الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 24 كانون الأول (ديسمبر) 2018

١٩ ديسمبر الثانية : هل من جديد ، وما المطلوب ؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

‏كانت الأولى كما هو معروف هو اليوم الذي توحد فيه نواب الشعب بالاجماع وأعلنوا استقلال السودان من داخل البرلمان (19 ديسمبر 1955) والثانية هي الماثلة أمامنا الان (‏19 ديسمبر 2018) :
( ١ )

‏الجيل الذي ‏أعلن ‏الاستقلال من داخل البرلمان وتصدي لقيادة البلاد ، ومع الاحترام التام لهم ، كان السودان بالنسبة لهم هو العاصمة وبعض المدن الكبرى (مدني بورتسودان عطبرة...الخ) في احسن الأحوال ، ‏لم يعرفوا او يهتموا لهذا التنوع الثقافي والاجتماعي الواسع الذي يزدان به السودان وبالتالي أخطأوا في ادارته .. وكانوا يعتقدون ‏أنهم بالفعل قد ورثوا الديمقراطية الليبرالية عن البريطانيين دون أي اعتبار او استيعاب للفوارق الكبيرة بين البلدين من حيث درجة الوعي والعلم والتقدم الاجتماعي الي آخرها من الفوارق ، ‏فكانت الديمقراطية بالنسبة لهم هي فقط إجراء الانتخابات العامة والتنافس السلبي بين الكيانات لأسباب ذاتية لا علاقة لها بوطن مترامي الأطراف ، ولا لشعب مواريثه متعددة الكيانات والجذور ، والنتيجة ، وكما ورد في مخاطبة للاجيال الجديدة في هذه الزاوية : ( ... وكيف أورثوكم ‏هذه البناءات الهشة في كل أوجه الحياة انتهت بكم إلى وطن منفصل في جغرافيته ، ومنهار في قلبه ، تنهشه الحروب الأهلية في أطرافه ... ) .

( ٢ )

‏اما المصادفة التاريخية ، 19 ديسمبر الثانية (2018) ، ومن حيث العصر ، فقد جاءت في زمن يشهد أضخم ثورة ‏في تاريخ البشرية ، ثورة المعلومات والاتصالات ، وفي ذلك فوائد ضخمة يصعب حصرها : الاتصالات تتم بين قيادات الانتفاضة وأحزابها وشبابها بسهولة ويسر لم تتوفرا في السابق ، ‏صعوبة التزوير ، التعويض الكامل (تقريباً) بين مستوى الوعي العام عشية الاستقلال او انتفاضتي ١٩٦٤ و ١٩٨٥ وبينه في عصر الانحدار الاسلاموي الرهيب ١٩٨٩-٢٠١٨ (وهذا مبحث هام ولكنه طويل ليس الان وقته) ، ‏كذلك في أن الفشل في كل شيء اصبح منتصباً أمام أعين السودانيين ويمشي بين ارجلهم ، حتى عند بعض انصار النظام ، وبالتالي لم يبق لمتردد ما يقوله .. ‏إضافة إلى ثورة المعلومات فان التجربة قد نبهت الجميع الي أن وطنهم مليء بالتنوع الثقافي والديني والاجتماعي الذي يتوق لمن يديره إدارة خلاقة يجعل منه مصدر الثراء والقوة الاول فيه ..
( ٣ )

‏وإذا كانت اكبر الانتفاضات المدنية في وجه هذا النظام حتي الان هو انتفاضة سبتمبر 2013 الا أنها كانت محصورة إلى حد كبير فئوياً وجغرافياً ومطلبياً ، اما ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ فانها شملت كل جغرافيا السودان تقريباً وكل الفئات الشعبية وأصبح الهدف مطلباً جذرياً واحداً هو إسقاط النظام ورحيله الي حيث مكانه الطبيعي في دفاتر التاريخ ومزابله ..
( ٤ )

ولكي تكون ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ ‏بالفعل انتفاضةً للنصر والخلاص يجب أن تكون القوي الحزبية والمدنية المنظمة قلباً قائداً لها ولحركة جماهيرها ، ولكي يتحقق ذلك ، وفي المقام الاول :
- كتلتي المعارضة الأساسيتين ، نداء السودان وقوي الاجماع ، علي قياداتها مسئولية أساسية وتاريخية : هم يعرفون تماماً حقائق اوضاعهم وبؤس الخلاف المفتعل بينهم ، ‏الخلاف البائس المفتعل الذي يقحم نفسه في حركة بعضهم بدلاً عن الانصراف الكلي لواجباتهم تجاه الانتفاضة وعملية المعارضة عموماً .. ‏ندعوهم بحرارة ، وبقلب مفتوح ومؤمن بأهمية أدوارهم وباهمية تفرغهم التام لقضيتهم الوطنية المشتركة ، أن يتم خلع الأسماء (نداء السودان وقوي الاجماع) نهائياً ‏والتحرر من الكوابح غير الأصيلة وغير المبدئيه التي تفرق بينهم وأن يكونوا جسماً واحداً للانتفاضة ، ملهماً لشبابها وقائدا لجماهيرها ، جسم يضمهم جميعاً مع رفاقهم في منظمات المجتمع المدني والمهنيين وقطاعات الشباب والحركات المختلفة دونما عودة للوراء ولا نقاش للخلافات الشكلية والسطحية القديمة ..

‏ومن تمام النصر والخلاص لهذه الانتفاضة أن يكون الفرز واضحاً بين قواها وبين الهاربين من مركب النظام .. مع التقدير لبعض الآراء التي لا تمانع ، بل تفضل ، وجود الكيانات والرموز التي انسلخت من النظام في صفوف قوي الانتفاضة لأسباب معلومة ، الا انني اري العكس : لا حاجة لهم اصلاً .. ‏فالقوي والتيارات الوطنية الأصيلة في معارضتها قادرة على الاتساع بالانتفاضة وعلى إدامه عنفوانها ، ومن اهم أسباب ذلك الا يشعر ، لا جماهير الشعب ولا طلائعه ، ان بين صفوفهم من كان ينعم بالسلطة وتسهيلاتها عندما كان يئن تحت السياط في معتقلاتهم وأقسام نظامهم العام .. ان يكون الفرز واضحاً بين قوي الانتفاضة وبين القافزين تنظيماتاً كانوا او افرادا ..

والعنصر الهام الثالث في انتصار الانتفاضة ان تتفق قياداتها علي شكل ومضمون الفترة الانتقالية (برنامج واضح علي الأقل في خطوطه العامة).. ونظراً لحجم الدمار الذي اصاب الوطن وبالتالي حجم التركة التي سترثها الانتفاضة ، والتي تستحيل مواجهتها بالإصلاح في فترة وجيزة او عبر كيان واحد ، ستحتاج الانتفاضة الي لجان عديدة وكبيرة تتولي مسألة دراسة وفحص وإصلاح المرافق المختلفة ، لجان تضم سياسيين وقانونيين ومهنيين خبراء دون اي اعتبار لغير وطنيتهم ، تبدأ بالمرافق الأهم فالمهمة : التعليم ، القضاء ، السكة حديد ، مشروع الجزيرة ، القوات المسلحة ...الخ ، وما اكثر الخبراء والمهنيين في كل مناحي مؤسساتنا تضج بهم الذاكرة : المهندس هاشم محمداحمد ، مولانا سيف الدولة حمدنا الله ، ضباط بالمعاش عصام الدين ميرغني ، السر احمد سعيد ، فيصل ومحجوب محمد صالح ، مرتضي الغالي ، الشيخ عبدالله (ازرق طيبة) ، محمد بشير (الصاوي) وغيرهم وغيرهم من الاسماء اللامعة الخبيرة في مختلف المهن والمرافق ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

حروب "الكيزان" ضد شعب السودان 2019-01-19 21:55:46 بقلم : د. عائشة البصري لكل حراك أو انتفاضة أو ثورة مُحركها. فإن كان رفع سعر الخبز وغلاء المعيشة قد أشعلا حقا فتيل الانتفاضة في السودان، فإن ما أبقى الشعلة حية هو إجماع جل الشعب على أنه حان وقت رحيل الجنرال عمر البشير (...)

أين القناع ؟! 2019-01-18 20:28:00 بقلم : سلمى التجاني ننهزم عندما يحدد لنا العدو ساحة المعركة ، هو يعلم أن ميدانه العنف، يجيده ويعلم أدواته وظل يمارسه لثلاثة عقود. بسلميتنا سبقنا النظام بخطواتٍ كبيرة، وعندما يستخدم القوة المفرطة يعني أنه فقد السيطرة (...)

طريق الإغتسال والغفران 2019-01-18 18:30:22 بقلم : محمد عتيق حكمت البلاد عقوداً من السنين ، ساد الدين ‏خلالها شعاراً ونشيدا ، أزياءً ومظاهر .. تحولت المؤسسات الحكومية إلى شركات خاصة وقطع غيار للأعوان والمنسوبين ، والدولة كلها مالاً سائباً ‏يرتع فيه الأقارب وأركان (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2019 SudanTribune - All rights reserved.