الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 5 أيار (مايو) 2019

الفارق ما بيننا وبينهم ….!!

شوقي إبراهيم عثمان

مع بداية الإنتفاضة قلت أساهم!! وبدأت بسلسلة من المقالات...ثم توقفت ..كانت الأحداث متسارعة. ومن ضمن ما اقترحته سابقا على تجمع المهنيين هو ان يعمل عدة لجان جانبية متخصصة ترفد له سيل المعلومات كي يستطيع التحليل وأخذ القرار الصحيح، فالقيادات الأبرز المنضوية تحت سقف لجنة التفاوض مع العسكر ليس في مقدورهم فرادى متابعة كل صغيرة وكبيرة. وتنبأت وبل رصدت محاولة بعض صحفي النظام التمهيد لحرف مسار الثورة، وتجييرها لصالح النظام السابق بأن يستنسخ نفسه بشكل جديد. هذه المقالة ليست بصدد جمع النقاط.. ولكن!!

النظام سقط!! ولكن ليس السقوط الكافي، والرسم الملحق ما زال فيه بعض الفائدة. وهنا نركز على أهمية معززات الإنتفاضة أو معززات السلوك.

وضح للعيان، فور سقوط رأس النظام في 11 أبريل، أن هنالك تدخل مصري، سعودي إماراتي. وليس هنالك حاجة أن تكون بروفيسورا في السياسة كي تفهم ذلك، ولكن كيفية الرد على هذا التدخل ومنع سمومه يحتاج إلى وقفة. يحتاج إلى “مركز بحوث”. وهذا هو الفارق ما بيننا وبينهم. ولنخطو خطوة خطوة:

في الخامسة من صباح فترة المارشات العسكرية “بيان هام للشعب السوداني من القوات المسلحة”، فهم الجميع أن هنالك إنقلابا قد تم، وتسربت مبكرا جدا تسريبة من وكالة أناضوليا التركية ترشح ثلاثة عسكريين على رأسهم الفريق عبد الفتاح البرهان. وبدلا من البرهان أطل ابن عوف بوجهه الكالح!! فرفضه جمهور الثورة فورا قبل أن يرفضه “إعلان الحرية والتغيير”. ثم أعتقلت إخبارية صغيرة لعدة ثواني على شاشة روسيا اليوم، لماكيلا جيمس وهي مساعد وزير الخارجية الامريكي للشؤون الافريقية تقول: “على المجلس العسكري الانتقالي أن يسلم السلطة للمدنيين سريعا، وتركيا ستقدم المساعدة”. وما زلت ابحث عن هذا الخبر في صورة فيديو. وهنا تشم أن هنالك فطاحل من الخبراء في الإستراتيجية والتكتيك، أتراك، ومصريين وأمريكان، وسعوديين وإماراتيين ..الخ يشغلون غرفة خلفية في الخرطوم، دعما للعسكر، يديرون المشهد كيف يمكن تنفيس الإحتقان الثوري.

وضعوا إبنعوف أولا وثم تم تبديله بالبرهان، كانت حدعة نفسية. كانوا يعرفون أن إبنعوف سيرُفَض، وحين بدلوه “أعتقد“ الثوار إنهم يملكون قرارهم!! حقيقة توهموا. هذه الخدعة هي واضحة في القانون 31، تقول ترجمته: “أنجع الخدع هي التي تبدو وكأنك تعطي الآخر خيار: ضحاياك سيشعرون أنهم يمتلكون قرارهم، ولكن في الحقيقة هم دُمَى في يدك. أعطي الناس الخيارات التي تنتهي لصالحك سيان أي خيار يختارون. أجبرههم ليختاروا الأقل شرا ما بين شرين، كلاهما يخدم غرضك. ضعهم (الناس) على قرني معضلة (قرني ثور)، على أيهما جلسوا أو أتجهوا يمكنك نطحهم“.

هذا التصور، أو التحليل، كي تصله لا بد أن تكون باحثا متخصصا، وهو من صميم عمل مراكز البحوث، وبالأحرى الـ Think Tanks وهي عادة التي تُطبخ فيها كل الطبخات الدولية. يمكنني الإستقراء بشكل قوي .. أن هنالك غرفة خلفية تشبه غرفة “الموك” الأردنية، والتي كانت تدير كل عمليات الدواعش في سورية. مهام هذه الغرفة في الخرطوم هي القيام بعملية معاكسة، ليس صنع ثورة مخملية – وهذا دأبها، بل لإفشال ثورة وسرقتها.

إذن السودانيون أختاروا الكرت “الأقل شرا”، وهو البرهان..!! بينما الكرت “الشرير” كان هو إبنعوف!!

عبد الفتاح السيسي هو عميل أمريكي، وهو الخطة (ب) وقد تم تصعيده بعد فشل الخطة (أ) مرسي وشركاوه. فحين يتحرك السيسي ويكرر كثيرا وبل بشكل مفرط إنه مع خيار الشعب السوداني الشقيق، فأعلم إنه كاذب. هذه التصريحات تخدم وتغطي الدور الرئيسي الذي لعبه السيسي مع وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي بتمديد فرصة العسكر لثلاث أشهر، وهذه ضربة قاصمة للثورة وللثوار. ولا تشك أبدا أن الوفد تمت رشوته، ببضعة ملايين دولار، من قبل السعودية والإمارات.. وربما أقل وهو الأرجح.. 100 ألف دولار للفرد كافية.

ولماذا قاصمة!! الرهان على الوقت هو أحد كروت مجلس البرهان العسكري، أن تملل الجماهير، او تتفادى سخانة الجو . و .. و الخ وحين يعطونهم ثلاث أشهر (خرج الوفد الأفريقي بالقول بـ 2 شهر، بينما المجلس يراوغ قبلها بشهر، فهي إذن الثلاث أشهر، ووفى بوعده لمن دفعوا له الرشاوي).

أحد أهم الغلطات لإعلان الحرية والتغيير إنه لم “يلتصق” في حلق الوفد الأفريقي!! جميع “المهزومين” .. و“الطلقاء” زاروا الوفد الأفريقي قبل إنطلاقه للقاهرة وأخذوا معه الصور التذكارية كي يقولوا له “نحن في الساحة” .. “أهل العريس”.. و “رقم صعب”، مو بس إعلان الحرية والتغيير!! الآن البرهان والكباشي، وحميدتي أخدوا نفسهم، ونفخوا أيضا، عندهم شهران كي يلعبوا بدعم من الغرفة الخلفية، ويراهنون مجددا على إنحسار موجة الجماهير الثائرة!! الغلطة الثانية أن االيوتيوب (وهي شركة تملكها القوقل) أغلقت على قناة سودان-بكرة، بحجة أن مشاهد البث بها عنف ودماء لا تليق بالأطفال. قطعا القوقل متآمر مع السعودية والإمارات. وإذا فهمنا أن “الثوار” يشاهدون سودان-بكرة على موبايلاتهم الذكية، أي عبر اليوتيوب والأنترنيت، نجد أن الثورة فقدت كرتا مهما. لم يك هنالك تفكير سبقي، فكانت الرومانسية الثورية هي الغالبة، لو أنحصر البث على البيانات المهمة، والتوضيح، أو الحوارات المختارة.. كان أفضل للثورة!! يجب مساومة شركة القوقل واليوتيوب مجددا.

التدخل السعودي الإماراتي المصري.. أهدافه واضحة حتى للمبتدئين في السياسة، دعم إستمرارية الجنود السودانيين في اليمن الذين يعملون كمرتزقة، دعم إستنساخ النظام الكيزاني القديم “بثوب جديد”، دعم الخط السلفي الوهابي داخل السودان .. عمر البشير كان حجر عثرة للجميع!! لقد وقع “الثوار” أو إعلان الحرية والتغيير في خطأ قاتل حين صنفوا قطر كداعمة “للكيزان” حصرا، وتخيلوا أن السعودية والإمارات لن تدعما “الكيزان”. هذا تبسيط مخل في فهم ألاعيب السياسة، فخذ مثلا السعودية تدعم بالكامل “حزب تجمع الإصلاح اليمني” الإخواني في اليمن براجماتيا، بنفس القدر الذي تدعم فيه دواعش اليمن، وبل “كيزان” اليمن يقاتلون جنبا إلى جنب مع “الدواعش”، لإسقاط صنعاء. بينما الإمارات صنعت لها “كتائب سلفية” في اليمن، أي والله كتائب سلفية في اليمن، مرجعيتها محمد بن زايد. الإمارات تقتفي نظرية إيزنهاور 1957م “ملء الفراغ”. أو بالأحرى سمها نظرية “المزاحمة”، فلن تترك الإمارات للسعودية ولمليشياتها التكفيرية حرية الحركة في اليمن، فتخرج الإمارات من المولد بلا حمص.

كان على إعلان الحرية والتغيير تسليم شباب الثورة من ضربة البداية الشعارات التالية: “سحب الجنود السودانيين من اليمن”، فهذه الحرب بغض النظر عن كون الجنود السودانيين يقاتلون كمرتزقة، رغم فجاعة الحقيقة ومرها، فهي حرب قذرة لا أخلاقية بإمتياز ولا مبررات لها. ولو فعلت الثورة السودانية هكذا، لرد ثوار اليمن التحية لثوار السودان بأفضل منها!! ولقد فشل الجميع الوصول لهذه الرؤية، ناهيك أن تمر بمخيلتهم، لكونهم أيضا من مغتربي قطر والأمارات والسعودية، أو لديهم إرتباطات عمل أو وظيفية الخ، وهذا عيب كبير حين يحل المناضل الثوري تناقضاته الخاصة على حساب تناقضات المصلحة العامة، أو الإنسانية. إذا تقاعصت في توهين الباطل، ونصرة الحق، ستخسر أنت، حينما تدور الدائرة عليك. وستقوِّي ضفة الإستكبار الأمريكي وحلفائه.

وبعد أن قبض البرهان وحميدتي إجازة الشهرين من الإتحاد الأفريقي المرتشي، لوحا للجميع “لا خروج من اليمن!!”، بينما كان هذا الكرت من القوة بأن يضعف من البرهان وحلقته وبل يهز كراسيهم!! وبل قد يستثير قوات الدعم السريع، والقوات المسلحة الوسيطة .. لدعم مطالب الثورة، الذين لا مصلحة لهم في الموت في جبال ووديان اليمن، وهذا البلد لم يُهزَم قط .. حتى الأترااك هُزِموا في ربوع اليمن!! هذا الكرت ما زال فاعلا، “الخروج من اليمن!!”، ويجب تسليمه شعارا للجماهير المنتفضة، لمزيد من الضغط على البرهان وحلقته الصغيرة.

خلاصة المقالة: أفعلوا أي شيء يصب في خانة معززات الإنتفاضة، بتكثير معززات السلوك behavioural enhancers، بما فيها مثل إختيار يوم لخروج الشعب السوداني للسفارات الأربعة النركية، والمصرية، والسعودية، والإماراتية..منددا بتدخلهم في الشأن السوداني، وبل رفع شعارات تدين تآمر الدول الأربعة!! فلا تنطلي عليكم عباراتهم وتصريحاتهم “نؤيد خيارات الشعب السوداني لإختيار دولته أو نظامه!!”. ولقد رأينا الحدث، والجزيرة، والعربية.. تتآمر مع دولهم، ما عدا إعلام “الشعب المصري”، ولكن إعلام النظام المصري للسيسي هو في خانة المؤامرة. وللتذكير لابد من عمل لجان متابعة ورصد وتحليل ترفد تجمع المهنيين بالتقارير!! وعلى تجمع المهنيين أن يفهم أن هنالك غرفة خبراء اجنبية سودانية خلفية وراء البرهان وفصيله تدير كل شيء ويلقنون العسكر.