الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 23 شباط (فبراير) 2017

معادلة الأمن والحرية (1)

separation
increase
decrease
separation
separation


بقلم : مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) - الفرقان "5"
******

(1)
تُنسب إلى الفيلسوف الفرنسي رولان بارت عبارة: (التاريخ الرديء فقط هو الذي يكرر نفسه). ويُنسب إلى جماعة حزب المؤتمر الشعبي المنخرطة في الحوار الوطني، يتبعها الغاوون من تنظيمات المعارضة غير المنخرطة، أنها تنادي بتقليم أظافر جهاز الأمن والمخابرات وخلع أنيابه، وتجريده من سلطاته المكفولة له وفقاً لقانون الأمن الوطني، ومن ثم إحالته إلى منظمة بحثية جامدة هامدة تختص بجمع المعلومات!

وتلك في أصلها ومحتواها دعوى عوراء تعيسة، يقول بها قومٌ تائهون يريدون أن يعيدوا تدوير التاريخ الرديء، وأن يكرروا أمام مرائينا ومسامعنا تجربة أكثر عواراً وتُعساً، شبيهة إلى حدٍّ كبير بتجربة حل وتصفية جهاز أمن الدولة في أبريل 1985م التي دفع السودان من جرائها أثماناً بهيظة فادحة، كونها جاءت خصماً على استقلال الوطن واستقراره وأمنه القومي. وقال بحقها الدكتور الجزولي دفع الله، رئيس الوزراء آنذاك، إنها كانت من أكبر أخطاء الانتفاضة وأكثرها جسامة.

ومن مفارقات الزمان أنه كانت من ثمرات تجربة تقليص ثم تصفية ذلك الجهاز التي تهافتت وراءها قوى سياسية قليلة النضج، قصيرة النظر، عديمة البصيرة، تعشق الشعارات وتتعلق بأهدابها، كانت من ثمراتها تهيئة الفضاء وتسوية الأرض لإنفاذ انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في يونيو 1989. وفي حكمة أحبابنا في شمال الوادي (ما حدّش بيتعلم ببلاش). أما عندنا في السودان فحكمتنا تقول: (محدش بيتعلم لا ببلاش ولا بفلوس). وفي مثل هذا الحال من البؤس والخيبة قال سعد زغلول: "مافيش فايدة، غطيني يا صفية"!

(2)
أي نعم، تلك دعوى عوراء شائهة، فقيرة الخيال، تعوزها روح المسئولية الوطنية، إذ تجيء في زمانٍ منكود أغبر تُحدق فيه بوطننا الغالي أصنافٌ من المخاطر، ويحفُّ به حملة السلاح من كل طرف أتيته، بما في ذلك أطراف الخرطوم، من فصائل عرقية بعينها، تحدثها نفوسها الأحاديث عن حقوق متوهمة تؤخذ غلابا بحد الكلاشنكوف، وما فتئت تنظر إلى الأعراق المُساكنة لها في السودان الكبير شذراً.

وقد بلغت الجرأة بهؤلاء أن سعت بعض مليشياتهم المسلحة ذات يوم من أيام العام 2009، مستنصرة بأقوام من وراء الحدود، من تشاد وإفريقيا الوسطى، إلى السعي لاحتلال عاصمة البلاد، وإسقاط السلطة المركزية، وإقامة نظام حكم تكون الغلبة فيه لأعراقها التي تزعم نخبتها في أدبياتها السرية أنها الأولى والأحق بالسلطة والثروة!

(3)
ومن المحيّر والمثير للعجب حقاً أن الذين يتولون كبر هذه الدعوى والمهرولين بها في سوح الخرطوم اليوم إنما ينطلقون من وهمٍ كبير صدقوه وعاشوا في كنفه. جوهر دعايتهم الواهمة أنهم دعاة حريات، إليها دعا أمامهم الراحل حسن الترابي وبها أوصاهم، وأنهم على محجتها البيضاء، ولهذا فقد أطلقوا عليه (إمام الحريات). يا سبحان الله! ما أظن أنني رأيت في حياتي كلها خزعبلة أكبر من هذه.

التاريخ المرصود يعلمنا أن الدكتور حسن الترابي هو من خطط ودبّر للانقلاب على النظام الديمقراطي عام 1989 فقضى على الحريات العامة في البلاد القضاء المبرم. ونعلم أنه كان الحاكم بأمره خلال سني العشرية الأولى. حمانا الله من سيرة العشرية الأولى التي شهدت المظالم والذل وقهر الرجال، وسادها حكم الجبروت بكل معانيه ومغازيه. وهي ذات العشرية التي استحال فيها السودان إلى بؤرة للإرهاب الدولي فاحتضنت المزارع في حفافي الخرطوم صنوفاً من القتلة والمجرمين الملتحفين بجلابيب الدين وتلابيبه، حتى أنهم أقاموا محاكم خاصة بهم تحاكم وتحكم وتنفذ أحكام الإعدام، في تجاوز مُهين لسيادة الدولة وقوانينها، كما جاء في مذكرات بعض التائبين من قادتهم، كالأمير السابق لتنظيم الجهاد المصري المدعو سيد إمام الشريف الشهير بلقب (الدكتور فضل). فكيف يكون الرجل الذي أحال البلاد إلى سجن كبير ودُقت في عهده المسامير في رؤوس المعتقلين، وانفتحت البلاد على مصاريعها للإرهابيين والمطاريد من كل صوب وحدب، كيف يكون إماماً للحريات. ما هذا الهراء .. ما هذا الدجل؟!

(4)
نريد من خلال هذه السلسلة أن نعرض إلى الدور المُسند دستوراً وقانوناً إلى مؤسسة الأمن والمخابرات فنتفحصها من حيث المنظور الاستراتيجي ومن زاوية التطبيق والعمل، حتى نعرف أين أوفت بالتزاماتها الوطنية فكانت على مقدار الرجاء، وأين تنكبت الطريق فأخفقت في التعبير عنها.

في خطتنا أن نتوجه بالأسئلة ونطرح الأجوبة حول منهج إدارة الحريات السياسية في بلادنا اليوم، وما هو متاح منها من مساحات مقارنة بغيرنا من الدول، النامية منها والمتقدمة. كم يا ترى هو عدد المعتقلين السياسيين الذين حددت المؤسسة الأمنية حرياتهم، وكيف ولماذا؟ ومن الذي يملك أصلا سلطة التوقيف والاعتقال، وما مدى الإشراف العدلي على مراحل ممارسة السلطة الأمنية والاستخبارية. ثم، ما هو حجم الخلل في معادلة الأمن والحريات إن كان ثمة خلل؟

(5)
مبتغانا من وراء كل هذا أن نتفحص ونحصحص، حتى نميز بين الحقائق وبين الأساطير، بين الثوابت وبين الخزعبلات، وأن نُبيّن لك، أعزك الله، لماذا تجدنا دوماً من أنصار جهاز أمني وطني قوي وفاعل، قادر على حماية السودان من شرور أنفس وسيئات أعمال.

اللهم اجعل هذا بلداً آمناً.

(نواصل)


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

ياسر عرمان وغصن الزيتون (2-3) 2018-05-24 22:50:57 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com بعد وفاة جون قرنق طلب مسئول أمريكي زائر من أحد القادة التاريخيين للحركة الشعبية لتحرير السودان من أبناء الجنوب أن يشرح له نظرية السودان الجديد، فرد القائد الجنوبي: "نظرية (...)

الرائد لا يكذب أهله 2018-05-21 17:14:52 الإمام الصادق المهدي 16/5/2018م أمتنا العربية والأمة الإسلامية والعالم، عوالم تمر بمرحلة خطيرة يعتبرها بعض الناس غلياناً منذراً بحرب كونية لا تبقى ولا تذر. وأسوأ ما في الأمر قصور التشخيص لهذه الحالات، بالتالي تهافت (...)

ياسر عرمان وغصن الزيتون (١-٣) 2018-05-21 01:12:39 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com (1) يستحق الحبيب ياسر عرمان ان نقول له: حمد الله على السلامة وألف مبروك، فكون أن هذا الحبيب وصل متأخرا لا يمثل اشكالية ذات وزن، فقد قيل: أن تأتي متأخرا خيرٌ من ألا تأتي. (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

حركة / جيش تحرير السودان بيان مهم حول الأوضاع الراهنة في البلاد 2018-05-25 21:04:35 إلى جماهير الشعب السوداني الوفية لا يخفى على أحد أن نظام الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومنذ أول يوم إستهل فيه عهده البغيض، كان يستهدف الصدام مع الشعب السوداني، فبدأ بوأد النظام الديمقراطي ثم إعدام الشهيد علي فضل مروراً (...)

ذكرى شهداء الكرامة 2018-05-21 23:22:45 الحرية - العدل - السلام - الديمقراطية حركة / جيش تحرير السودان - المجلس الإنتقالي جماهير شعبنا الكريم في مثل هذا اليوم، و كما درجة العادة، فإننا نحظى بدقيقة من الصمت لتعانق أرواحنا أرواح رفاقنا الذين بسببهم لا نزال على (...)

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.