الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 21 تموز (يوليو) 2017

مبارك المهدي: ماذا جرى؟ (3)

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل

mustafabatal@outlook.com

على الرغم من أنني كنت قريبا من مسارح الاحداث وشخوصها قبيل انقلاب العصبة المنقذة في الثلاثين من يونيو 1989 وحتى اللحظات الأخيرة والانقلاب يتخلّق ويجد طريقه الى مجرى التنفيذ، حيث كنت من حضور حفل الزواج الشهير في حي الرياض في معية حشد من المدعوين، من بينهم عدد كبير من قادة الديمقراطية الثالثة، حكومةً ومعارضة، كالسيد مبارك المهدي نفسه، وكالراحل العزيز محمد ابراهيم نقد. كما كنت قريبا من مسارح الاحداث بعد الانقلاب، وقد التقيت عددا كبيرا من قادة ذات الفصائل السياسية بعد مغادرتهم المعتقلات واستنطقتهم واحدا واحدا، إلا أنني وجدت في كتاب الحبيب مبارك (ماذا جرى: أسرار الصراع السياسي في السودان) معلومات جديدة لم تطرق أذني قبلاً، حول ملابسات الانقلاب، تثير الحيرة وتبعث على التساؤل.

من ذلك ما جاء في الصفحة 62 حيث ورد النص: (بعد مرور تسع سنوات على الانقلاب أفادني السيد صلاح عبد السلام الخليفة وكان وزيرا لمجلس الوزراء، عند حضوره للعلاج بلندن، أفادني بأنه تسلم بلاغا من الرائد زينب مالك، وكانت تعمل بالسلاح الطبي، فحواه ان هناك مجموعة من الضباط مكونة من العميد عمر حسن البشير والمقدم محمد الأمين خليفة والمقدم (طبيب) الطيب ابراهيم محمد خيروالرائد (طبيب) احمد قاسم، عقدت اجتماعا داخل المعمل بالسلاح الطبي دار حوله نقاش حول انقلاب عسكري، وكانت هي داخل المعمل ولكنهم لم يتنبهوا لوجودها)!

وتمضى الرواية الى ان صلاح عبد السلام قام بنقل البلاغ الى السيد رئيس الوزراء، الذي وجه بتمليك هذه المعلومات على الفور الى القائد العام للقوات المسلحة ورئيس هيئة الاركان، وهو الاجراء الطبيعي في مثل هذه الاحوال. المدهش ان القائد ورئيس الاركان أفادا عند متابعة الامر معهما في وقت لاحق، بل و أكدا، ان المعلومات لا نصيب لها من الصحة!

عندما أضاهي مثل هذه المعلومة وأحشدها مع معلومات اخرى عندي، تتعاظم في ذهني عقيدة مؤداها أن التخطيط والتدبير لانقلاب العصبة المنقذة لم يكن في واقع الامر على ذلك من القدر من الاتقان والسرية وجودة التأمين كما استقر الوجدان العام لما يقارب الثلاث عقود. بل ان جوانب مقدرة من تدابير ذلك الانقلاب كانت في واقع الأمر متفلتة ومبهولة ومنثورة، بل ومنشورة تحت الشمس في الهواء الطلق، كما الملابس في حبال الغسيل!

خذ، أعزك الله، هذه المعلومة من عندي مثالا: قبل انقلاب الانقاذ بفترة قام جهاز الامن الخاص بحزب الامة بتحقيق، اعقبه قرار بعزل احد قادة فريق الحراسة الخاصة برئيس الحزب، وكان ضابطا سابقا بالقوات المسلحة، وتربطه صلة دم وثقى بشخصية قيادية في ذلك الكيان. وقد تعلق الأمر بعملية احتيال تورط فيها ذلك الحبيب الحارس مستغلا اسم الإمام الحبيب. وقد تسربت بعض تفصيلات تلك الحادثة الى حبيبنا القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي، الدكتور الباقر احمد عبد الله، فنشرها في الصفحة الاخيرة من صحيفته (الخرطوم) بدون اسماء وبغير تفصيلات!

اختفى صاحبنا، الحارس المفصول، ثم ظهر فجأة في بغداد، وكان موضع احتفاء السلطات العراقية التي استضافته ومنحته سيارة لاستخدامه الخاص. ولم يفهم احد سبب ذلك الاحتفاء او يتمكن من فك اللغز المحيط بتلك المعاملة الخاصة. وكانت قد وردت رسالة من احد الدبلوماسيين بسفارة السودان ببغداد تشتمل على هذه الافادة وتستعلم عن الصفة التي جاء بها الرجل الى بغداد. قمت شخصيا باطلاع السيد مبارك المهدي على الرسالة، وكان وزيرا للداخلية. كما اطلعت عليها الراحل صلاح عبد السلام وزير شئون الرئاسة، الذي أرغى وأزبد، وكانت تلك من عاداته وطباعه الراكزة، ولكن لم يكن بوسعه فعل شئ تجاه الأمر. الى هناك انتهت قصتنا بالنسبة للرجل الذي سقط من الذاكرة بعدها بفترة قليلة، ودخل هو وقصصه في غياهب النسيان!

وفجأة، وقبل ايام معدودة من الانقلاب ظهر هذا الحارس، الضابط السابق، في الخرطوم في مكتب استقبال رئاسة مجلس الوزراء وطلب مقابلة وزير شئون الرئاسة لأمر شديد الأهمية. وعندما تم ابلاغ الوزير، المرحوم صلاح عبد السلام، بالطلب هاج وماج وأمر بطرد الرجل على خلفية تاريخه المريب المضطرب وسوابقه التي لا تسر. ولكن مسئولى الأمن بحكم العشرة السابقة لم يشاءوا ابلاغ الرجل بالتوجيه الصادر بطرده وابلغوه ان بإمكانه تسليم رسالة عن طريقهم الى مكتب الوزير او الرئيس لو شاء، ولكن الرجل أصر على ان المعلومات التي يحملها حساسة ويجب ان يتم تبليغها الى الوزير او الرئيس او مندوب عنهما!

انتهى الأمر بأن حضر الاستاذ المنصور عمر المنصور نائب مدير عام مكتب رئيس الوزراء لمقابلة صاحب المعلومات، حيث استمع اليه وشكره، وتسلم منه ورقة صغيرة. ثم قام بتسليم الورقة الى وزير شئون الرئاسة الذي قذف بها لفورها في سلة المهملات.

المعلومات التي جاء بها الضابط المفصول جوهرها ان هناك انقلاباً عسكريا قيد التنفيذ، وان المشاركين سيتحركون خلال ايام او ربما ساعات لاستلام السلطة. أما الوريقة فقد تضمنت اسماء الضباط المشاركين في الانقلاب. العجب العجاب ان ثلاثة من الأسماء التي وردت فيها كانت لضباط تم اعلان اسمائهم لاحقا في قرار تشكيل مجلس قيادة الثورة الذي اذيع في صبيحة الثلاثين من يونيو 1989!

ولله في انقلابات السودان شؤون!
(نواصل)


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

”كل منزل بالكنيسة يقيم عزاء“ 2018-08-16 06:56:58 مجدي الجزولي أتسبح أجساد الأطفال ال(٢٢) في طريقها إلى المدرسة؟ أفرادى هذه الأجساد أم اجتمعت في عطش الحياة وسط ماء النيل؟ أي وحي نزل على هؤلاء الرسل الصغار في برهة الحياة الأخيرة؟ قال خبر الدولة: ”وقع الحادث نتيجة توقف (...)

رفض ترشيح البشير قضية تهم النازحين واللاجئين 2018-08-15 22:15:19 كتب : ياسر عرمان في خرق صارخ للدستور قامت جماعة المصالح الحاكمة في المؤتمر الوطني وهي صاغرة بتقديم البشير كمرشح لها في ٢٠٢٠م، وهذه القضية تهم كل من لا قطة له من السودانيين، فهي تهم حوالي ستة ملايين من النازحين واللاجئين (...)

سؤال الشباب .... (٢) 2018-08-13 16:39:33 كتب : محمد عتيق في العدد ٨٤ (٢٣ يوليو ٢٠١٨) من هذه الصحيفة ، جاءت كلمة هذه الزاوية تحت عنوان (سؤال الشباب) وتم فيها استعراض كيف ان كل القوي السياسية في بلادنا - في الحكومة كانت ام في المعارضة - تمضي في سعيها نحو (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)

بيان مهم - بمناسبة اليوم العالمى للشباب - (12 أغسطس/ آب) 2018-08-12 16:28:41 الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال – SPLM-N الشباب يقودون التغيير .. " كان حتماً أن نثور .. مثلما يمضى القطار .. فى دروب الأرض مُفتعلاً الغبار .. " شباب وطلاب السودان الشُرفاء : لقد ظل السودان يُعاني من أزمات عميقة (...)

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.