الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 29 نيسان (أبريل) 2016

هل هى حقاً معركة مع الله ؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم بابكر فيصل بابكر
boulkea@gmail.com

تُعبِّرُ الآيديولوجيا بمُختلف أنواعها و منطلقاتها عن "وعي زائف" يُحركهُ التوقُ "الذاتي" وليس الواقع "الموضوعي" نحو تحقيق أهداف "مرغوبة"، أهداف تكون في الغالب غير قابلة للتطبيق والتحقق، ولذلك فهى أشبه بالجري المتواصل وراء السراب الذي لن يتم اللحاق به أبداً.

وبما أنَّ الوعي الذي يُسيطر على الفرد أو الجماعة عبر القناعات الآيديلوجية هو وعي زائف فإنه "يزرع الوهم" في نفوسهم فيجعلهم يعتقدون جزماً أنَّه "حقٌ مطلق" وخلافُه باطلٌ حنبريت (خالص) ومردودٌ على صاحبه أيّاً كان مصدره وأيّاً كان شكلهُ ومضمونهُ.

وأخطر أنواع الآيديلوجيا هو "الديني" منها، ذلك لأنهُ يعمدُ إلى الإيغال في التزييف الهادف لمحق "الوعي الحقيقي" عبر نقل "الصراع الدنيوي" من مستويات السياسة والإقتصاد والإجتماع وغيرها إلى صراعٍ دائم بين السماء والأرض، بين الإيمان والإلحاد، بين المؤمنين والكافرين، بين الله والبشر.

وهذا هو عين ما تفوَّه به خطيب مسجد الخرطوم الكبير "كمال رزق" في خطبة الجمعة الماضية عندما تحدث عن محاولات كبح إرتفاع سعر الدولار أمام الجنيه السوداني فقال بحسب ما نقلته صحيفة "الجريدة " : ( ليس هناك ما يوقف إرتفاع أسعار الدولار لأن المعركة مع الله وضحكات الأمريكان والغربيين لا تعدو عن كونها مجاملات لأن مواقفهم واضحة من الإسلام ).

في حديثه أعلاه يحاول السيد كمال رزق أن يوصل رسالة مفادها أنّ الأزمة الإقتصادية التي من مؤشراتها تراجع قيمة العُملة الوطنية قد تسببَّ فيها الأمريكان الذين يستهدفون السودان بسبب تمسكه بالإسلام، وهو كذلك يوحي بأنَّ المعاناة لن تنتهي لأن عداء الغربيين للحكومة سيستمر طالما ظلت تتمسك بالإسلام.

سأحاول تفنيد هذه الإدعاءات من خلال النظر في البعد الخارجي الذي يُحاول مثل هذا الخطاب المؤدلج أن يحمله مسؤولية الفشل إضافة للبحث في الأبعاد الداخلية التي أرى أنها تمثل السبب الرئيسي وراء الإخفاقات.

من المعلوم بالضرورة أنَّ سياسات أمريكا تحركها "المصالح" وأنَّ علاقاتها الخارجية تنبني على مدى تحقق تلك المصالح ولذلك فإنَّ أهم حلفاءها في الشرق الأوسط هى الدولة الإسلامية الأكبر "السعودية" التي تعتنق المذهب السلفي الوهابي وتطبق الشريعة بصورة صارمة مما يدل على أن أمريكا ليس لديها مشكلة مع الله.

كذلك فإنَّنا نجد أنَّ من بين أكبر أعداء أمريكا دولة مثل "كوريا الشمالية" التي لا تتبنى أية "مذهب ديني" في الحكم وهو ما يؤكدُ أنَّ الدول الغربية لا تخوض معركة مع "السماء" بل تعادي وفقا لحسابات "الأرض".

وفي ذات الإطار فإنَّ "كوبا الشيوعية" قد عانت من أطول حصار إقتصادي أمريكي في العصر الحديث إستمر لأكثر من نصف قرن من الزمن بينما ظلت العلاقات بين أمريكا و"الصين الشيوعية" متطورة ومزدهرة بحيث صارت الأخيرة أكبر شريك تجاري لأمريكا في العالم.

ومن ناحيةٍ أخرى فإننا نجد أنَّ أكبر شريك إقتصادي للحكومة السودانية "المسلمة" هى الصين "الملحدة" مما يعني أنَّ المبدأ الأساسي الذي يتحكم في العلاقات الدولية هو مدى تحقق المصالح وليس أية شىء آخر.

لا شك أنَّ الرسالة الخفية التي أراد السيد كمال رزق تمريرها من خلال حديثه أعلاه تهدفُ للقول أن السياسات الحكومية غير مسؤولة عن الفشل الذي أصاب الإقتصاد السوداني بل المسؤول هو الحصار الأمريكي الذي لن يرفع عن السودان طالما ظل البلد محكوماً بالإسلام.

هذا الحديث يتجاهل حقائق الواقع التي تُشير بوضوح إلى أنَّ السياسات التي إتبعتها الحكومة خلال الحقبة النفطية والكيفية التي إتبعتها في التصرف في عائدات البترول هى السبب الرئيسي في التدهور الإقتصادي وإرتفاع تكاليف المعيشة.

لم تتَّبع الحكومة أسبقية صحيحة في توظيف عائدات النفط وفق إستراتيجية تتناسب مع التحديات التي يواجهها الإقتصاد خاصة الحاجة للبنيات الأساسية الداعمة "للإنتاج" في مجالات التنمية الزراعية والصناعية والإجتماعية، بل تم توجيهها لتمويل النفقات الجارية المتوسعة، والأنشطة الإستهلاكية ،و قطاعات الخدمات والعقارات، إلى جانب الصرف على الأمن والحروب الداخلية.

الأزمة ،كما قلت في مناسبة سابقة، لم تكن في الحصار الخارجي برغم ما أدى إليه من مشاكل وصعوبات، لكنها في الأساس أزمة داخلية متعلقة "بالعقلية" التي أدارت الإقتصاد طوال سنوات الحقبة النفطية، حيث إختارت الحكومة أن تتعامل مع موارد البترول "بعقلية الغنيمة" بدلاً عن توجيهها تلك الموارد في المسارات الإقتصادية الصحيحة والمستدامة.

وبما أنَّ الإقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة و يرتبطان إرتباطاً وثيقاً فإنَّ الأزمة الإقتصادية التي تُعاني منها البلاد كانت أيضاً نتاجاً مباشراً للأزمة السياسية، أزمة الحُكم و السلطة، حيث أنَّ جزءاُ كبيراً من موارد البترول ذهب لمقابلة إحتياجات النزاعات والحروب الداخلية، والصرف على الأجهزة الامنية المتضخمة.

غير أنَّ السيد كمال رزق لا يكتفي بحديثه المُضلِّل هذا بل يُصرُّ على أن يتناقض مع نفسه في ذات الخطبة حيث قال في إطار تناوله لقضية "الفساد" في الدولة أنًّ ( الحل في العودة للإسلام ) والتي وصفها ( بالمُرة ودونها استمرار المصائب ) واستدل بقوله تعالى : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)، وأضاف : ( كذلك الحل في آي من آيات الذكر الحكيم "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ).

ويتمثل وجه التناقض في أنَّ ذات الشخص الذي قال لنا قبل قليل أنَّ الإرتفاع في سعر الدولار لن يتوقف لأنَّ أمريكا تحارب السودان لتمسكه بالإسلام هو نفسه الذي يرشدنا إلى أنّ حل مشكلة الفساد يتمثل في "العودة للإسلام" مما يوحي بأنَّ الإسلام غائب ولا وجود له ، فكيف إذن تحارب أمريكا شيئاً غير موجود في أرض الواقع ؟

حديث رزق هذا لا يُمثل خطبة معزولة لواعظ ديني بل هو إمتداد لخطاب آيديلوجي متكامل يعمدُ إلى رفع قضايا الأرض للسماء، و ترحيل المشاكل الدنيوية إلى يوم الآخرة من أجل خدمة مصالح وأهداف آنية، فمن قبل تناول كاتب هذه السطور حديثاً شبيهاً لحديث رزق أدلى به وزير الكهرباء السابق "أسامة عبد الله" عن أداء أهل الحكومة و قال فيه : (مافي جهة تحاكمنا في أداء عملنا غير الله، لذلك سنكون صادقين).

إنَّ إقحام الله بهذه الطريقة الفجَّة في مناقشة أمور ذات طابع و خصوصية بشرية يُمثل أحد الأدوات التي يستخدمها الخطاب الآيديلوجي للتمويه والتضليل وصرف الأنظار عن حقيقة الصراع الذي يدور في الأرض وهو كذلك يهدف إلى التعمية عن النتائج المترتبة على التصرفات والسياسات الفاشلة والإنصراف عن تحمل مسؤولية الإخفاق.

إنَّ أحوال البلاد والعباد لن تنصلحَ إلا بالإنفكاك من أسر الآيديلوجيا وخطابها النازع للخلط بين "الديني" و"الدنيوي" بهذا الشكل الإعتباطي، ودون أن نتواضع على نظام للحكم التعددي يتراضى عليه الجميع ويتضمنُ آلياتٍ من شأنها تحديد المسؤليات في الفشل والإخفاق بعقلانية ودون حاجة لإحالتها للسماء.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

قوش .. تحطيم الصندوق 2018-02-20 18:19:16 بقلم : سلمى التجاني دشَّن صلاح عبدالله قوش مدير الأمن والمخابرات ، خطته في عهده الثاني ، بتصريحاتٍ حملتها صحف اليوم . وعلى عكس توقعات قلَّة من المراقبين بأنه سيبدأ عهده الجديد بتفكير خارج الصندوق ، فإذا به يحطم الصندوق ( (...)

عودة "قوش" أم عودة طه ؟ 2018-02-19 20:04:06 بقلم : عبدالحميد أحمد أعقب توقيع اتفاق السلام الشامل (2005) حدثاً مهماً على صعيد الجبهة الداخلية لنظام الإنقاذ، وافى صعود مجموعة جديدة ضمن محاور الصراع على السلطة الذي اشتد بين مكونات النظام، انكسفت على إثر ذلك سلطة "على (...)

في سجن كوبر ... رجل يعض (كلب) 2018-02-19 20:00:32 بقلم : سلمى التجاني في الصحافة كثيراً ما نردد أن الخبر هو عندما يعض رجلٌ كلباً وليس العكس. عندما دعت إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات وسائل الإعلام المحلية والعالمية لتغطية خبر إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

منظومة قوانين النظام العام.. ادوات للقمع والهيمنة الشمولية 2017-12-28 17:49:16 المجموعة السودانية للديمقراطية أولا منظومة قوانين النظام العام: ادوات للقمع والهيمنة الشمولية قوانين النظام العام، هي منظومة مواد قانونية يتضمنها القانون الجنائي السوداني بالإضافة الي ما يعرف بقانون سلامة المجتمع والذي صدر (...)

ورقة د. غازي صلاح الدين العتباني في ورشة عمل الانتخابات ومستقبل الممارسة السياسية بعنوان "آفاق الممارسة السياسية في السودان" 2017-12-08 14:32:35 بسم الله الرحمن الرحيم آفاق الممارسة السياسية في السودان "تحديات الإصلاح السياسي في السودان بتصويب نحو إصلاح الحركة السياسية الحزبية" بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده على نعمه التي لا تعد، ونسأله أن يجمعنا على الهدى ويدلنا (...)

*قوى الإجماع الوطني* 2017-02-25 15:18:35 *بيان مهم* *قوى الإجماع الوطني* ظلت قوي الإجماع الوطني تراقب المخطط الدولي الذي تقوده الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر الإتحاد الأفريقي وآليتة المسماة رفيعة المستوي ، التي يترأسها أمبيكي ، والتي تعمل من أجل فرض التسوية (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.