الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 18 شباط (فبراير) 2019

والثورة حب ايضا

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

‏من الخارج يسمع انين إنسان مع صرخات مكتومة.. وفي الداخل يأتيه الحارس ليعطيه صحن فول بائس أو بغرض اقتياده لجولة تعذيب ليلية، يأتيه واضعاً في وجهه قناعاً يختبئ من ورائه.. وعندما يتم إطلاق سراحه ويسأله الأهل والأصدقاء: أين كنتم ؟ لا يجد اجابة لأنه بالفعل لا يعرف أين كان معتقلاً، فيقول: كنت في بيت أشباح، نعم: انين وصراخ مكتوم من غرف او بيوت مجاورة وحراس يضعون اقنعةً علي وجوههم لكي لا يعرفهم، فهو فعلاً في بيت به اشباح..

كان هذا بعد العام الاول من عمر انقلاب الجبهة، وبعد ان استكملوا بناء زنازين بيت الاشباح الشهير جوار مكاتب لجنة الاختيار (سيتي بنك)، اذ ان الاعتقال السياسي كان يتم قبل ذلك في أقسام خاصة بالسجون العادية طوال تاريخنا الوطني المعاصر..

هكذا كانت بداية عهدهم، عهد دولة الاسلامويين في السودان.

وفي أيامهم الاخيرة هذه، والثورة مشتعلة في البلاد ضدهم، رأينا رجالاً ملثمين يمارسون الضرب والقتل والخطف بحق المتظاهرين من الجنسين..

عند تحليل ظاهرة هؤلاء الشباب الملثمين بالأقنعة والممتلئين حقداً عجيباً يصبونه علي الناس تعذيباً وتنكيلاً وقتلاً، أقول - عند التحليل والتسبيب - انهم ضحايا تعبئة وغسيل ادمغة بتركيز وتكثيف.. والبديهي ان الأساس في التعبئة وغسيل الدماغ هو أساس ديني/إسلامي يرتكز علي أنك (اننا) المسلمون وهم الكفار، نحن الحق وهم الباطل، نريد ان نبني دولة الاسلام وهم أعداء ذلك... الخ.

المدهش ان هذه التعبئة الدينية/الاسلامية يترافق معها التحريض والتدريب علي اللجوء للعنف البدني واللفظي بإفراط مع اللذين يقعون في (الأسر ) لديهم، ولهم ان ( يتفننوا ) ما تشاء لهم أخيلتهم في انواع التعذيب والإيذاء ولا حرج اذا افضت الي الموت، نعم، لا بأس فلك علينا الحصانة والحماية لأنك المسلم القوي الحريص علي دينه والمدافع عن دولته من كيد الكفار المندسين المارقين ( ولا يهم أبداً أنهم أبناء وطن واحد وإخوة فيه )..

وتزداد الدهشة عندما نجد ان التعبئة لا تقف عند حدود التحريض علي العنف والقتل وإنما تصل حدود الإيذاء النفسي/الجنسي بالاغتصاب للرجال والنساء والحوادث الدالة علي ذلك كثيرة وموثقة في وقائع البلاغات التي دوّنها بشجاعة عدد من النساء والرجال؛ جرعة التعبئة تحتوي علي إقامة الاسلام الحنيف وتحرض في سبيلها علي أعمال العنف حتي درجة القهر النفسي/الجنسي بالاغتصاب، أي انها جرعات تحتوي علي متناقضات مذهلة، ولكنها، وقد تمت ممارستها بشكل مستمر منذ ثلاثين عاماً وحتي اللحظة، فانها تعبر عن حقيقة (الاسلامويين) وجوهرهم الميكافيلي ودواخلهم المهزومة المنحرفة..

نحن امام أعداء لا حصر لهم من عناصر الأمن والمليشيات السرية، هم الآن أعداء للشعب السوداني وطلائعه المناضلة، أعداء للثورة الجارية في البلاد ويعملون علي إخمادها بكل الوسائل بما فيها القتل، ولكن الثورة ستنتصر وستقوم دولة (حرية سلام وعدالة)، فهل ستتركهم فقط للعدالة ومحاكمها أم هنالك مسئولية اخري تجاههم ؟، نعم، مارسوا ما مارسوا ولكننا نسمع شباب الثورة يهتفون يومياً (سلمية سلمية) ونشاهدهم يقدمون الماء والعلاج للأعداء ، نعم، مارسوا ما مارسوا ولكنهم ضحايا تجنيد وتعبئة وغسيل ادمغة من نوع خبيث، والثورة حب وانسانية في المقام الاول، الثورة لن تنظر اليهم بعد المحاكمات كأعداء بل بشراً وإخوة في الوطن يحتاجون الي اعادة تأهيل نفسي وأخلاقي لكي يعودوا الي الحظيرة الانسانية السوية.. في تحقيق العدالة بالمحاكم وإجراءاتها ثم تطبيق منطوق القوانين عليهم، في ذلك اقتصاص لضحاياهم فتنتهي صفة المجرمين عنهم لتبقي صفة انهم ضحايا.. ستنظر لهم الثورة ودولتها القادمة علي هذا الأساس


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

سماجة الشر، احتجاب البصيرة.. في تذكّر مساعد البشير 2019-10-17 15:14:11 بقلم : عبدالحميد أحمد حملت صحف الخرطوم الصادرة بالأمس مفارقةً باعثةً على السخرية إذ ترافق على صفحاتها خبران أولهما هو "عزم النيابة العامة على أن تحسم ملفات قضائية عالقة في مواجهة أقطاب النظام الساقط أبرزها تقويض النظام (...)

ثم ماذا عن مؤتمر السلام الشامل في السودان 2019-10-16 11:43:15 الشفيع خضر سعيد تنطلق اليوم في مدينة جوبا، عاصمة جمهورية جنوب السودان، الجولة الأولى من مفاوضات البحث عن السلام بين حكومة السودان والحركات المسلحة، تصاحبها بعض المفارقات والأسئلة التي تفرض نفسها عليها. أولى هذه المفارقات، (...)

أخواني الشهداء: العيون السود في البطانة كتار 2019-10-14 05:41:16 مجدي الجزولي انهضوا لبوا يا شبابنا هموا شهيدنا الطاهر ضحى بدموا أخواني الشهداء الزايد شوقهم مناى يا الله أسير في طريقهم أصبر قلبي وراجي لحوقهم هنالك في الجنة أبقى رفيقهم.. من أخسر ما خاض فيه المرحوم حسن الترابي بعد (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.