي الهواء تتلوه سيدةٌ ، تبدو انها مزيعة فقط لا غير ، (و ناقل الكفر ليس بكافر )
و بعد لحظات ، العالم يتفرج علي رتل من الدبابات تجوب و تجول ، تغلق البحور ، الجسور و الطرقات .
فقالت الناس عند الجهينة خبر يقين.

بعد قليل شوهد بث تلفزيوني علي شاشات cnn تُعرض فيه فيديو قصير للرئيس التركي رجب اردوغان يندد بالانقلاب بمطالبته الجماهير بالخروج الي الشوارع لتصدي الانقلاب الذي يُشتبه انه علي راْسه . كأنه يعلم يقيناً ان مجرد الخروج الشعبي علي الانقلاب سينقلب علي العاقب . و كان مظهره ليس بمظهر الرئيس المخلوع و يقاوم الانقلاب و نبرات حديثه هادئة ، كحديث مخرج يتابع حلقات سيناريو من مؤلفاته هو . جدير بالزكر ان سلامة كل أعضاء الحكومة من التنفيذين و التشريعيين لا بينهم جريح و لا أسير حتي هروب لم يُسجل . هذه كانت معجزة من معجزات الاسلام السياسي لم يذكر التاريخ مثلها . فكيف جائت بهذه الصدفة النادرة التي لم يجدها احد في سيّر انقلابات الجيش ؟؟

و ما لا يمكن إخفائه ايضا في هذا اليوم ، انه تزامن الانتشار المثير للجيش من مراسلي قناة الجزيرة في كل المدن التركية الهامة و غير الهامة كأنهم جأوا لإحباط ذلك و التركيز القوي علي مدن المشهد . الوضوح الأكبر ، ان المسرح أُعد له جيدا و شارك في إعداده المسرحيون و الممثلون المحترفون من المسارح الاسلامية السياسية عالية التدريب لكنهم تجاهلوا المزالق و الانهيارات قد تنجم احيانا لتَتَيح بالتدابير المتقنة.

شاركت ادائها علي هذه الخشبة كل الحكومات الاسلامية علي رأسها الموتمر الوطني السوداني الذي يتقدم الجميع برتبته العسكرية و المليشاتية وخبرته العالية في التزييف و غسيل السلطة.

بعد ظهور اردوغان بقليل ، تلي الخروج المليشي بذي شعبي ، جليا انه ليس خروجا تلقائيا . ولا كبيرا كما ادعت قناة الجزيرة المنتشرة و ناصبة كاميراتها في كل مواقع الحدث من قبل ساعة الصفر لسببٍ من الأسباب لا يفهمه القاصي و الداني و لكنهم يفهمونه . و لا ننسي قوله تعالي :- (( قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون)) ؟؟؟ صدق الله العظيم.

وهبة قناة الجزيرة تزامنت مع هبة الحركة الاسلامية و توابعها في السودان بما ذلك الدولة المختطفة تندد بالتراتيل و التهاليل بالثقة الغير معهودة في الانقلابات العسكرية . تقول فيها ان الانقلاب سيفشل . نعم سيفشل و فشل طالما المسرحية كلها جُهزت للفشل . حقيقة التظاهرات ليست اكثر من انها دموع التماسيح تعبيرا للفرح . الدموع تعبر عن نجاح الخطة كما هي رُسمت . كل هذه التنديدات لمناصرة الرئيس الممثل و مبالغتها المضخمة للخروج المتواضع الذي سُمي زورا بالشعبي . رغم انه لا يتجاوز أعضاء حركته الاسلامية الذين تدربوا و أتقنوا الميارح . لكن الاغرب ، ان جنودا من القوات ينتشلونهم بواسطة هذه الجموع من متون الدبابات و يحرقونهم و يعذبونهم هم مقيدو الايدي ثم يقتادونهم الي السجون و ربما الي المذابح بلا رجعة . مما يوضح بالجلاء ان الضباط و جيشهم ليس في حوزتهم الاوامر لتنفيذ الاستيلاء علي السلطة . اذا فعلا العملية كانت انقلابا عسكريا ، كيف يتصور العقل ، ان عسكري الجيش الذي يمتطي الدبابة ، ان يستسلم امام طبنجات و مسدسات الشرطة او قذائف من الطوب الأخضر النيَّ تُقصف علي المدراعات بواسطة أيادي عارية شبه المواطنين. هل هي حجارةُ من السجيل ؟؟؟ . و لماذا جأت كل هذه الفيالق من الجيش بلا أسلحة يدوية و هم في مهمة الانقلاب ؟؟؟

و لا اعتقد ان في جيش يلد جنرالاً بهذا الغباء و الهبالة يغامر و يضّحي بنفسه و بجيشه في الانقلاب من دون ان يضع ترتيبات النجاح و الفشل المحتمل ، وهو يعلم ان النظام في تركيا ، نظام إسلامي محترف و المعروف ان الأنظمة الاسلامية ورثت الشراسة و العنف لدفاع عن حقها و غير حقها السلطاني و الاستيلاء عليه بكل السُبل تجد امامها و تؤمن بالنظريات مثل -: الغاية تبرر الوسيلة ، او تُرق كل الدماء . وهي اكثرالاحزاب تستخدم تطاوع الدين الاسلامي ألمرن و يسره بكل مهارات لنشر الفتاوي تًُبْني منها خطابا سياسيا يسمح لهم الاستباحة و السباحة علي الدماء.

فكيف يتجرأ ضابط مهني في الجيش التركي من تركة كمال اتاتورك ،وكمال هو الضابط الوحيد الذي لم يُهزم و لم يتقهقر في سيرته الحربية بشهادة التاريخ ، ان يبدأ بمثل هذه العملية الفاشلة التي تُعلن في الصباح و يفشل عند الضحي من دون أسباب تُزكر . و يقتاد جنرالاته بواسطة رجالات من الشرطة شبه عُزل .؟؟؟

بالاحري ، كل العملية ، مجرد مسرحية لتصفية المؤسسات التركية القائمة التي بناها العثمانيون و اتاتورك لتركيا و لكل للأتراك ، كما فعلت الإنقاذ في السودان بعد نهبها للديمقراطية . و لا يستبعد بوجود شئ من الانتهازية مع عدم استبعادشئ من الانتهازية لاستغلال الحاجة الماسة للغرب علي تركيا كشريك و جعلها قاعدةً تنطلق منها الحرب علي الاٍرهاب و الداعش في الهضبة الشامية و بلاد البابل . فدغدغةً اردوغان علي هذا الشعور الغربي توفر له فرصةً ليصطاد الصيدان في آن واحد وبسهمِ واحد علي الأقل لحين من الزمن و بعده الف فرج . و إلا ، لماذا إقالة اكثر من ألفين قاضي و مستشار في فترة وجيزة قبل إحباط الانقلاب المدعاة ؟؟؟

و لماذا التكليف برئيس للأركان قبل تحديد مصير رئيس الأركان ادعوا انه أُختطف ؟؟؟

سننتظر لنسمع كلمة علي لسان ((الانقلاب المتهم )) نفسه . الايام القليلة القادمة حبلي بالمدهشات . نجد بعدها ، ان الانقلاب كان مسكيناً مخدوعاً اُستغل لتصفية المؤسسات . لا يتفاجأ بهذه الخديعة الا بعد اعلان الرئيس اردوغان بقوله :- إني برئ منك إني اخاف الله رب العالمين . البراءة هنا جأت لان الدين بطهره و السياسة بخبثها قد اختلطا . لذا جاءت الكلمة البراءة لتبرر الغير برئ و موقعها وهي مسروقة من عين الجيش الذي هو كمثل ذئِب لم يعتد يوما علي ابن يعقوب


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الأخوان المسلمون والرِّبا وتطبيق الحُدود الشرعية (2-2) 2016-11-25 06:41:49 بابكر فيصل بابكر boulkea@gmail.com قلتُ في الجزء الأول من هذا المقال أنَّ جماعة الأخوان المسلمين تبني موقفها من قضية الحدود والعديد من القضايا الأخرى على أسس سياسية وليس إعتبارات دينية، و تناولت موقف الجماعة من قضية (...)

حصان دونالد ترامب الي البيت الابيض هو لسانه 2016-11-23 15:41:22 مني اركو مناوي الملياردير دونالد ترمب ورث والده المليونير ليقوم بتأسيس فيما بعد مؤسسة تجارية قابضة تحمل اسم عائلته . لازمه الاعلام في غالب مراحل حياته منذ ان كان شاباً حتى فترة فوزه الدرامي للرئاسة . وِلِد و نشأ في (...)

يجب أن لا يكون السلام في السودان رهينة لرفض عبد الواحد 2016-11-22 13:35:48 بقلم المبعوث الخاص للولايات المتحدة للسودان وجنوب السودان السفير دونالد بووث لم تتطأ قدما عبد الواحد محمد نور زعيم أحد جماعات المعارضة المسلحة السودان وطنه لأكثر من عشر سنوات، لكنه يقضي معظم وقته موجها جماعته المسلحة في (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)

بيان لحركة (الإصلاح الآن) حول تعرفة المياه 2016-02-19 21:41:21 سلطة المؤتمر الوطني، ووجبة اخري من رفع الدعم الذي اصبح لا يري بالعين المجردة بعد ان تخلت الدولة عن دورها الأساس في توفير الحياة الكريمة للمواطن المسحوق فما ان مرر البرلمان زيادة غاز الطبخ جبرا وليس اختيارا ، هاهم الان نواب (...)


المزيد


Copyright © 2003-2016 SudanTribune - All rights reserved.