الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الجمعة 18 كانون الثاني (يناير) 2019

أين القناع ؟!

بقلم : سلمى التجاني

ننهزم عندما يحدد لنا العدو ساحة المعركة ، هو يعلم أن ميدانه العنف، يجيده ويعلم أدواته وظل يمارسه لثلاثة عقود.

بسلميتنا سبقنا النظام بخطواتٍ كبيرة، وعندما يستخدم القوة المفرطة يعني أنه فقد السيطرة الأوضاع وعلى نفسه. الهزة التي أحدثها الحراك بسلميته، خلال شهر، جعلت النظام أضعف مما نتصور، وما حدث بالأمس ببري ، والقمع العنيف لموكب القصر، له دلالة واحدة؛ أن الأوضاع لن تعود لما كانت عليه قبل 17 يناير مرة أخرى، داخل النظام نفسه او في صفوف الشعب، ما حدث قد رفع معدل الغضب عند المواطنين، ما يصب في صالح ثبات وتوسع التظاهرات. من خرج بالأمس كان يعلم أنه قد لا يعود إلى بيته لكنه خرج، وسينضم كُثْر كانوا يحسنون الظن بالنظام، لأنهم لم يروا الأهوال التي ارتكبها في دارفور وجبال النوبة. بالأمس قدمت الإنقاذ عرضاً مصغراً لما ظلت تقوم به منذ سنوات في مناطق بعيدة. كأنها آلت على نفسها أن تُرِي بقية الشعب والذين انطلت عليهم أكاذيب ومبررات النظام لقتل سودانيين آخرين في مناطق مختلفة.

بعد ما حدث بالأمس سيوقن من يقف في الحياد ألا مناص من ذهاب هذا النظام الدموي، الذي لا يعرف حرمة دماء ولا بيوت، وأن الرصاصة التي تخرج من أسلحة رباطة النظام لا تفرق بين متظاهرٍ أو جالسٍ يراقب المشهد على رصيف شارع القصر، بل قد تصله حتى داخل بيته.
وبذلك أسهم النظام في تفجير غضبٍ كامنٍ في النفوس، نجح في تهدئته لسنوات، لكنه بالأمس أسقط آخر اقنعته التي كان يستخدمها في الخرطوم ومناطق شمال السودان، ليبرز وجهه الدموي وفوضاه وبلطجة قواته الأمنية.

داخل صفوف النظام لن تعود الأمور كما كانت، من كان يظن أن العنف سيوقف غضب الشعب ، يدرك الآن أنه واهم، ولا يوجد سوى خيارات محدودة؛ إما استخدام المزيد من العنف، ما يؤزم الوضع أكثر داخلياً وخارجياً، ويجعل تكلفة المغادرة أعلى، أو خيارٌ آخر هو أن يتم تحرك من داخل النظام، ليس حقناً للدماء، فدماءنا ظلت مسفوحة لثلاثين عاماً، انما للبحث عن مخرجٍ أقل كلفة، قد يحدث ذلك في أقرب مما نتصور، وقد يحتاج وقتاً حتى تتحقق ضمانات خارجية وداخلية.

هنالك عاملٌ آخر مهم، هو الحرج الذي بدأت تشعر به الدول الغربية، فكبريات الصحف والمجلات الأمريكية والبريطانية، والفرنسية بشكلٍ أقل، تحدثت عما يجري الآن بالسودان، وبعض القنوات الناطقة بالانجليزية انتهزت فرصة الاحتجاجات لتسلط الضوء على البشير وسنوات حكمه الملطخة بالدماء، مع تقارير منظمات دولية حقوقية مثل مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ، فان خطاب الدول الغربية آخذٌ في التصاعد ضد نظام البشير، وبالرغم من بطء وتيرة هذا التصاعد لكن المجتمع الدولي لا ينجز ثورات الشعوب، يراقب اتجاه الرياح ويقول كلمته في اللحظة التي يراها حاسمة.

ما فعله النظام ببري أمس، ما كان سيفعله نظامٌ يرغب في البقاء، حتى ولو بالقوة، وها هو يرى ثماره الآن في أحياء الخرطوم المختلفة، ما ينبئ عن غضبٍ أكبر وانحياز قطاعات أخرى من الشعب، ما كانت لتقف ضد النظام لو لم تر مشاهد الرعب بعينها.

لذلك، نزداد بالسلمية قوة كل يوم، ويتهاوى النظام أمامنا شيئاً فشيئا.