الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 7 آب (أغسطس) 2017

مبارك المهدي: ماذا جرى؟ (6)

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

تطلع كثيرون الى كشف غوامض وأسرار وقائع شغلت الناس على مدى أزمان طويلة ولكن اصحابها تأبُّوا واستعصوا على الاستنطاق. سُئل الراحل الكبير المغفور له محمد ابراهيم نقد في مرات عديدة، وطُلب منه أن يكشف عن الحقائق من خفايا وملابسات اختفائه الذي استطال الى أربعة عشر عاما منذ الانقلاب الشيوعي في يوليو 1971 وحتى انتفاضة إبريل 1985، ولكنه رفض. وأجاب ذات مرة في مورد التبرير: "يمكن نحتاج ليها مرة أخرى"!

المفارقة ان نقد عندما (احتاج اليها مرة اخرى) وطرأت طوارئ الاختفاء باتباع ذات المنهج كان قرار الرجل مختلفا. إذ عندما ابلغوه عن الانقلاب في الساعات الاولى من صباح الثلاثين من يونيو لم يفكر في اخفاء نفسه هذه المرة، بل انتظر العسكر في منزله وهو في اكمل الاستعداد، وذهب في معيتهم، هديّا رضيّا، الى غيابات سجن كوبر!

أما كتاب (ماذا جرى: أسرار الصراع السياسي في السودان) فيدلنا على أن حبيبنا السيد مبارك المهدي توصل الى قناعة كاملة بأنه (لن يحتاج) الى الهروب من الخرطوم مرة اخرى. ولذلك استغرق في عرض وتبيان تفاصيل التفاصيل حول عملية هربه، عقب الانقلاب هو واربعة من اعوانه سرا وتحت جنح الليل على متن سيارتين ذوات دفع رباعي، الاولى تويوتا لاندكروزر تخصه، اكبر الظن انها واحدة من تلك التي كان قد تم تخصيصها لنواب الجمعية التأسيسية عهد الديمقراطية الثالثة. والثانية نيسان باترول مشتراة على عجل عن طريق صديقه حسن عبد الله المحامي. ثم كان الفرار عبر الصحراء الى ليبيا، برغم عيون بصاصى العصبة المنقذة المتناثرة التي كانت تترصده على مفارق الطرق. وبرغم قرار حظر حركة السيارات ذات الدفع الرباعي في الخرطوم تلك الايام منعا لهروب أركان النظام المطاح به!

كتب مبارك ان احد المسئولين أتاه بنسخة من قرار صادر عن مجلس قيادة الثورة يقضي باستثناء عربات الدفع الامامي التابعة لمنظمة الدعوة الاسلامية من قرار منع الاستخدام واجراءات المراقبة والايقاف والتفتيش، فأرسل من جاءه بأوراق مروّسة من منظمة الدعوة الاسلامية، وتمت الاستفادة منها بتزوير خطابات تفيد بأن السيارتين، اللاندكروزر والباترول، تابعتان لمنظمة الدعوة، وانهما متجهتان في مهمة تخص المنظمة الى دنقلا! عادي جدا. وماذا في ذلك؟ في السودان كل شئ ممكن. ثم أن صاحبنا هذا معلومٌ عنه انه لا يعترف بالعوائق، فلا تقف امامه عقبة، ولهذا أطلق عليه محازبوه: البلدوزر!

تلك رواية مثيرة للاعجاب. ولكن الذي لا يثير اعجابي عند السيد مبارك أنه أصبح يلوم الإمام الحبيب الصادق المهدي ويحمله مسئولية كل شئ وأى شئ، حتى اذا وقع طبق على الارض وانكسر رأى ان ذلك كان نتاجا لسوء تقدير الإمام.

من ذلك انه حمّل الإمام الحبيب مسئولية اعتقاله بواسطة جلاوزة الانقلاب في أيامه الاولى. وذلك على أساس أن الإمام لم يستمع الى نصحه، اي نصح السيد مبارك، بأن يكمن في مكانه، وألا يتحرك الى اي موقع آخر، حتى يفكّر مبارك تفاكيره ويدبر تدابيره، ثم يهاجران معا الى مضارب العقيد القذافي. وكان مبارك ورئيس الوزراء على اتصال وثيق ايام الاختباء. ومن الحق ان صاحبنا نجح في التفكير والتدبير، ولكن الرياح لم تأت بما اشتهت السفن.

بحسب السرد المباركي فإن السيد الصادق المهدي غادر موقعه الى منزل شقيقته السيدة سميرة الصديق المهدي بحي العمارات، ومن هناك اتصل بالعميد عبد الرحمن فرح وطلب منه توصيل رسالة كان الإمام قد حررها الى مجلس قيادة الثورة. وهي الرسالة الشهيرة التي جاءت في متنها العبارة الباهرة: (الحق معي والقوة معكم)، والتي تم نشرها على الملأ في الايام الاولى عقب الانقلاب.

وذاكرتي تتوهج فتستدعي بدقة ذلك اليوم الذي ناداني فيه صديقي (وزميلي آنذاك) الوزير ومدير مكتب رئيس الجمهورية الحالي، الحبيب حاتم حسن بخيت، لينبهني الى مشهد العميد عبد الرحمن فرح وهو يقف في باحة رئاسة مجلس الوزراء في معية العميد صلاح كرار. كان ذلك على مبعدة يومين او ربما ثلاثة بعد الانقلاب. لا بد اذن ان الرجل كان هناك لتسليم رسالة رئيس الوزراء، الذي اطاح الانقلاب بحكومته، الى ضابطه السابق صلاح كرار. وكان الاخير ضابطا برتبة ملازم بسلاح البحرية عندما كان عبد الرحمن فرح قائدا لذلك السلاح. ولكن الدنيا دوارة!

بيد ان الذي أثار استغرابي حقا في شأن العميد عبد الرحمن فرح، وهو مسئول الأمن والاستخبارات في الحزب الكبير، ذلك الخطأ الجسيم الذي ارتكبه كما أوحت، ولم تصرح، الرواية المباركية، والذي تسبب في تعرف السلطات على مخبأ الامام الحبيب واعتقاله.

الرواية تقول ان العميد عبد الرحمن فرح توجه بعد تسليم الرسالة الى حي العمارات الذي كان يختبئ فيه رئيس الوزراء، ودخل الى المطعم الصيني الشهير في قلب الحي. ومن هناك استخدم جهاز تلفون المطعم في الاتصال ومخاطبة السيد الصادق. وكان العميد، وهذا أمر طبيعي، يخضع لمراقبة لصيقة من جلاوزة الإنقلاب الذين قدّروا ان الشخص المطلوب لديهم لا بد ان يكون في دائرة منطقة العمارات، فقرروا مداهمة منازل افراد اسرة المهدي في تلك المنطقة. وما أسهلها من مهمة، ففي أقل من ساعة زمان كان الامام الحبيب بين ايديهم!

(نواصل)


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

لوكا بيونق يرد علي بونا ملوال ..هل أبيي تتبع لجنوب السودان؟ 2017-12-12 19:26:46 ترجمة موياك لنقو أويج إن البيان الأخير بأن أبيي جزء لا لبس فيه من السودان أثار جدلا صحيا مرة أخرى حول وضع أبيي. لقد فوجئت ليس فقط بمستوى الجهل المطلق لبعض الحقائق التاريخية الأساسية ولكن أيضا استهزاء بشهوة السلطة (...)

القرار الخطيئة 2017-12-07 20:50:12 بقلم: الصادق المهدي إنه عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. فالرئيس الامريكي في فترة وجيزة صنف نفسه عنصرياً، إثنياً، وعدواً دينياً للمسلمين، وجهولاً بمسؤولية البشر عن سلامة البيئة، وقدم برهاناً ساطعاً بخطر خلو الذهن السياسي (...)

الكارثة والفرصة في اليمن 2017-12-06 19:18:26 بقلم: الإمام الصادق المهدي قُـتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، رحمه الله وأحسن عزاء أسرته وحزبه وأهلنا في اليمن، فقتلى طرفي الحرب الأهلية خسارة للوطن اليمني الجريح. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.