الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 21 كانون الثاني (يناير) 2019

هوامش علي دفتر الثورة

بقلم : محمد عنيق

(١)
‏"السلمية" دائماً تفرض نفسها مبتدأ كل حديث عن الانتفاضة الجارية في بلادنا لأنها - اي "السلمية" - هي سر قوتها ، هي سرها وسر هذا التدافع ‏في مواجهة الرصاص الحي ، الحفاظ عليها يعني الحفاظ على الانتفاضة وعنفوانها ، حمايتها تعني تقصير عمر المعركة ، وتعني تقليل خسائرنا البشرية بل وإيقافها .. فإذا ‏هربت قوة من رجال الشرطة من أمام جموعنا الهادرة فإنها تهرب خشية من بأسنا وقوتنا المتمثلة في "السلمية" ، وهذا الهروب الخائف ، (الهروب المسلح) امام ‏الثوار العزل ينبغي أن يدفع لاستكمال "سلميتنا" نحو مراقي أعلى لا أن ندمر سيارتها مثلاً ، وسيارة الشرطة أصلاً ، وقبل كل شيء ، ‏هي ملكنا نحن جموع الشعب السوداني ... ‏أو عندما نكتشف عنصراً معادياً من فرق الموت محشوراً بيننا في مواكبنا ونقوم باصطياده لا يجوز أن ننهال عليه ضرباً بالايدي والعصي فنكسر "سلميتنا" ‏المهابة ، ‏إذ هل نفعل ما يفعلونه معنا عند اعتقالنا ؟؟ ‏الضرب والتعذيب ‏هي وسائل الضعفاء المحتمين بسلطة الدولة ، اما "السلمية" ، التعامل الإنساني بمعنى الإنساني ، فهي صفة الأقوياء الواثقين من أنفسهم ومن عدالة قضيتهم ‏والمتكئين على المواريث النبيلة لشعبهم وللإنسانية ... ‏بقليل من الصبر والمثابرة سينهار العدو الذي وصل الان قمة شراسته بالقتل المباشر بحجة ‏مواجهة التخريب ، وما بعد القمة الا الانهيار الذي بدت معالمه تتضح في بعض أحاديثهم المتراجعة ‏مثل : الشباب هم المستقبل ، للشباب قضايا عادلة ، يجب أن نتحاور معهم ...الخ ، هي احاديث مبتدأ الانهيار ، واستكماله يكون بالصبر والمثابره والتقدم والمزيد من التمسك ب "السلمية" ..
(٢)
‏وعن القوات المسلحة ، لا نريد تكرار الحديث الدائر عن تاريخها وأدوارها ، ولكننا في الحقيقة ، وكما ذكرت في مقال سابق ، لسنا بصدد مجرد ‏إسقاط نظام دكتاتوري بانتفاضة شعبية تعيد ديمقراطيةً نكرر بها تجربتي أكتوبر ١٩٦٤و مارس/أبريل ١٩٨٥ ، بل نحن بصدد مواجهة الأزمة الوطنية الشاملة ‏التي تمددت في بلادنا وما النظام الدكتاتوري الا نتيجة من نتائجها ومظهر من تجلياتها ، ‏هذه المواجهة للأزمة الوطنية الشاملة ، وفي بند من بنودها ، يجب أن نتناول أمر القوات المسلحة من ناحيتيه : ناحية ‏حق أفرادها في التفاعل مع قضايا وطنهم وهموم شعبهم ، وناحية تحديد دورها وواجباتها بدقة .. أي كيف تعبر عن التزامها بهموم الشعب والوطن وما هي مجالات ذلك التعبير ؟؟ ليس من حق ‏ولا واجبات هذا الحيز أن يتناول هذه الأسئلة بالإجابات التفصيلية ولكن النتيجة النهائية لها هي تحديد مهام القوات المسلحة في واجباتها المنصوصة : حماية بلادنا وحماية حدودها وترابها وحماية النظام ‏السياسي الديمقراطي الذي يرتضيه الشعب ويقرره في الدستور ، دون أن يشارك مباشرةً في الحكم لا في مرحلة انتقالية ولا في مراحل لاحقة لها .. وهذا الإطار يبدأ الالتزام به منذ اللحظة ، لحظة المخاض الثوري وذلك ‏بالانحياز للشعب وحمايته من أنياب النظام المسعورة : أجهزة امنه ومليشياته العلنية و الخفية ..
(٣)
‏كذلك ، على الهامش وعلى المتن ، ‏فإن من أهم النتائج في مواجهة الأزمة الوطنية الشاملة هو القضاء النهائي على فكرة الدولة الدينية أو الإسلام السياسي ، فكرة أن يقوم حزب سياسي على أساس الدين - إسلامياً كان او مسيحياً ... الخ .. الدولة الدينية تعطي قيادتها سلطة السيطرة على أنفاس الفرد والمجتمع باسم الحق الإلهي ، ‏لا حق لأحد أمام الحق الإلهي بينما أن الحق الإله يكون في تنفيذ حكمته تعالى في انه خلقنا بشراً متساوين لا فضل لأحد على الاخر بسبب دينه ، عرقه ، جنسه او قبيلته ...الخ ..‏ خلقنا لنعمر الأرض ولنطور ‏حياتنا ووسائلها بالعلم والمعرفة وان نتمسك وننشر قيم الحق والعدل والسمو الإنساني ...الخ بمعني ان نؤسس حياتنا علي ‏أسس مدنية علمانية تترك للفرد حق الاعتناق والتدين ويفصل ذلك عن الحياة العامة في الحكم والتنافس بالبرامج والتنافس على تنفيذ تلك البرامج في واقع الناس والدولة والمجتمع ، تنافس يتمثل تلك القيم الفاضلة دون أن يقول بدين او طائفة في بنيان أطرافه .

‏في تجربة تاريخنا الوطني المعاصر ، كانت دعوات الإسلام السياسي : (الدستور الإسلامي ، الجمهورية الرئاسية الإسلامية ..الخ) سبباً ومظهراً من أسباب ومظاهر الأزمة الوطنية العميقة التي تقبض على خناق الشعب والوطن .. تلك الدعوات هي التي أصبحت سلاحاً في يد الاخوان المسلمين (الحركة الاسلامية بمختلف مسمياتها اللاحقة) تبتز بها وترهب الشعب وقواه السياسية خاصةً الاحزاب القائمة علي أساس ديني/طائفي وتجلت في حوادث ومواقف كثيرة ليس هنا مجال تعدادها ، وهي التي تطورت الي قوانين (الشريعة الاسلامية) سيئة الصيت في ظل تحالفهم مع نظام جعفر نميري الدكتاتوري في آخر صفحات افلاسه وبؤسه ، وبالتالي هي - أي تلك الدعوات - وصلت في تطورها الطبيعي - للوضع المأساوي الذي نعيشه الان ، ومن أهم حقائقه ان دعوة الدولة الدينية/الاسلام السياسي في اي مكان وزمان لا تعني - او تنتج عنها - الا الفساد والاستبداد ، ونظرة الي تجربتنا وتجارب الدول من حولنا الان وفي التاريخ ، حتي الاوروبي/المسيحي ، تؤكد تلك المعاني والنتائج ..
الانتفاضة الفتية التي تجري الان علي كل خرائطنا الشعبية والجغرافية تعني فيما تعني نهاية الاسلام السياسي وعهود الشعارات الدينية وإقحامها في القضايا الوطنية الدنيوية المدنية ..