الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 23 أيلول (سبتمبر) 2018

مَنِ الّذي اسْتأجَرَ القنّاصة وأَوْمَأَ للضّحايا؟!

كتب : عمر الدقير

قبل حوالي عام وَجّهَ أحد مُلّاك مزارع تربية الخيول الفرنسيين رسالة معبرة إلى أعضاء الجمعية الوطنية "البرلمان الفرنسي" احتجاجاً على سياسات حكومة الرئيس فرنسوا هولاند وأداء عموم النُّخبة السِّياسية في فرنسا. كانت الرسالة ممثلة في شاحنة محملة بروث الخيول أفرغت حمولتها أمام قصر بوربون "مقر الجمعية الوطنية الفرنسية" المُطِل على نهر السِّين بباريس، وعلى جانب الشاحنة كتب ذلك المواطن عبارة "عاشت الجمهورية الفرنسية، ولتسقط النُّخبة السِّياسية" .. كان احتجاج الرجل يتعلق أساساً بمصالحه الخاصة، حيث أجازت الجمعية الوطنية الفرنسية زيادة الضرائب المقررة على مُلّاك مَزارع تربية الخيول من 7% إلى 20%، ولكنّه ربما قصد باحتجاجه قضايا أخرى مثل الفضائح الجنسية التي طالت الرئيس هولاند وغيره من الساسة الفرنسيين، والتي كانت رائجة إعلامياً وقتها، بالإضافة لتراجع مؤشرات أداء الإقتصاد الفرنسي.

قبيل عطلة عيد الأضحى المبارك، كان مقر المجلس الوطني المُطِل على نهر النيل بأمدرمان مسرحاً لواحدٍ من مشاهد شرور البلايا المُضحكات، حيث أعلن رئيس لجنة الأمن والدفاع بالمجلس أنّ أشخاصاً كانوا يستقلون سيارات بدون لوحات مرورية هم الذين أطلقوا الرُّصَاص على المتظاهرين الذي امتلأت بهم الشوارع والساحات في الهبّة الجماهيرية التي اندلعت في سبتمبر 2013م .. تلك هي خلاصة التحقيق المزعوم حول ملابسات سقوط أكثر من مائتي شهيد تم توجيه الرُّصَاص عمداً وترصُّداً إلى رؤوسهم ونحورهم وصدورهم، وهم عُزّلٌ إلّا من هتافٍ يخرج من حناجرهم مُعبِّراً عن تَوْقٍ للحرية والعيش الكريم، ومع ذلك لم يجرؤ أعضاء المجلس الوطني على مواجهة هذا العبث والاستهتار بأرواح البشر ومحاسبة الحكومة - بافتراض مصداقية ما توصلت إليه لجنة التحقيق - على عجزها وفشلها في إلقاء القبض على الجناة ومحاكمتهم .. وكي لا نظلم النواب المحترمين، ربّما كان سبب انصرافهم عن الاهتمام بقضية الدّم البشري المسفوح قضايا أخرى، أعظم أهميةً وأكثر إلحاحاً، مثل حرصهم على عدم التهاون في تطبيق اللوائح الحكومية التي تُخصِّص سبعاً وعشرين سيارة إضافية لشاغلي المواقع القيادية بالمجلس الوطني!!

لَسْنا هنا بصدد الدعوة لاستنساخ أسلوب المزارع الفرنسي، المشار إليه أعلاه، احتجاجاً على موقف المجلس الوطني من لجنة التحقيق حول أحداث سبتمبر وتقريرها المُضحك/المُبكي أو موقفه من عوار التعديلات الدستورية التي أجازها بالتكبير والتهليل، دون مداولاتٍ تذكر، مكتفياً بكلمةٍ حماسية ألقاها النائب الأول السابق دفاعاً عنها، أو غير ذلك من المواقف التي تفضح صممه عن الإصغاء لأصوات النّاس المقهورين وعجزه عن القيام بواجبه في مراقبة الحكومة ومحاسبتها، ليس لأنّ ذلك الأسلوب يبدو غير لائقٍ وإنّما لعدم إمكانية استنساخه أصلاً .. فالإجراءات الأمنية حول مقر المجلس الوطني تجعل من وصول شاحنة الإحتجاج إلى هناك أمراً بالغ الصعوبة، وحتى لو افترضنا جدلاً إمكانية تخطي الإجراءات الأمنية فإنّه يستحيل عملياً استنساخ الجزء الأول من العبارة المكتوبة على جانب الشاحنة وهو هتاف المزارع الفرنسي بحياة الجمهورية الفرنسية، التي تعني له دولة المؤسسات وفصل السلطات وسيادة حكم القانون واحترام حقوق الإنسان، حيث لا وجود لمثل هذه الجمهورية في الحالة السودانية حتى يهتف أحدٌ بحياتها .. ولكن مع استذكار خذلان كثير من القوى السياسية لهبّة سبتمبر، التي كانت قاب مظاهرتين أو أدنى من بلوغ غايتها، ربما يكون من حقِّ ذوي الضحايا والمشاركين في تلك الهبّة الجماهيرية المجيدة أن يستنسخوا الجزء الثاني من عبارة المزارع الفرنسي الإحتجاجية ويهتفوا ملء حناجرهم: "فلتسقط النُّخبة السِّياسية".

لقد كانت تلك الأيّام من أواخر سبتمبر عام 2013م من أيّام التوَحُّش في التاريخ، سادت فيها نزعة الشر وانطلقت شهوة العنف الجبان من عقالها ليسقط مئات الأبرياء بين شهيدٍ وجريح استُبيحتْ دماؤهم وأُهْرِقتْ، كما الماء، في الشوارع والساحات .. والآن، بعد عامين من التحقيق، تأتي الخلاصة بتقييد الجريمة ضد قنّاصة مجهولين كانوا يستقلون سيارات بدون لوحات مرورية .. إنّها خلاصةٌ تترك الأسى يقطر من شواهد قبور الشهداء وجُرح الحزن عليهم مفتوحاً كَفَمٍ بليغ يشهد أنّ الضّمير الحي قد لَحِقَ بالحرية والعدالة وغادر الثلاثة أرض السودان الواسعة!!

كم كان الشاعر محمد الفيتوري، رحمه الله، مُبدعاً وحصيفاً وهو يَنظُم تلك الأبيات على لسان قنّاصٍ مأجور يخاطب ضحيته مُعترِفاً ومُعتذِراً:

أنا بَريءٌ مِنكَ يا مَنْ لستُ أعْرِفُهُ ..
لا تَحْقِدْ عَليّ وأنتَ ترقُصُ فِي دِمَائكْ ..
لستُ إلّا قاتِلاً مُتعاقِداً بالأجْرْ ..
أقتلُ وَهْوَ يَدفعْ ..
ثُمّ أقتلُ وَهْوَ يَدفعْ ..
غاسِلاً كَفّيّ مِنْكْ ..
ومِنْ دِماءِ القادمِ المجهولِ بَعْدَكْ ..
إنِّي مُجرّدُ آلةٍ خَرْساءْ ..
أمّا القاتِلُ الفِعْلِي، فَهْوَ فوقَ شُرْفَتِهِ ..
يُراقِبُني ويَضْحَكْ ..
ثُمّ يُومِيءُ للضّحية!!

(من الأرشيف .. نُشِر في سبتمبر 2015)