الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 16 تموز (يوليو) 2017

مبارك المهدي: ماذا جرى؟ (2)

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@outlook.com

(1)

مهما كان جهد التحري والتقصي الذي تبذله للوصول الى خفايا وأسرار المؤامرات والانقلابات والغزوات في تاريخ السودان الحديث، ومدى قناعتك بأنك وقفت على كل شاردة وواردة، فأنك تفاجأ دائما بأن هناك جديد لم تكن قد وقعت عليه، ولم يكن ليخطر لك ببال!

اشتمل كتاب السيد مبارك المهدي (ماذا جرى؟ أسرار الصراع السياسي في السودان، 1986-2016) على كثير من المعلومات التفصيلية عن عملية الغزو العسكري الذي نظمته الجبهة الوطنية، وقاده المغفور له العميد محمد نور سعد، في الثاني من يوليو 1976. وقد أدهشتني بعض تلك المعلومات، خاصة فيما يتعلق بالأشخاص المشاركين في ذلك العمل الذي اختلف الناس في تقويمه فشرّقوا وغرّبوا.

(2)
قدم لنا الحبيب مبارك اسم الفريق مهدي بابو نمر، رئيس هيئة اركان القوات المسلحة الأسبق، بصفة (المنسق بين القوات المسلحة وقائد الحركة العميد محمد نور سعد). بالنسبة لي كانت هذه معلومة جديدة. أعنى معلومة ان الرجل كان متواطئا ومشاركا في عملية الغزو العسكري لجيش الجبهة الوطنية.

الذي اعلمه ان السيد مهدي بابو نمر استمر، دون ان يتنبه او يتشكك أحد في ولائه، ضابطا سامياً برتبة اللواء خلال سني نظام مايو، وكان من الضباط المقربين للرئيس السابق جعفر نميري، حتى سقوط النظام في ابريل 1985. أي انه تآمر مع الغزاة لقتل الرجل وإطاحة نظامه، ولكنه استمر في إظهار الود والولاء له بعد فشل المحاولة.

(3)
عموما فإن النظام المايوي وجهاز أمنه لم يكونا من الكفاءة والفاعلية لاكتشاف مثل هذه الاختراقات الجسيمة. وقد كتبت من قبل وانا استعرض مذكرات الاستاذ ابوبكر عثمان وزير الرئاسة السابق انني كنت اعلم اثناء عملي في ديوان الرئاسة عن احد الموظفين في سكرتارية مجلس الوزراء كان مسئولا ومشرفا على ترتيب وحفظ محاضر جلسات مجلس الوزراء. ولكنه كان في ذات الوقت من عناصر حزب الأمة، ويشارك في تنظيم استخباري تشرف عليه الراحلة المغفور لها سارا الفاضل محمود، قرينة الامام الصادق المهدي.

وكان هذا الحبيب ينقل وقائع الجلسات التي يرأسها النميري، وعدد كبير من الوثائق السرية الى تنظيمه الاستخباري الذي اعتاد على ارسال الوثائق بانتظام الى لندن حيث مقام الامام الحبيب، وذلك عن طريق مضيفات في شركة الخطوط الجوية السودانية. ولم تكن اجهزة الفاكسميلي وغيرها من تقنيات ثورة تكنولوجيا المعلومات قد برزت الى الوجود بعد.

وقد كان هذا الموظف من المشاركين في عملية الغزو عام 1976، حيث عثر جلاوزة النظام على وثيقة بيد احد أبرز قادة العملية وقد كتب عليها (فلان .. للتعرف على الوزراء). والمراد ان ذلك الموظف كان مكلفا بالتعرف على شخصيات الوزراء عند اعتقالهم بحسب الخطة. وقد عرضت تلك الوثيقة ضمن وثائق اخرى عديدة في معرض اقامته وزارة الاعلام بغرض بسط الادلة المتصلة بحقيقة وحجم المؤامرة على المواطنين. لكن احدا لم يتعرف على شخصية صاحب الاسم!

(4)
الذي يحيرني هو ان الفريق مهدي بابو نمر صعد الى موقع رئاسة هيئة الاركان في عهد حكومة الامام الصادق المهدي خلال حقبة الديمقراطية البرلمانية الثالثة. وكان ذلك الصعود حدثا كبيرا. إذ أفرز قرار عزل القيادة السابقة للجيش وتعيينه هو والمغفور له الفريق فتحي احمد علي على رأس المؤسسة العسكرية، أفرز سيلاً من الانتقادات والاتهامات الضمنية لرئيس الوزراء، ولوزير دفاعه المغفور له الفريق عبد الماجد حامد خليل، بمحاباة محازبيهما، واصدقائهما وتمكينهم من مواقع السلطة. وقد كان الفريق فتحي احمد على من المقربين لوزير الدفاع ومدير لمكتبه عهد توليه ذات المنصب خلال سنوات الحكم المايوي. وفي علم الكافة ان مهدي بابو نمر، ينتمي الى بيت مادبو عريق في غربي السودان الذي يوالي كيان الانصار وحزب الامة.

مصدر الحيرة هو ان هذا الرجل، اعنى مهدي، كان من المشاركين في صياغة مذكرة الجيش الشهيرة في فبراير 1989 التي تضمنت إنذارا الى رئيس الوزراء، وكان واحدا من الذين أداروا معركة المذكرة التي لم يكن لها في نهاية المطاف من حصاد او ثمرة، اللهم الا تهيئة المسرح لانقلاب الجبهة الاسلامية بعد عدة اشهر!

صاحبنا الذي بلغت به الجرأة حد توجيه الانذارات الى رئيس الوزراء الشرعي المنتخب، دهمته العصبة المنقذة فجر الثلاثين من يونيو الأغر، او الأغبر، أينما كان موقعك وموقفك أعزك الله، فأنزلته من صياصيه. إذ تهجم عليه في منزله عدد من طلاب الحركة الاسلامية يرتدون زي الجنود واقتادوه. ولكنها عادت بعد ذلك الانتقاص والخسف لتعرض عليه الوزارة فقبل، والتحق بالنظام وحزبه، حزب المؤتمر الوطني، واستوزر في يونيو 1998. ثم أقالته من موقعه بعد عام ونيف. وذلك شأن العصبة المنقذة، تستقيم وتميل، وتستوزر وتقيل.

(5)
ويالها من سيرةٌ مثيرة لرجل عزيز في قومه. يعمل في قيادة جيش النميري ويتآمر ضده مع الغزاة، حتى اذا اندحر الغزو عاد وبراءة الاطفال في عينيه ليواصل مشواره مع النظام المايوي. يقبل التصعيد والترقيات من قادة حزبه السياسي، فإذا تمكّن واستحكم في مواقع القيادة العسكرية دهمهم بالمذكرات والانذارات. ثم تطيح به الحركة الاسلامية، وتقصيه عن موقعه، فيعود ليواليها وينتظم في صفوفها وزيرا.

لعل الفريق مهدي يتمثل بصاحبه السيد مبارك، فيكتب لنا مذكراته هو ايضا. ويقدم لنا التفاسير والمبررات والرؤى والإضاءات حول عقيدته في الولاء والبراء السياسي، وحقائق مسيرته العسكرية والسياسية المثيرة للجدل. وفي التنزيل المجيد: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا).

(نواصل)


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

السودان واليوم العالمي لحقوق الإنسان: أنضحك أم نبكي!! 2018-12-10 15:15:01 بقلم: د. خالد لورد يحتفل العالم في العاشر من ديسمبر من كل عام بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذي يمثل وثيقة دولية تاريخية تبنتها منظمة الأمم المتحدة فى العاشر من ديسمبر 1948م، فى قصر شايو فى باريس. يعتبر الإعلان العالمى (...)

اذهبوا مدى الحياة 2018-12-09 21:49:11 بقلم : محمد عتيق في الأنباء أن عدداً كبيراً من نواب البرلمان قد تداولوا أمر تعديل في الدستور يسمح لرئيس الجمهورية ان يترشح للرئاسة في ٢٠٢٠ ، وأنهم لم يكتفوا في مقترح التعديل بدورة إضافية او دورتين ، بل اقترحوا ان يستمر (...)

الشعوب لا تسأم تكاليف الحياة 2018-12-09 12:39:56 بقلم : ‏‎عمر الدقير لا نعني بتكاليف الحياة ما قد ينصرف إليه الذهن من أسعار السلع وفواتير الخدمات وبقية مفردات معجم السوق، سواء كانت سوداء أو بيضاء .. ما نعنيه بالتكاليف هو ما عبّر عنه زهير بن أبي سُلمى بقوله الشهير، الذي (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.