الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 22 آذار (مارس) 2018

مراجعات في المشهد العام (5- 5 )

separation
increase
decrease
separation
separation

نافذة للتغيير؟

السر سيد أحمد

اذا أعتبر العام 1977 وتأسيس بنك فيصل الاسلامي أحد نقاط التحول في تاريخ الحركة الاسلامية ومن ثم السودان، فأن ميزانية هذا العام يمكن أن تصبح نقطة تحول كذلك وتفتح نافذة أمام القطاع الخاص ليلعب دورا أكبر في الساحة العامة. والاشارة الى خطوتان موحيتان. فالزيادة التي حدثت في سعر الخبز توثر على مستهلكي المدن في المقام الاول اذ تستهلك الخرطوم لوحدها 46 في المائة من دقيق القمح المستورد مع ما صحبها من رفع سعر شوال القمح التركيزي المنتج محليا من 550 جنيها الى 750 مما يعطي اشارة أيجابية نحو الانتاج.

النقطة الثانية الاكثر أهمية وتتمثل في خطة رفع الصادرات التي أعدها أتحاد أصحاب العمل وأعتمدها مجلس الوزراء وتهدف الى رفع عائد الصادرات من 3.7 مليار دولار هذا العام الى أكثر من تسعة مليارات دولار في العام 2020 وذلك عبر خطة تستهدف العمل في القطن، السمسم، الفول السوداني، زهرة الشمس، فول الصويا، الذرة، الذرة الشامي، الصمغ العربي، الخضر والفاكهة، الثروة الحيوانية والمعادن وهي مجالات يعمل فيها القطاع الخاص منتجا ومصدرا وعلى دراية بتعقيداتها ومتاعبها، كما انها تستصحب معها الاتجاه الى القيمة المضافة بشيء من التصنيع بدلا من التصدير الخام كما في حالة اللحوم أو القطن بل وحتى المعادن كما في حالة الحديد الذي يصدر خاما في شكل تراب لكن باستيراد جهاز بكلفة 50 مليون دولار فقط يمكن تقليل فاتورة واردات بعض منتجات الحديد التي تكلف 500 مليون دولار، بل واضافة سلع جديدة مثل فول الصويا وهو الجديد على المنتج السوداني لكن عليه طلب في الاسواق الخارجية.

أهمية هذه النقلة ان المبادرة والتخطيط والتنفيذ يعتمد الى حد كبير على القطاع الخاص بدلا من أجهزة الدولة أثر تضعضع قدرات الاخيرة وأنسحابها من المشهد كلية ولعل في تجربة مزارعي مشروع الجزيرة الذين حققوا انتاجية عالية وبدون تدخل من ادارة المشروع مما يشير الى امكانية نجاح هذا التوجه اذا سلم من تضارب السياسات وضغوط مراكز القوى.

جهاز الدولة الموروث من الفترة الاستعمارية يفترض نظريا أن يعمل لصالح المواطنين، لكنه في واقع الامر يعبر عن مصالح الطبقة المتنفذة عبر واجهتها من كبار الموظفين الذين يستخدمون مواقعهم ومعرفتهم بتسيير دولاب العمل ليشكلوا مركز قوة أو بالتحالف مع جهات أخرى خدمة لمصالحهم. وهذا الوضع أدى الى نشوء عدة تعبيرات لوصف هذه الحالة من رأسمالية الدولة الى الطبقة الادارية المتبرجزة وغيرها وفي كتابات سمير أمين ورييتشارد سكلار وأرفتج ليونارد ماركوفيتز الكثير عن هذه الادبيات وأبعادها. سكلار في تحليله للوضع الطبقي في أفريقيا أشار الى انه ليس من الضروري أن يكون هناك صراع بين الطبقات وأنما يمكن أن يكون هناك تعاون بينها.

خطوات الاتجاه الى توحيد سعر الصرف ورفع الدعم عن القمح وأعطاء القطاع الخاص دورا أساسيا في العملية الاقتصادية مؤشر على هذا التعاون بين المجموعتين في حالة السودان ومن ثم فتح نافذة لمرحلة جديدة على الساحة يمكن أن تكون لها انعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع تمدد خيار الزراعة التعاقدية التي تتواصل مع صغار المزارعين والعمل على اتاحة فرص استثمارية للراغبين مع تضييق فرص العمل في دول الاغتراب وهذا ميدان ضخم للعمل السياسي الايجابي وتنزيل للسياسة على واقع الناس والاهتمام بهمومهم عبر النافذة الاقتصادية.

تجربة رأسمالية الدولة السودانية الموروثة من أيام الاستعمار تلقت دفعة قوية بعمليات المصادرة والتأميم المايوية التي ضخمت من جهاز الدولة وأحتكارها لتجارة بعض السلع مثل القطن والحبوب الزيتية عبر المؤسسات التي أنشأتها وعينت لها موظفين ليديرونها نيابة عن الدولة، وهو نفس ما شهدته دول أخرى من الجزائر الى نيجيريا الى مصر وغيرها وبصورة أكبر.

على ان التجربة السودانية شهدت تطورا ملحوظا اثر مجيء الانقاذ التي عملت على تعزيز قاعدتها الاقتصادية من خلال استغلال جهاز الدولة عن طريق الاعفاءات الضريبية والجمركية التي تصاعدت خاصة في فترة التسعينات، ثم جاءت حقبة النفط التي عملت على زيادة حجم الاقتصاد السوداني خمسة أضعاف الى أكثر من 50 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي ولتبرز ما عرفت بالشركات الرمادية التي كشف عنها تقرير للسفارة الامريكية في العام 2008 نقلته ويكيليكس وقدرت عددها 400، لكن معظم هذه الشركات ربما بسبب تراثها في العمل الاقتصادي في البنوك الاسلامية ركزت أنشطتها في مجالات التجارة والسمسرة والخدمات الى حد كبير وبدون أهتمام يذكر بالنشاط الانتاجي في الزراعة والصناعة، الامر الذي جعل معظم الشركات الفاعلة في هذين المجالين تحديدا من غير المحسوبة على الحركة الاسلامية.

على ان هذا التوسع والتطور الاقتصادي مصحوبا بالمتاعب السياسية والحروب جعلت من السودان حالة نموذجية لما وصفه صمويل هنتنغتون بالفجوة وعدم قدرة المؤسسات على الاستجابة الى التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتشابكة التي تواجه الدول النامية. ولعل في ارتباك وتضارب قرارات بنك السودان ووزارة المعادن مثلا ما يشير الى هذا الوضع. هنتنغتون كتب كتابه "النظام السياسي في مجتمعات متغيرة" في محاولة للأجابة على سؤال لماذا تظل معظم دول العالم الثالث دائرة في فلك الازمات وأرجع ذلك على غياب المؤسسات القادرة على التعامل مغ هذه المتغيرات.

في حالة السودان فأن ضعف جهاز الدولة شهد تفاقما بسبب سياسات التمكين واضمحلال القدرة على الادارة والمتابعة الروتينية ولهذا برز اتجاه التعاون مع القطاع الخاص في مسعى لضخ دماء جديدة في شرايين الوضع الاقتصادي اثر عجز مؤسسات الدولة المتكلسة عن التعامل مع صدمة الانفصال، ولو ان هذه الخطوة تثير سؤالا عن المدى الذي يمكن لهذا التعاون أن يصل اليه خاصة وأحد مطلوباته السير قدما في عمليات الاصلاح السياسي والاقتصادي والتعامل مع ملف الفساد بطريقة أكثر جدية.

قناعة أهل الحكم بحجم الازمة لا يحتاج الى دليل ويعبر عنه الحديث المتكرر عن الاصلاح بل والذهاب خطوة بعقد مؤتمر الحوار الوطني وتشكيل الحكومة الحالية على أساس مخرجاته، وهي خطوات مع محدوديتها الا انها توضح من جانب أخر عدم الرغبة أو القدرة على دفع الثمن السياسي اللازم لجعل خطوات الاصلاح هذه تكتسب معنى وتأثيرا مباشرا على الارض.

وهذا ما يعيدنا الى النقطة الاولى حول كيفية مواجهة هذا الوضع من قبل القوى السياسية المعارضة وأهمية اعلاء راية العمل السلمي من داخل السودان وتحدي المؤتمر الوطني من خلال صندوق الانتخابات. فالنقطة المحورية التي ينبغي التركيز عليها هي ما هو الهدف النهائي؟ فاذا كان ذلك الهدف الوصول الى وضع ديمقراطي تحترم فيه حقوق الانسان وتنطلق طاقاته في البناء، فأن الطريق الى ذلك لن يكون عبر امتشاق السلاح الذي قد يتمكن من القضاء على النظام لكنه قطعا لن يتمكن من بناء البديل المأمول، وما يجري في جنوب السودان وأثيوبيا وأرتريا وغيرها من الدول التي جربت التغيير عن طريق العنف تقف شاهدا على ذلك.

العمل السياسي السلمي والصبر عليه واستغلال أي فرصة متاحة بالمشاركة وليس بالمقاطعة يأتي على رأس الاولويات. أهمية هذا الاتجاه انه ينقل الصراع الى ساحة العمل المدني حيث يمكن المنافسة وبصورة أفضل من المواجهة العسكرية اذ لجهاز الدولة اليد العليا، ثم ان التركيز على العمل السياسي والتعاطي بأيجابية يمكن أن يستقطب الكثير من الاسلاميين الجالسين على الرصيف ويتخوفون من أستهدافهم حال التغيير العنيف للنظام. فرغم كل الذي جرى فأن هناك قاعدة شعبية للأسلاميين ستظل موجودة بصورة أو أخرى ولابد من وضعها في الاعتبار والتعامل معها. ومن الاهمية كذلك تفهم أن أي تغيير يحصل في هذا الاتجاه سيكون مجرد وضع للقدم على الطريق الصحيح ومن ثم الاستعداد الى رحلة طويلة للبناء الوطني.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الأرض لمن؟ 2018-04-25 15:02:39 كتب : د. عبد اللطيف البوني (1 ) من أول وهلة قرر الإنجليز أن ملكية ومنفعة الأرض في مشروع الجزيرة يجب أن تكون للذين يقطنون الجزيرة، لذلك رفضوا دخول الشركات الأجنبية ورفضوا منح الرأسمالية الوطنية ممثلة في السيد علي والسيد (...)

في منهجية السلام الذي يؤدي إلى الحرب 2018-04-24 13:40:27 كتبت: سلمى التجاني بعد اجتماع برلين في 16-17 من أبريل الجاري، والذي مُنِيَ بالفشل، بدا واضحاً أن السقف الذي تتوافق عليه الحكومة والمجتمع الدولي هو وثيقة الدوحة للسلام في دارفور الموقع في الرابع عشر من يوليو 2011، الحكومة (...)

عائشة وكرفانات والي الخرطوم ومحمد لطيف 2018-04-24 13:20:25 كتب : الوليد بكرى في البدء خالص التقدير للاستاذة عائشة محمد صالح لا لسسب غير أنها تتحرك بصدق على ميزان تعتقد ما تقول لاسيما عند راهن رفع الظلم المعاش ... فهى سعت لتقف مع من هدمت منازلهم وبالتالى هنا ذهبت والنساء (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.