الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 18 أيار (مايو) 2018

‏‎قضية نورة وأجندة النشطاء

separation
increase
decrease
separation
separation

مصطفى عبد العزيز البطل

‏‎لست معنياً بالقضية الجنائية وتداعياتها القانونية فهي بين يدي السلطة القضائية تتحرّى في أمرها قيمة العدل وفق مقتضى القانون. وإنما يعنيني هنا المنهج الذي يتبعه بعض النشطاء من مناصرى هذه الشابة التعيسة في الداخل، وأضعاف أضعافهم من حُشُود الخارج. أقول أضعاف أضعافهم وأنا أطالع أمامي مذكرة التماس جماعي صاغته مجموعة أوروبية تُطالب بإسقاط حكم الإعدام عن المتهمة قام بالتوقيع عليه ما يربو على ثلاثمائة ألف من فرنجة أوروبا وأمريكا يتبعهم بعض العربان والسوادنة.

‏‎وأنا أبدأ يومي صباحاً بتصفح النسخة الورقية من الغارديان البريطانية، عملاً بقاعدة: إذا كنت في روما فافعل كما يفعل أهلها. ولكنني ما انفك أشرع في مسيرة التصفح، هذه الأيام، حتى تدهمني كل صباح مادة تنشرها الصحيفة العريقة عن قضية ابنتنا نورة. ولا شك عندي في أن كرة الثلج قد بدأت في التدحرج!

‏‎وأنا بطبيعة الحال أشعر بتعاطف شديد مع هذه الشابة، وهو تعاطف لا صلة له بموقفها القانوني، إدانةً أو براءة، وإنما لاعتقاد عندي بأنّ كل من يتلقى حكماً بالإعدام يستحق التعاطف صرف النظر عن أي اعتبار آخر. ومن منطلق هذا التعاطف فقد وددت أن أتقدم بنصحٍ مخلص لحشود الأحباب المتزاحمين حول زنزانة نورة مُطالبين بتبرئتها وإطلاقها، سوادنةً وعجماناً وعرباناً وفرنجة، مع دعائي لهم بالتوفيق وسؤالي للمولى عز وجل أن يبارك منهم المسعى ويسدد بين أيديهم المقصد.

‏‎في طليعة ما هو لازم لزوماً حتمياً لا محيص عنه لكل من ينشط في مثل هذه المُهمّة النبيلة التحلي بالأمانة والتزام الصدق وتحري الدقة في جمع المعلومات والبناء من فوقها، حتى لا نبني الاهرامات على قواعد من الرمال المتحركة، ولا نشيد الآمال على تلال الأوهام.

‏‎لن يفيد قضية نورة في شئ المزاعم المكذوبة التي انطلق في بثها الإعلام الغربي تأسيساً على ما يرفدها به نشطاء الداخل وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا.

‏‎الوقائع الثابتة لدى سلطات الضبط القضائي من شرطة ونيابة، ولدى القضاء الذي حاكم وحكم، تقول إن المجني عليه كان نائماً ومُستغرقاً في النوم عندما انهالت عليه الابنة نورة بخنجرها فطعنته طعنة نجلاء، أردفتها بثلاث عشرة أخرى، فبلغت جملة الطعنات أربع عشرة. ولذا فلن تفيد قضية المندفعين وراء الحركة الاحتجاجية في شئٍ كل هذه المزاعم التي شرع في نشرها وترويجها الإعلام الغربي من أن الزوج كان يحاول اغتصاب عروسه عندما عاجلته أثناء المُحاولة بطعنة قاتلة دفاعاً عن نفسها. والقضاء الذي تقبع نورة اليوم بين يديه لا يعرف سوى ما هو ثابت أمامه من وقائع، ولا يلقي بالاً للمعلومات المصنوعة التي ينهض عليها ويبثها الناشطون في الداخل والخارج.

‏‎كما لن تفيد في شئٍ المَزاعم الأُخرى المُتناثرة التي تهدف إلى شيطنة أسرة نورة وتقبيح صورة والديها من شاكلة أن الوالدين أعلنا براءتهما منها ونبذاها، وقد رأيت عبارة (disowned her) تزحم تقارير الصحف والقنوات عند مستعمرينا القدامى. وليس في ذلك ما يصف الحقيقة أو يمتُّ لها بسبب، فكون أن والدها هو الذي أبلغ الشرطة وسلم ابنته، لا يعني التبرؤ منها وإنكارها، وإنما ذلك هو التصرف الصحيح الذي يفرضه العقل الناضج المسؤول قبل أن يكون هو حكم القانون ومقتضاه.

‏‎ولن يفيد قضيتها في شئٍ كل ما يدعيه هؤلاء من تزيّدات وخزعبلات ما فتئت تنشرها الصحافة الغربية مثل القول بأن الفتاة كانت قد اختفت بعد أن هربت من منزل والديها وعاشت بعيدة عنهم تعبيراً عن رغبتها في رفض الزواج، وهو ما لم يحدث.

‏‎ولكن أكبر الكوارث التي يمكن أن تقع على رأس هذه المسكينة هي المُحاولات المحمومة التي تُجرى الآن على قدم وساق لاستغلال قضيتها لأغراض الهجوم على الإسلام والتنكيل به، أو اتخاذ الحدث سلماً ومطية لممارسة (النضال) السياسي ضد حكومة السودان على ظن من الوهم أن مثل هذا الحادثة ربما كانت منحة من السماء لتصعيد النشاط المعارض عن طريق تهييج الرأي العام الغربي وتعبئته وتوجيهه باتجاه الحصار والخنق.

‏‎وكالمعتاد شرع هؤلاء وسدروا، تحت مظلة الدفاع عن نورة، في مسعى استغلال قضيتها لإعلاء الأجندة المُعادية للإسلام وتصويره في صورة العائق الأكبر أمام حرية المرأة وكرامتها وأنه الدين الذي يشرّع ويسوغ ممارسة العنف ضد المرأة، إلى آخر المعزوفة، ثم انطلقوا يقدمون هذه البائسة مثالاً ونموذجاً.

‏‎لن يمنعنا كل ذلك من الإشادة بالبيان الصادر أمس الأول عن بعثة الاتحاد الأوروبي، وهو بيان مُحكم لم يتورّط في دلق المعلومات المغلوطة، بل أنه إمعاناً في الابتعاد عن روح المزايدات، وصف واقعة الاغتصاب بأنّها زعم، إذ جاء في البيان (زُعم أنها اُغتصبت). ثم عبر القوم بعد ذلك عن معارضتهم لحكم الإعدام من حيث المبدأ باعتبارها (تشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان وكرامته) كما أورد نص البيان. وللمشرع السوداني رؤية أخرى بطبيعة الحال ليس هذا مكانها ولا زمانها.

‏‎وفي النهاية فإن العبرة ستبقى في مكانها، وهي أنّ القضايا العليا لن تخدمها المناهج السفلى والأساليب العائبة والتبذل إلى فرنجة الغرب وتمكينهم من رقبة الإسلام والسودان.

‏‎دافعوا عن نورة ونافحوا عن قضيتها مُسلّحين بالصدق ومكارم الأخلاق، في أيديكم مصباح الحقيقة ونصب أعينكم ميزان العدل. وإيّاكم والتزيّد والمبالغات والتلفيق فإنّه لن يزيد هذه الشابة إلا خبالا.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

"احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص 2018-09-19 17:31:47 هل أطلق عليها الإسلاميون رصاص الرحمة؟ "احزاب الأمة" بين مطرقة التسريح، وسندان التقليص كتب: الجميل الفاضل • أنحسرت ظلال شجرة "الإنقاذ" بشكل متدرج عن معظم الأحزاب التي إنشقّ فرعها الرئيس "الإصلاح و التجديد" عن حزبها الأم (...)

هل سقط النِّظام ؟ 2018-09-16 23:05:12 كتبت : سلمى التجاني الهزَّة التي أصابت النِّظام طيلة أيام التشكيل الوزاري في الأيام الفائتة، أَظهَرت وعكست صورة حقيقية لما آل إليه من تآكل داخليّ، وفقدان ثقة بين قادته، وهشاشة حلفائه. فمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الذي (...)

سؤال الشباب .. ( ٧ ) 2018-09-16 23:02:20 كتب : محمد عنيق للتدليل علي ما ذكرناه بان وسائلنا ومناهجنا في العمل العام كانت خاطئة نكتفي هنا بواحدة من المنظمات التي قامت في الخارج ( المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب ) ، وذلك بإيراد مختصر لما كتبته في فترة سابقة عن (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2018 SudanTribune - All rights reserved.