الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017

معطف فلاديمير بوتين

separation
increase
decrease
separation
separation

كتب : مصطفى عبد العزيز البطل
‏mustrafabatal@msn.com

(1)
لا صلة لحديثنا بمعاطف الصوف التي نرتديها لمقاومة البرد او معاطف الفرو التي ترتديها نساء الفرنجة من قبيل الأناقة المترفة على اطلاقها، وانما هو معطف واحد فقط يحمل اسم (معطف غوغول).

وفي الحق فأنني لا أدري لماذا عندما وقفت على التطورات السياسية الاخيرة المتداعية من موسكو كان اول ما تبادر الى ذهني هذا المعطف بالذات. وهو في الواقع عنوان للقصة القصيرة الشهيرة (1842) للروسي نيكولاي غوغول، التي قال عنها الروائي الشهير ديستوفيسكي عبارته الباسقة التي بزت القصة نفسها في شهرتها: (كلنا خرجنا من معطف غوغول)!

هل يا ترى كان ذلك بسبب إحساس داخلي او تصوّر ما بأن بلادنا ربما تدخل ثم تخرج في قوادم أيامها من معطف الحبيب بوتين، كما خرج ديستوفيسكي من معطف غوغول، بعد ان ضاقت عنا المعاطف الامريكية؟!

هل هي دورة جديدة من دورات تاريخ أنظمة ما بعد الاستقلال ظللنا خلالها، ندخل ونخرج من معاطف الشرق والغرب؟ لا بأس، المهم ان يكون هناك معطف ندخل فيه حتي لا نموت من البرد إذا حل الشتاء!

(2)
منذ العام 2003 عرفت حكومة الولايات المتحدة، بل وأيقنت، ان السودان لا يأوي ولا يرعى ولا يمول الارهاب. بل ان قادة مؤسساتها الأمنية والاستخبارية والدبلوماسية تباروا في الاعلان عن ذلك عبر شهاداتهم الموثقة أمام لجان الكونغرس المتخصصة. ثم تدافع حلفاء واشنطن في المنطقة ليشهدوا بدورهم بأن السودان بات يعتبر من الدول المحورية في محاربة الارهاب في العالمين العربي والاسلامي، وتلك التي تنهض بدور ايجابي وفاعل في تحقيق السلم والأمن في الساحة الافريقية. ورغم ذلك ما فتئت الحكومات الامريكية تزايد وتماطل وتحشد الشروط وتشدد القيود وتحكم الحصار على النظام، ثم، وفي المقابل، لا تني تلاطف المتمردين الخارجين على شرعية الدولة وتدللهم وترعى قادتهم، وتهديهم الهدايا وتهبهم الهبات.

ومع ذلك التزمت حكومة السودان بتوصيات لجنة الحوار السودانية الامريكية المشتركة، وأصاخت السمع لنصائح حكام السعودية والأمارات، وما برحت تهادن وتلاين وتلوك من ثمرات شجر الصبار الامريكي حتى اعلنت واشنطن عن رفع العقوبات الأحادية في اكتوبر من العام الجاري.

(3)
ولكن واشنطن أبقت على اسم السودان في قائمة الدول الراعية للارهاب. ولم يبد منها ثمة عزم ناهيك عن مسعى جاد لحث الكونغرس على تبنى مبادرة بطرح مشروع قرار يرفع اسم السودان من تلك القائمة، وكأنها تتعمد إفراغ خطوة رفع العقوبات الأحادية من محتواها. ثم زادت الأمر ضغثا على إبالة إذ عادت لتدير عجلة إملاء الشروط المتناسلة من جديد وكأننا لا زيد لا رحنا ولا جئنا!

وتبدت الموجة الاولى من حزمة الشروط الجديدة عند زيارة جون سوليفان نائب وزير الخارجية الامريكية الى الخرطوم مؤخرا عندما طلب الرجل لقاء عدد من الرموز الدينية في البلاد وأُجيب الى طلبه. وعندها جلس متوهطا ليحدث علماء الاسلام السوادنة عن الاسلام الحق كما تعرفه امريكا، وشرع يملي على القوم شروط الفرنجة وفي مقدمتها تغيير عدد من مواد القوانين المستمدة من احكام الشريعة الاسلامية، بما فيها التشريعات المتعلقة بالمرأة والميراث. والمطلوب بالطبع ان يستجيب المشرع السوداني فيبدل ويغيّر ويحذف ويضيف في دساتيره وتشريعاته تبعا لإملاءات أصحاب الفضيلة المبعوثين الامريكيين!

ولعل تلك كانت هي المرة الاولى في تاريخ العلاقات بين الدول المستقلة ذوات السيادة التي يأتي فيها قادة دولة الى دولة اخرى ويطلبون منها تغيير تشريعاتها وتبديلها لتناسب مقاييس الدولة الاولى. فإما الانصياع والانكسار والطاعة، وإما الاصطلاء بنار العقوبات والانكفاء تحت نير المقاطعات والحصار.

ألا بارك الله في الناطق الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي، الاستاذ محمد ضياء الدين، الوحيد من بين قادة المعارضة، الذي أصدر منشورا أبرزته صحيفة الحزب، ندد فيه بتدخل المبعوث الأمريكي ووصفه بما يستحق، ودعا الى الحفاظ على الثوابت الوطنية بحيث تكون الحلول لأزماتنا الماثلة سودانية خالصة. ثم أضاف:(مما يؤسف له ان هناك بعض الأطراف المحسوبة على المعارضة لا تزال تنتظر وتراهن على دور امريكي في احداث التغيير في المشهد السياسي في السودان).

(4)
ثم ان للنظام آذانا تسمع وعيونا ترى. الجار القريب يقول للامريكي الغريب: لا ترفعوا اسم السودان من قائمة رعاة الارهاب حتى يختنق النظام ويسقط، واليانكي راعي البقر يبتسم ويومئ. وأحباب آخرون من عربان المنطقة يظهرون نهارا بمظهر الحادب، ولكنهم في بهيم الليل يهمهمون بأنهم يريدون لأنفسهم أدوارا في ترتيب اوضاع السودان ونظام حكمه وتوجهاته ويطلبون من واشنطن استمرار إبقاء السودان مع (شافع) كوريا الشمالية في قائمة الارهاب.

(5)
وفي مواجهة لعبة الحصار المستطرد والتربص الدولي والاقليمي كان لا بد من تدارس البدائل التي من شأنها صيانة مرتكزات السيادة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، وتحديث تسليحها حتى تكون على اهبة الاستعداد. وكان لا بد من كسر احتكار السلاح كما كسره جمال عبد الناصر عام 1955.

وقد اصبحنا اليوم وبين ايدينا اتفاق عسكري سوداني روسي تشمل بنوده التسليح وتأهيل القوات المسلحة والصناعات العسكرية، الى جانب اتفاقيات مشروعات النفط والغاز والذهب واليورانيوم. وهي اتفاقيات وصفتها قناة (روسيا اليوم) بأنها أهم تحول عسكري واقتصادي على الصعيد العربي والافريقي منذ خروج الاتحاد السوفيتي من مصر السادات في العام 1972.

سبحان الله. من قال ان تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة يتناقض مع فتح آفاق جديدة مع الدب الروسي؟ السودان دولة مستقلة ذات سيادة وذات إرادة. ومثل غيره من الدول الحرة سيتعين عليه ان يقف، امام كل حدث وتجاه كل أزمة، الموقف السليم الذي يتفق مع مصالحه الوطنية من زاوية منظوراته الاستراتيجية.

ندخل ونخرج من معطف بوتين أو من معطف غوغول، نحن أحرار. وأهو كلها معاطف. وقد أظلنا الشتاء!


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

لوكا بيونق يرد علي بونا ملوال ..هل أبيي تتبع لجنوب السودان؟ 2017-12-12 19:26:46 ترجمة موياك لنقو أويج إن البيان الأخير بأن أبيي جزء لا لبس فيه من السودان أثار جدلا صحيا مرة أخرى حول وضع أبيي. لقد فوجئت ليس فقط بمستوى الجهل المطلق لبعض الحقائق التاريخية الأساسية ولكن أيضا استهزاء بشهوة السلطة (...)

القرار الخطيئة 2017-12-07 20:50:12 بقلم: الصادق المهدي إنه عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. فالرئيس الامريكي في فترة وجيزة صنف نفسه عنصرياً، إثنياً، وعدواً دينياً للمسلمين، وجهولاً بمسؤولية البشر عن سلامة البيئة، وقدم برهاناً ساطعاً بخطر خلو الذهن السياسي (...)

الكارثة والفرصة في اليمن 2017-12-06 19:18:26 بقلم: الإمام الصادق المهدي قُـتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، رحمه الله وأحسن عزاء أسرته وحزبه وأهلنا في اليمن، فقتلى طرفي الحرب الأهلية خسارة للوطن اليمني الجريح. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)


المزيد


Copyright © 2003-2017 SudanTribune - All rights reserved.