الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 5 آذار (مارس) 2017

معادلة الأمن والحرية (4)... الفقيه القانوني ابراهيم الشيخ

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(1)
من أكبر مآخذي على الحبيب الأستاذ إبراهيم الشيخ، مرشح حزب المؤتمر السوداني المرتجى لرئاسة الجمهورية في العام 2020 بإذن الله، صفة التسرع في الحديث والكتابة، فهو في أتم الجاهزية للرد، في التو واللحظة، على أي قول أو فعل لا يروقه. ولكنك بمجرد أن تقف على ما يقوله أو يسطره يراعه لا تخطئك في مادته ظواهر اللهاث والتسرع وغياب التثبت المنهجي الذي لا يتحقق أصلا في الخطاب العام أو الخاص إلا بالتروي وإحسان قراءة ما يقوله الآخر والتمكّن من جوهر المادة موضع الجدل.

كذلك فإنك تلمح عند هذا الحبيب ضعف الحافظة وهزال المحصول في حقل القانون كما سنرى في حوارنا الماثل، فهو (يهرف بما لا يعرف)، ولكنه مع الهرف تستغرقه الحماسة فيصفق لنفسه، ولا يعدم من يصفق له من الأحباب المهروفين!

(2)
في مساهمته التي دفع بها إلى الساحات التواصلية، والتي افترعها بنداء (يا أيها البطل)، يحاجج صاحبي ويدفع ببطلان دفوعي بشأن ضوابط الاعتقال لدى جهاز الأمن والمخابرات، بل ويسخر مني ومنها مرّ السخرية. فأما حجته الأساس التي اتكأ عليها فهي رواية تقول إن منسوبي جهاز الأمن أرادوا ذات مرة اعتقال شخصين من أعضاء حزب المؤتمر السوداني كانا في حضرة آخرين، فاقتحم الجلاوزة المكان وألقوا القبض على العضوين، ثم ساقوا أيضا من كانوا حضورا في ذات المكان.

وهذه الرواية تصلح عنده حجة شمخاء داحضة تهزم زعمي بأن سلطة الأمر بالاعتقال لا يحوزها أي شخص بخلاف مدير جهاز الأمن والمخابرات ذاتاً. إذ بحسب الرجل فإنه يمتنع عقلاً أن يكون الجلاوزة الذين نفذوا ذلك (الاعتقال) قد حصلوا على تصديق مكتوب من مدير الجهاز بحق أشخاص أوجدهم حظهم المنكود في ذات المكان بمحض الصدفة!

(3)
كل من له معرفة عامة بالقانون ودراية متوسطة بأساليب عمل المنظومات الأمنية والشرطية يعلم أن التوقيف أو إلقاء القبض (Arrest) غير الاعتقال (Detention). والأخيرة في اللفظ الأجنبي تحمل معنى أو مضموناً مكانياً يتصل بوضع المتهم أو المشتبه فيه أو المتحفظ عليه في حيز مكاني محدد كالغرفة أو الزنزانة، فيكون بالتالي معتقلاً اعتقالا حسيا. أما الأول (Arrest) فهو عمل إجرائي يحمل فقط معنى إلقاء القبض، ويتم في أي مكان وأي زمان. فإذا داهمت الشرطة أو جلاوزة الأمن مكانا ما للاشتباه، جاز لها قانوناً توقيف من ترى توقيفهم، ونقلهم بمركباتها إلى مقار الشرطة أو الجهاز لأغراض التحري والتحقق. فإن رأت السلطة المخولة أنه ليس هناك ما يستدعي الاعتقال أطلقت المعنيين.

أما إذا توفرت الأسباب فإن ضابط الأمن المختص يقوم بتدوين توصيته ويرفعها للجهة الأعلى ملتمساً تصديق مدير الجهاز باعتقال الشخص أو الأشخاص. وعند صدور ذلك التصديق فقط، وليس في أي مرحلة قبله أو بعده، يتحقق (الاعتقال) بالمعنى القانوني ويودع المعتقل في المكان المخصص لاعتقال المتهمين والمشتبه فيهم.

(4)
غير أن الشيء الذي يبدو أن الحبيب إبراهيم الشيخ يجهله، وربما يسمع به مني للمرة الأولى هو أن أفراد جهاز الأمن والمخابرات يتمتعون بجميع صلاحيات الشرطة العادية، ويجوز لهم ممارسة السلطات الشرطية كاملة، بما في ذلك سلطات القبض والتفتيش عند الاشتباه، وذلك وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية. أي أنه يجوز لفرد الأمن إلقاء القبض على أي مواطن بدون حاجة للحصول على أمر قبض، تماما كما هو الحال بالنسبة للشرطة. وذلك علماً بأن الجرائم ضد الدولة والجرائم ضد الأمن القومي تقع قانوناً ضمن تلك التي يجوز القبض فيها على أي مواطن بدون أمر قبض مسبق.

يستتبع ذلك بالضرورة أن الحجة التي دهمني بها الحبيب إبراهيم لا تقف على ساق ولا تصلح لشيء، إذ هي في الأصل ثمرة لجهل الرجل بمصطلحات القانون ومقتضياته وصلاحيات جهازي الأمن والشرطة.

وللحبيب إبراهيم دعاوى اخريات، ولنا دعاوانا. وسنأتي إليه وإليها بأمر الله. وكذلك صديقنا القيادي البعثي محمد ضياء الدين الذي نأخذ عليه أنه يلوم جهاز الأمن على رداءة طبيخ الرجلة الذي يقدمه للمعتقلين، ولكنه يتخاذل عن لوم ملهمه ومرشده وأبيه الروحي صدام حسين الذي اشتهر عنه أنه كان يضع المعتقلين السياسيين في أحواض من طبيخ حامض الكبريتيك ويلقي بما تبقى من عظامهم في نهر دجلة!
(5)
كاتب هذه الكلمات لا يمثل أي جهاز من أجهزة الدولة. ولكنه يحمد ربه على نعمة الشجاعة إذ يجهر بمعارضته لدعوات تجريد جهاز الأمن والمخابرات من سلطاته وفق منطلق ومنظور استراتيجي. ويهتف بوجه الغوغاء أن الإفراط في تكرار الخزعبلات والأساطير عن تراكم المعتقلين في الزنازين لن يجدي فتيلا.

في يومنا الماثل هذا لا يوجد معتقل سياسي واحد في السودان. أما الأستاذ الجامعي الذي تحول إلى أسطورة من كثرة ما نسج النساجون حوله من خزعبلات فهو ليس معتقلا سياسيا لأن الاتهامات الموجهة له من تخابر مع السفارات والجهات الأجنبية وتلقّى الأموال منها، وتزويدها بالمعلومات الماسة بالأمن القومي، ليست تهماً سياسية. ومن عجب أن الأستاذ نفسه سجل اعترافات قضائية وأقر بذنبه تجاه بعض الاتهامات فطعن المزايدين بقضيته طعنة نجلاء، وهو الآن بين يدي النيابة العامة تمهيدا لإحالته للقضاء. نسأل الله أن يخفف عنه بلواه وأن يرحمنا جميعا.

يا هؤلاء: استهدوا بالله وكفوا عن التهريج!

(نواصل)


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الأمم المتحدة .. خصمٌ وحَكَم ! 2017-09-18 17:10:33 كتبت : سلمى التجاني في الثلاثين من أغسطس الماضي صدر تقرير الأمين العام لمجلس الأمن الدولي عن العملية المختلطة للإتحاد الإفريقي والأمم المتحدة بدارفور ( يوناميد ) عملاً بمتطلبات قرار مجلس الأمن (٢٣٦٣) الصادر بتأريخ (...)

في أمر فتوى قتال النُّوبة الثانية 2017-09-17 17:45:15 الدكتور عمر مصطفى شركيان shurkiano@yahoo.co.uk في أبريل (نيسان) 1992م أخرج فقهاء السلطان في مدينة الأبيِّض حاضرة ولاية شمال كردفان فتوى بقتال النُّوبة، وأعلنوا الجِّهاد عليهم، بما في ذلك نسائهم وأطفالهم وكهولهم (...)

الفاتح عروة مناضلاً 2017-09-17 10:41:31 مصطفى عبد العزيز البطل mustafabatal@msn.com (1) قبل أيام عرضت قناة اس 24 على شاشتها حوارا اجراه مديرها الاستاذ الطاهر حسن التوم مع العميد عبد العزيز خالد قائد تنظيم قوات التحالف السوداني الذي كان قد اعتمد نهج الكفاح (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.