الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 6 حزيران (يونيو) 2017

مَن سَئِم السلاح ؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : سلمى التجاني

في الأسبوع الأخير من مايو المنصرم طرأت مستجدات عسكرية وسياسية بالسودان، ومضت في اتجاه يقتضي تساؤلاً ملحاً عن إلى أين تتجه الحركات المسلحة.

فعلى صعيد الحركة الشعبية شمال، اندلعت منذ الخامس والعشرين من مايو الماضي معارك دامية بالنيل الأزرق بين مكونات جيش الحركة الشعبية هناك، وتبودلت اتهامات بين فصائل من الجيش كلٌ يتهم الآخر بالتصعيد، رئاسة الحركة تتهم مجموعات مؤيدة لمجلس تحرير جبال النوبة بأنها تعمل على تحريض الجيش الشعبي وتهاجم الرعاة وبعض الحاميات، ومجموعات من الجيش الشعبي ترد الاتهام لقوى مسلحة تابعة للقائد مالك عقار رئيس الحركة، والمحصلة معارك داخل الجيش الشعبي تمتد حتى أحد معسكرات اللاجئين، يروح ضحيتها العشرات، وفقاً لبيانٍ صادرٍ من جهةٍ أسمت نفسها المجلس القيادي العسكري.

هذا الانفجار في الاوضاع داخل الحركة الشعبية لا يمكن قراءته بعيداً عما حدث في السابع من مارس الماضي بعد إستقالة القائد عبدالعزيز الحلو ومقررات مجلس جبال النوبة التي جمَّدت نشاط الأمين العام للحركة ودعت لمؤتمر قومي استثنائي، خاصةً وان أبناء الجبال يشكلون نسبة مقدرة من قوام الجيش الشعبي بالنيل الأزرق بعد إنضمامهم لنصرته عند بداية الحرب الثانية.

أما حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي فقد تعرضت مواقعها لهجوم من مليشيا الدعم السريع في شمال وشرق وجنوب دارفور، وفقاً لبيانٍ صادرٍ عن الحركة والذي قال إن مقاتلي الحركة استبسلوا حتى نفدت ذخائرهم فاستشهد عدد من القادة وأُسر عددٌ آخر بعد أن كبدوا مليشيات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات.

لكن حجم الخسائر في قوات الحركة وعتادها ينبئ عن عامل المفاجأة الذي يضع قوات الحركة، وهي قد قاتلت لقرابة الأربعة عشر عام في ذات الحيّز الجغرافي في وضعٍ مكشوفٍ جعل منها هدفاً ربما سهلاً لقوات الحكومة، وهنا يحتاج الأمر لوقفة، إذ كيف تفاجأ حركة مسلحة على أرضها فتضطر لخوض المعركة حتى آخر جندي، أهو سوء تقدير ام إنه أمرٌ آخر أكثر سوءاً؟!

جانبٌ آخر كشفه بيانٌ للحركة؛ وبعد انجلاء المعارك قالت حركة تحرير السودان أن مليشيا الدعم السريع قامت بمهاجمة عدداً من القرى وأحرقتها بالكامل وقتلت مواطنيها ونهبت ممتلكاتهم، وهذا يحدث عادةً في فوضى الحرب بدارفور ، غير أن اﻷمر الذي يثير الدهشة أن قادة هذا الهجوم من قبل الدعم السريع هما القائدين عبدالله شغب ومحمدين اورقاجور وقد كانا حتى اتفاق أبوجا في العام 2006 من أبرز القادة العسكريين بحركة تحرير السودان، حيث كان عبدالله شغب قائدا للواء الحدود ومحمدين قائداً كبيراً لأحد ألوية الحركة، ثم وفي لمحةٍ أقرب للكوميديا السوداء انتقلا لمهاجمة المناطق التي كانا على استعداد للموت دفاعاً عنها..

وعلى صعيد حركة العدل والمساواة السودانية.. وصل وفدٌ للخرطوم يضم اثنين من مؤسسي وقادة العمل المسلح بدارفور، ففي الثلاثين من مايو المنصرم حطَّت بمطار الخرطوم طائرة تقل الباشمهندس أبوبكر حامد نور ، أحد أبرز مؤسسي وقادة الحركة، والذي شغل منصب منسق عام الحركة في بداياتها ثم أميناً لأمانة التنظيم والإدارة بها قبل أن تصدر حركته بياناً بفصله مؤخراً. يرافقه الشيخ سليمان جاموس أمين أمانة الشئون الانسانية، وقد تم إعفاءه من منصبه قبل أيام، جاموس أيضاً من مؤسسي العمل المسلح بدارفور في جانب حركة تحرير السودان، وقد كان من رافضي إتفاق أبوجا لينضم في ابريل 2009 لحركة العدل والمساواة السودانية، جاء الرجلان للخرطوم برفقة أعضاء من الحركة، يحملان مبادرة للسلام من الداخل بعد خمسة عشر عاماً من العمل الفاعل في المقاومة المسلحة بدارفور .

السؤال؛ هل لا زالت القوى المسلحة قادرة على حملة السلاح؟!

الواقع يقول ان من أكبر مشاكل العمل المسلح الآن هي حالة عدم الرضا التي تسود داخل فصائل المقاومة المختلفة، فبعضها ظهرت فيه صراعات وإنقسامات أُرجِعت لغياب المؤسسية، وظهر تململٌ في صفوفها في صورة مذكرات تطالب بالإصلاح، كما اتجهت بعض العضوية، وحتى قادة من الصف الاول، لتجميد عضويتها تلقائياً دون ضوضاء، وقد يمضي الامر اكثر من ذلك فتبدأ الانقسامات في محاولة الإعلان عن نفسها، كما في الحركة الشعبية شمال، او يحدث التفلت في صفوف العسكريين والسياسيين فينحازوا لمعسكر الحكومة، ما يعني نزفٌا للعضوية التي آمنت وعملت في ميادين مشروع هذه الحركات للمقاومة المسلحة لسنواتٍ طويلة، يستوي في هذا التسرب القيادات والقواعد خصوصاً بالمجموعات المسلحة بدارفور .

وبدأ البعض في البحث عن وسائل لإختراق حالة اللا حرب ولا سلم، فيلتقطون قفاز المبادرة منفردين في محاولةٍ لإنجاز ما يمكن انجازه كما في حالة ابوبكر حامد وجاموس من العدل والمساواة.

وهنا يجب ان نضع في الإعتبار الظروف الإقليمية التي تصب في غالبها في مصلحة الحكومة، فدولة الجنوب كانت آخر من طلب من المجموعات المسلحة إخلاء أراضيها تنفيذاً لاتفاقاتها مع الحكومة، أما دولة تشاد فأصبحت منصة لعقد الاتفاقات مع حملة السلاح.

هل لازالت هذه القوى تؤمن بحمل السلاح كطريقٍ للتغيير؟ في الواقع أن عبارة إسقاط النظام عبر العمل المسلح اختفت من أدبيات القوى المسلحة منذ إعلان باريس الذي تم توقيعه في الثامن من اغسطس من العام 2014 بالعاصمة الفرنسية، بين الجبهة الثورية (قبل انقسامها) وحزب الامة القومي، مع ظهور عبارات أخرى بديلة في ثنايا بنود الاتفاق،

فقد ورد في فقرة وقف الحرب، في البنود الثاني والثالث والثامن الآتي: (وقف الحرب هو المدخل الصحيح لايٍ حوار وطني) و (الجبهة الثورية تعلن استعدادها لوقف العدائيات في جميع مناطق العمليات) و (أكدت الجبهة الثورية رغبتها في إنهاء الحرب التي فُرِضت عليها) .

وقد كانت الجبهة الثورية اكثر وضوحاً في موقفها من حمل السلاح في إعلان نداء السودان الذي وقعته مع حزب الأمة وقوى الإجماع الوطني والمجتمع المدني بأديس أبابا في الثالث من ديسمبر 2014 م ، جاء في إحدى الفقرات ما نصه (العمل من اجل تفكيك نظام دولة الحزب الواحد لصالح دولة الوطن والمواطنة المتساوية، عبر النضال الجماهيري اليومي وصولاً للإنتفاضة الشعبية) انتهى.

إذن ومنذ ذلك التأريخ تغيَّر شعار المقاومة السودانية المسلحة ، وفقاً لما ورد أعلاه ، من إسقاط النظام عبر العمل المسلح الى العمل على تفكيكه عبر النضال الجماهيري .

هذا على مستوى الشعارات، في واقع الأمر ان هذه الفصائل لا زالت تحمل السلاح لكنها لا تحارب الحكومة، قد تحارب نفسها في نزاعاتها الداخلية، وقد تفاجئها الحكومة بهجومٍ على مواقعها، في نهاية الامر فان هذه القوى ان أردنا وصفا دقيقا لوضعها الآن، تحتفظ بالسلاح، أو ما تبقى منه، ربما كضامنٍ لأي اتفاق متوقع مع الحكومة، أو للضغط به لتعزيز الوصول لفرص اتفاقٍ تساوي ما قدمته المناطق التي تدور فيها الحرب من خسائرٍ في الأرواح والممتلكات ودمار لمناطق باكملها وما عاناه الشعب السوداني من غيابٍ للحريات وتدميرٍ ممنهج لكافة أوجه الحياه.

أحداث الاسبوع الأخير من شهر مايو الماضي، كنموذج، داخل القوى التى تحمل السلاح لأجل التغيير، تطرح أسئلةٌ ملحَّة لا يملك أجوبتها الا قادة الفصائل المسلحة أنفسهم؛ هل لا زالت الرؤية واضحة لديهم، هل نزيف الثورة بالمعارك الخاسرة والحروبات الداخلية والانشقاقات والتساقط لا يقتضي وقفةٌ واعية لمراجعة واقع ومستقبل العمل المسلح، هل لا زالوا يحملون السلاح لأجل التغيير؟


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الصَّادق المهدي. تجلِّيات زعيم طائفي (4) 2018-10-18 18:45:27 الدكتور عمر مصطفى شركيان shurkiano@yahoo.co.uk تنويه نودُّ أن نلفت نظر انتباه القراء بأنَّ هذه السلسلة من المقالات قد تفوق ثماني حلقات، حيث حاولنا تجزئتها حتى يتسنَّى للقراء قراءتها ومتابعتها دون ملل أو كلل. المهدي (...)

الصَّادق المهدي.. تجلِّيات زعيم طائفي (3 -8) 2018-10-17 23:56:31 الدكتور عمر مصطفى شركيان shurkiano@yahoo.co.uk تهافت الصَّادق في المعارضة والصَّادق منذ استيلاء الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة على الحكومة في حزيران (يونيو) 1989م لم يكن مقتنعاً بالعمل العسكري، بل كان يؤكِّد تمسُّكه (...)

في السودان ام في جنيف ؟ 2018-10-15 15:52:40 بقلم : محمد عتيق الصديق ‏والصحفي الكبير الاستاذ محمد لطيف ، صاحب التحليل السياسي الرشيق والمقروء ، كان نجم التغطية الصحفية التحليلية لاجتماعات الدورة 39 لمجلس حقوق الإنسان التابع ‏للأمم المتحدة (جنيف سبتمبر ‏٢٠١٨) ‏عبر (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.