الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016

هل تعبر سلطة الإنقاذ القائمة عن المشروع السياسي للحركة الإسلامية السودانية

separation
increase
decrease
separation
separation

عبد الحميد أحمد

خفت الصخب الذي تعالى في الخرطوم مصاحباً لختام مهرجانات الحوار الوطني، الذي انتهى إلى التوقيع على وثيقة وطنية قيل إنها ستكون أساسا للحكم والدستور الدائم للبلاد، وتوارت كل تلك الضوضاء خلف الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها النظام الحاكم قضت بتحرير سعر الوقود والدواء وزيادة تعرفة الكهرباء ضمن ما عده النظام سياسات إصلاحية للاقتصاد الوطني، لكن ثالثة الاثافي كانت بالتدابير الأمنية والاعتقالات التي طالت العشرات من قيادات القوى المعارضة والمواطنين الذين نشطوا في مناهضة تلك الإجراءات.

بل إن المفارقة الكبرى كانت في أنَ الأمين العام المكلف للمؤتمر الشعبي السيد إبراهيم محمد السنوسي، الذي ظل في حالة تماهي تام مع نظام البشير منذ انخراطه في ما سمي بالحوار الوطني، عبّر، لأول مرة، عن خلافات حول التعديلات التي دفع بها النظام للبرلمان واعتبرها أمر يخصه وحده، لكن جملة المواقف الأخيرة للمؤتمر الشعبي مضافة للادعاء الزائف للنظام أنه يعبر عن المشروع السياسي للحركة الإسلامية يجعل الهبّة الشعبية التي توشك أن تنفجر في وجه النظام قدراً مقدوراً أن يتصوب كفل كبير من غضبتها الثائرة إلى ذات تيار الحركة الإسلامية في السودان وقد وضعتها زمرة القيادات، المنهكة العاجزة، على رأسها في الجانب الخاطئ من التاريخ.! فهل صحيح أن نظام الإنقاذ الحاكم في الخرطوم يعبّر عن المشروع السياسي للحركة الإسلامية وأفكار زعيمها الشيخ الترابي في السياسة والحكم؟

إيمان بالمجتمع

كان الشيخ الترابي شديد الإيمان بالمجتمع، على العكس من تلامذته ورفاقه في التنظيم الذين لم يكونوا يؤمنون بغير السلطة والدولة القاهرة، مما سنعرض طرفاً منه، فما كادت الحركة تبلغ السلطة، انقلاباً لكنه بغير دماء، وفق تقديرات ثبت من بعد خطئها وسوء منقلبها، لكن منذئذٍ شرع الشيخ الترابي في التحول بالتنظيم ليوافي صورة المجتمع على نحو خطة الحركة "أن المجتمع المؤمن هو الأصل يؤدي غالب وظائفه، وما الدولة إلا بعد من أبعاده" فعمد الأمين العام إلى إيقاع استراتيجية تضمن الخروج بالتنظيم الإسلامي من صفة التنظيم النخبوي الصفوي المغلق على عضوية بعينها وفتح المجال لقطاعات من المجتمع مهما كان كسبها السياسي وولائها السابق، لكنها الأن تتجاوب مع برامج (الثورة) الوليدة بالولاء والتأييد وهي الاستراتيجية التي بدت واضحةً في عدد من منشورات الشيخ الترابي وكتبه حيث تحدث عنها بوضوح في كتابه (الحركة الإسلامية.. التطور والمنهج والكسب) إذ يقول: "وفي سياق تحويل الجماعة النخبوية التقليدية إلى كيان شعبي يمثل مجتمعاً متكاملاً بدّلت لوائح العضوية توطئة لحدود المدخل إلى الجماعة وتيسيراً لتكليفات العضو مما يناسب مختلف المستويات والثقافات سماحة في شروط العضوية وواجباتها.." "وحينئذٍ تجاوزت الحركة تماماً منهج الانتقاء والتجنيد الفردي، وأصبح متاحاً للناس أن يدخلوا في الجماعة أفواجاً لا أفذاذ. فقد تدخل القبيلة والطائفة والفرقة ولا يترتب عليهم حرج حتى لو دخلوا بما يحملون من ولاءات فرعية في الطرق الصوفية أو القبائل ما جعلوا الولاء الأعلى للحركة الإسلامية واندرجوا في التزامها أفراداً لا كتلاً مؤتلفة.."

وكانت أول خطوة في ذلك الاتجاه عبر مؤتمرات الحوار الوطني التي شملت الساحة السياسية في أيام الإنقاذ الاولى والتي اجتهدت أن تغطي أكبر عدد من الأسماء القومية والأكاديمية وتعمل على استقطابهم مشاركين في تلك المؤتمرات، ضمن أكبر حملة علاقات عامة لنظام الإنقاذ وقد كانت الاستجابة كبيرة لتلك الدعوات بالمشاركة في مؤتمرات الحوار الوطني التي مثّلت أول بوادر الاستقطاب والانفتاح نحو الآخر من قبل الإنقاذ.

المباينة الكبرى

لدى خروجه من اعتقاله، لأول فور وقوع الانقلاب، والذي تطاول نحو ستة شهور على غير ما قضى الاتفاق الذي كان يهدف إلى صرف الإنظار عن حقيقة التغيير فلا يربط بالحركة الإسلامية. كان نائب الأمين العام الأستاذ على عثمان محمد طه قد أوثق صلاته وتحالفاته بالعسكر وقادة الأجهزة الأمنية، مستغلاً انفراده بالسلطة في غياب الشيخ الترابي داخل السجن ثم مستمسكاً بها متربصاً في قوقعته السرية حاكماً مطلقاً لمدى الأعوام الثلاثة الأولى لا يخالط شيئاً من حراك ساحة الوطن العامة ولا مناشط التنظيم الخاصة ومقاوماً في ذات الوقت لأيما محاولة لإنفاذ الخطة الاستراتيجية للحركة حتى تمكن الأمين العام من فك قبضته شيئاً ما بإخراجه إلى ساحة العلن لأول مرة عضواً في "المجلس الوطني الانتقالي" لكن المباينة الكبرى بين الأمين العام ونائبه تبدت في تعيين علي عثمان وزيراً في وزارة التخطيط الاجتماعي وإذ كان الشيخ الترابي يقدر أنها الأهم التي يقع عليها التخطيط المركزي لتجديد المجتمع السوداني وإعادة صياغته وفق مبادئ إسلامية خالصة فإن علي عثمان ظل برماً بذلك التكليف لا يؤمن بأي دور للمجتمع في القيادة بل يتنامى إيمانه بالدولة التي تقهر المجتمع وتحكم قياده.

من بعد الانقلاب الشهير بالرابع من رمضان نحو خواتيم العام 1999 ومفاصلة الشيخ الترابي لسلطة الإنقاذ بدأت مرحلة جديدة وضع خلالها نظام البشير ثقل أجهزته القمعية على ذات منهج وطبيعة وفكر الحركة الإسلامية، بل إن "الإنقاذيين" وطدوا تحالفهم مع جماعات سلفية بدت شديدة التطرف لكن السلطة زادتهم بسطةً في حرية العمل والحركة والدعوة، أملاً أن تجني الثمار حين تتصدى تلك التيارات السلفية إلى المد المتدفق للمدرسة التجديدية المنفتحة على قضايا الإنسان وفق المنهج الذي ظل يمثل لحمة أفكار تالدة تعتنقها الحركة الإسلامية في السودان.

منذئذٍ وعلى مدى ما يقارب عقدين من الزمان ظلت مراكز سياسية عديدة تتبادل النفوذ داخل سلطة الإنقاذ بينما ظل البشير وصديقيه المقربين من العسكريين هم القاسم المشترك على الدوام، فقد برزت مراكز للقوى المتناحرة داخل الجهاز السياسي والتنفيذي ظلت تعلو وتهبط تتمتع بوضع تنظيمي استثنائي داخل الحزب الحاكم لحين قبل أن تضمحل وتنشأ على أنقضاها مراكز أخرى في ذات الوقت الذي تضخم خلاله جهاز الأمن الإنقاذي حتى أضحى هو القوة الأعظم في السلطة يقارب أن يبتلع الدولة فصارت القضايا جميعها السياسية والمدنية وحتى الاقتصادية عبارة عن ملفات أمنية لقد وصلت الإنقاذ لمرحلة برع الدكتور غازي العتباني أحد أبرز القادة الإنقاذيين في توصيفه من بعد أن عصفت به تقلبات السلطة فلحظ كيف تبدلت تغولت تلك التكوينات الجديدة على التنظيم والجهاز التنفيذي وفي جميع الاحوال كانت تتمتع بوضع استثنائي فقال: "ولأنه تكوين يقوم بمهمة استثنائية ويملك صلاحيات استثنائية ويتمتع بوضع استثنائي خارج دوائر الرقابة، فإنه سرعان ما ينمو ويتضخم ويحتل مساحات متوسعة على حساب الأجهزة التنظيمية المشروعة، وتظل تلتف فروعه وأغصانه حتى تحبس ماء الحياة حتى عن الذين يمدونه بها، وفي تلك اللحظة ينتقل ولاؤه إلى آخرين يمدونه بموارد الحياة.."

لقد تبدل ولاء سلطة الإنقاذ على مدى السنوات وتنقل بين أطياف من المكونات حتى انتهى اليوم إلى أكبر تجمع للانتهازيين الذين لا يستحي أحدهم أن يجاهر بالقول إنه "مع هذا القصر ولو كان بداخله "غوردون باشا" الرمز الاستعمار الأبشع في تاريخ السودان.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في منهجية السلام الذي يؤدي إلى الحرب 2018-04-24 13:40:27 كتبت: سلمى التجاني بعد اجتماع برلين في 16-17 من أبريل الجاري، والذي مُنِيَ بالفشل، بدا واضحاً أن السقف الذي تتوافق عليه الحكومة والمجتمع الدولي هو وثيقة الدوحة للسلام في دارفور الموقع في الرابع عشر من يوليو 2011، الحكومة (...)

عائشة وكرفانات والي الخرطوم ومحمد لطيف 2018-04-24 13:20:25 كتب : الوليد بكرى في البدء خالص التقدير للاستاذة عائشة محمد صالح لا لسسب غير أنها تتحرك بصدق على ميزان تعتقد ما تقول لاسيما عند راهن رفع الظلم المعاش ... فهى سعت لتقف مع من هدمت منازلهم وبالتالى هنا ذهبت والنساء (...)

بلاش إنكار 2018-04-24 13:19:07 كتب : د. عبد اللطيف البوني (1 ) تحدثنا عن تركيبة الجزيرة السكانية، ولم نرسم صورة قاتمة لمستقبل هذه التركيبة ولاصورة وردية، فالباب مفتوح لكل الاحتمالات، فإذا أحسنا إدارة التنوع الإثني سيكون هذا التنوع خير وبركة، وإذا (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.