الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الخميس 9 آذار (مارس) 2017

معادلة الأمن والحرية (5) الغبائن وجراح الماضي

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : مصطفى عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com

(1)

ما زلنا عند موقفنا الراكز بشأن سلطات وصلاحيات جهاز الأمن والمخابرات لا نبغى عنه حِوَلا، في مواجهة الداعين إلى التجريد والخلع تحت شعارات تكريس الحريات وتأمين الحقوق.

وها نحن نرى الحملة تتقهقر، وأصحابها تضيق بهم الأرض بما رحبت، وينبهم عليهم الطريق، وقد تكالبت الأسئلة الصعبة فحاروا في مواجهتها، إذ لم يكن لهم في الأصل من حافز أو دافع بخلاف مرارات المواجهات والاعتقالات وذكريات المهانة والإذلال في زنازين الزمن القديم الذي نازعوا فيه الدولة سلطانها وطلبوا صولجانها بدعوى العهد. رحم الله (إمام حرياتهم) القائل: العهد من الإسلام. وقد عاهدتمونا على تنفيذ الانقلاب ثم تسليمنا زمام السلطة عندما نطلبها، وها أنتم قد خنتم العهد!

وأعجب معي، أعزك الله، لمن صنعوا وحش فرانكشتاين فلما أعياهم ترويضه، طالبوه بأن يخلع أسنانه ويتخلى عن أنيابه!

(2)
وكنا قد تساءلنا بالأمس: من إذن الذي سيواجه الخلايا، النائمة منها والمستيقظة، تلك التي لم ينزع الله ما في قلوبها من غلٍّ في أطراف السودان، بل وربما في قلبه النابض على حفافي مدن الوسط والشمال. ونسأل اليوم: من الذي سيجابه تجارة وتهريب السلاح، آفة عالمنا الماثل، والذي تقف من ورائه المافيا الدولية المتحالفة مع العصابات المحلية؟ وهو المشروع الأمني الأكثر ضخامة اليوم والذي يتعامل معه بصاصونا وجلاوزتنا بالتنسيق مع شركائهم الدوليين.

وكلنا نعلم بطبيعة الحال عن الكميات المهولة من الأسلحة المنهمرة على بلادنا من مناطق النزاعات الإقليمية. وتلك التي تلج إلى عمق الداخل السوداني عبر الحدود على يد سماسرة السلاح من مختلف الجنسيات، ووكلائهم المحليين أمثال الحبيب مني أركو مناوي وقومه من أفاضل الزغاوة أهل الحركات المتمردة، وقد اتخذوا من تجارتها مورد رزقٍ هاطل الوبل مُغدق، وجنوا من ورائها عبر السنوات رطباً جنياً. وأرقام حسابات بعض هؤلاء المتمردين الدارفوريين في بنوك هولندا وبلجيكا تكاد تنافس أرقام وارين بافيت وبيل غيتس. بعد أن قاموا بالتخلص من الفقراء البؤساء، الذين سخّروهم في السابق لتشغيل ماكينة الموت في دارفور، بتأجيرهم من الباطن إلى لورد الحرب خليفة حفتر؛ إذ لم يعد بوسعهم وقد سَدَّ عليهم اللواء حميدتي وقوات دعمه السريع أبواب دارفور ونوافذها سوى الإيجار من الباطن، وتفرغوا هم لتجارة السلاح والسمسرة ونكاح نساء البيضان في دول البنيلوكس!

(3)
ومثلما بلغت مضبوطات البصاصين والجلاوزة من أسلحة الكلاشنكوف والقرونوف والذخائر والمركبات أعداداً لا تقع تحت حصر، كذلك كان أمر الجموع من القائمين على تجارة المخدرات الذين تكتظ بهم معتقلات جهاز الأمن والمخابرات.
ويقف اليوم أمام نيابة أمن الدولة وساحات القضاء عدد غفير من المتورطين في تهريب السلاح والمخدرات وتزييف الدولار واليورو وغسل الأموال، فضلاً عن ناشطي الجماعات الإرهابية التكفيرية وهم أكثر من الهم على القلب، وذلك على نحو ما ظلت تكشف الصحف وأجهزة الإعلام.

والحال كذلك فليبيّن لنا دعاة خلع الأسنان: من الذي سيحمي السودان إذن في مواجهة مثل هذه المخاطر التي باتت الهاجس الأول الذي يقلق منام كثير من دول العالم المتقدمة منها والنامية باعتبارها المفاصل الأكثر ضعفاً في استراتيجياتها الأمنية؟

(4)
السودان دولة مترامية الأطراف والتحديات الأمنية التي تواجهها، داخلياً وخارجياً، لا يكاد يبلغها الإحصاء. ولكن البعض منا لا يرون إلا مدينة الخرطوم وما حولها. ثم أنهم، غفر الله لهم، لا يحسون إلا المرارات الذاتية التي تغص بها الحلوق، والمواجد المستكنة في أعماق الصدور تجاه من نهضوا إليهم ذات يوم فأنزلوهم من صياصيهم، واقتادوهم أسارى ليضعوهم في الزنازين الضيقة. ومن هنا كان الاندفاع وراء دعوى تجريد جهاز الأمن والمخابرات من سلطاته وصلاحياته.

ولو عقل هؤلاء وتساموا وتكابروا على جراح الماضي لأدركوا أن مصائر الأوطان ومقدرات أمنها القومي تعلو وتجلّ عن أن تكون محلاً للإحن والغبائن والارتهان إلى رغائب الانتقام.

وهناك على الطرف الآخر خصوم الهوية والآيديولوجيا من الأحزاب والتنظيمات المجهرية، يتمنى أصحابها في قرارات نفوسهم أن يخسف الله الأرض بنظام الإنقاذ بعد أن أعيتهم محاولات إسقاطه عبر تهييج الشارع وتعبئته باتجاه الانتفاضة الموعودة، فتقاصرت منهم الهمم وتدنت العزائم، وانخفضت أسقف الطموحات من اقتلاع النظام إلى اقتلاع أسنانه!

ولو أنصف هؤلاء وأولئك لأدركوا بأن النظام شيء والوطن شيء آخر. ولعرفوا أن حماية الأمن القومي للسودان غاية عظمى لا تتعالى عليها ولا توازيها غاية.

(نواصل)


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

فضائح بالجملة 2018-02-15 21:34:31 مصطفى عبد العزيز البطل تابع الملايين حول العالم أول أمس الثلاثاء سليلة بني يعرب، الإعلامية الأمريكية السورية اللامعة هالة غوراني، مقدمة برنامج (هالة غوراني هذا المساء) على شبكة سي إن إن الامريكية، وهي تناقش مع عدد من (...)

أنقذوا الأحفاد قبل فوات الأوان 2018-02-14 05:55:34 الامم المتحدة تعلق تعاونها مع جامعة الاحفاد بسبب العنف ضد الطالبات بقلم : عادل عبد العاطي قامت الأمم المتحدة ومنظماتها في السودان بتعليق تعاونها مع جامعة الأحفاد للبنات ، كما اعلنت عدم مشاركتها في اي برامج مستقبلية (...)

قوش .. مفتاح البشير لأمريكا 2018-02-12 17:28:13 بقلم : سلمى التجاني من الزوايا التي يمكن النظر منها لقرار إعادة الفريق صلاح عبد الله قوش لموقعه في إدارة جهاز الأمن والمخابرات، هي ملف العلاقات الخارجية، والأمريكية على وجه الخصوص. فمن المعروف أن قوش هو مهندس علاقة النظام (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.