الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 11 أيار (مايو) 2019

المجلس العسكري الإنتقالي والرهان على الصادق المهدي وصفقة القرن!!

شوقي إبراهيم عثمان

لقد أنفضح المجلس العسكري الإنتقالي حين أخذ يماطل بنعومة مدروسة عدم تسليمه السلطة السيادية للمدنيين، ووضع نفسه في موضع الشبهة والشك، بعدم الإستجابة لمطالب ثورة الشعب السوداني المنتفض، وبوضعه العصي في دواليب الثورة لتنفيسها، ويبدو كل ذلك بسبب ضغوط داخلية وخارجية. ما لا يدركه السودانيون في العمق أن التدخل السعودي الإماراتي المصري في الشأن الداخلي السوداني هو لصالح “صفقة القرن” التي تقف خلفها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

فهل المجلس العسكري الإنتقالي لا يدرك ذلك، أم إنهم متورطون؟

حَصْر التدخل الخليجي المصري في الشأن السوداني ربطا بقضية اليمن، وبالجنود السودانيين الذين يقاتلون هنالك كمرتزقة، هو خطأ تحليلي سياسي، بينما ترى هذه المقالة أن التدخل الخارجي من أجل سرقة الثورة السودانية هو لصالح [red]“صفقة القرن”[/red]، وإنهاء القضية الفلسطينية. فالجنود السودانيون ليسوا سوى “إضافة” للعدوان على اليمن، بقوا أم لم يبقوا في اليمن فلن يشكل وجودهم أو عدمه إنهيارا في التحالف السعودي الأمريكي على دولة اليمن. إضافة إلى الثلاثة مليارات الدولارية “ربطة البرسيم”، لعب الثنائي السعودي الإماراتي بدبلوماسية دفتر الشيكات لرشوة الجميع. وليتذكر الجميع حين نصيحة بندر بن سلطان العلنية لبوش الإبن أن يرشي الضباط العراقيين قبل إسقاط صدام بقليل عام 2003م!! أول من أستجاب لهذا الرشوة الإغراء المنظومة المسلحة بقيادة مالك عقار، وياسر عرمان، ومني أركو مناوي. ثم تلى ذلك حزب الأمة القومي الذي أوفد مريم الصادق نائبة رئيس الحزب في زيارة سرية، سريعا ما أنكشفت، ولا نحتاج إلى كبير دليل، أن مريم جلست مع محمد ين زايد وطاقمه الأمني ووزير الخارجية تناقش قضية تأمين البحر الأحمر، وقضية اليمن، ومآلات الثورة السودانية. وتلقت مريم من الجانب الإماراتي وعودا بدعم دول التحالف العربي لأبيها ولحزب الأمة القومي. هذا التحالف العربي الذي يدمر اليمن!!؟؟، ثم قبضت مريم دعما ماليا سخيا لحزبها.

ويضاف إلى “صفقة القرن” الخشية على تلك الإستثمارات الإماراتية المليارية بالدولار، والخلايا الإستخباراتية التي زرعتها دولة الإمارات في السودان. ولعب سفير اإمارات السابق عيسى عبدالله الباشا النعيمي، الذي مكث في السودان حوالي ثمان سنوات دورا خطيرا، حيث في فترته تم إعتقال موظف كبير بوزارة الخارجية متلبسا بالتجسس لصالح الإمارات، هذه الخبرية عن مصدر عالي وموثوق، والغريب أن هذا الموظف باشر عمله حتى المعاش دون محاكمة إدارية ولا حتى جنائية. ففي حفل وداع السفير الإماراتي في الخرطوم لنلحظ الخبر التالي بتاريخ 14/04/2009، إذ أقام الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس السوداني حفل استقبال على شرف السفير عيسى عبدالله الباشا النعيمي سفير الدولة لدى جمهورية السودان وعميد السلك الدبلوماسي العام بمناسبة انتهاء مهام عمله. حضر حفل الاستقبال مستشار الرئيس السوداني الدكتور غازي صلاح الدين وجمع من المسؤولين والسفراء المعتمدين لدى السودان. وأشاد الدكتور مصطفى عثمان في كلمة ألقاها خلال الحفل بالعلاقات بين البلدين وبما قام به السفير من مساهمات لدعم العلاقات في مختلف المجالات. كما أقام علي بن حسن الحمادي سفير دولة قطر حفل وداع للسفير نيابة عن السلك الدبلوماسي العام باعتباره العميد الجديد للسلك حيث أثنى فيه على الدور المتميز للسفير عيسى عبدالله الباشه النعيمي في إطار تعزيز وتنظيم العلاقات بين أركان المجتمع الدبلوماسي.

أما حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي فقد أقام حفل غداء على شرف السفير بحضور عدد من الرموز والشخصيات ورجال الاعمال. وأشادت مريم الصادق أمينة الدائرة السياسية بالحزب بالعلاقات بين البلدين وباهتمام القيادة الرشيدة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان واخيه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ودعمهما على الصعيد الإنساني والتنموي واحتضان الجالية السودانية في الدولة الإماراتية. وثمنت مريم الصادق الدور الذي قام به السفير في تعزيز العلاقات بين البلدين والصلات القوية التي استطاع السفير تكوينها مع معظم فئات المجتمع السوداني.

ولم ينس السفير الراحل النعيمي زيارة مصطفى سبدرات بمكتبه في وزير العدل وقتها.

ورغم فهمنا أن هكذا إحتفاليات هي جزء من البروتوكولات الدبلوماسية في كافة أنحاء العالم، لكن لا يغيب علينا في دولة مخترقة وهاملة مثل السودان في ظل لصوص الكيزان، مذا تعني هذه الصلات التي قد يكون خلفها صفقات خلف ظهر الشعب السوداني.

فإذا كانت مريم تصف زيارتها السرية للإمارات هي زيارة “لأهلها” - أي لشيوخ الإمارات، نذكرها أن بلوغها هذه المكانة كي تجلس مع السلك الدبلوماسي الأجنبي لا يعزى إلى أن والدها تنصب رئاسة الوزراء لأربع سنوات فقط، في الفترة من 25 يوليو 1966م- مايو 1967م، ثم الفترة من 1986- 1989م، وهذه بعمر الشعوب زمن متناهي الصغر، ولا لكون والدها يشبه في إنجازاته مهاتير محمد، بل يعزى لحراكه الإقليمي والدولي ممنيا كافة القوى الأجنبية أن يكون مزمارهم المفضل – عبر التزمير بألحانهم، وحرصه الشديد أن يتصرف مسرحيا الأبهة كرئيس وزراء سابق، دون إلتفاف لمطالب وطموحات الشعب السوداني التي دائما يخونها، على سبيل المثال لا الحصر تدميره لإتفاقية كوكادام وتماهيه مع إنقلاب حسن الترابي 1989م. لقد أدرك الصادق المهدي وقتها أن تحالف الإتحاديين والحركة الشعبية بقيادة الراحل جون قرنق تعني نهاية حزبه وحرمانه من رئاسة الوزراء للأبد، في اية إتخابات تقام، ولكن صهره حسن الترابي خدعه حين وضعه على كنبة الإحتياطي ثلاثون عاما. وها هو الصادق المهدي ولم تجف دماء الشهداء، يُورِّث أبناءه اللعب على الحبال الإقليمية، ويعني ذلك ما زال طبعه لا يتغير حين ينظر الصادق المهدي إلى لرئاسة الوزراء ... البقرة التي يجيد حلبها، وقوله لا يرغبها، كذب مباح.

إن تماهي المجلس العسكري للثالوث الخليجي والمصري ومن خلفهم الأمريكي والإسرائيلي، ستؤول إلى كارثة، إن لم يسلم السلطة السيادية للمدنيين، وبشكل خاص لقوة إعلان الحرية والتغيير على الخصوص. ومن السذاجة أن يصدق الشعب السوداني المنتفض الفرقعات الأمريكية الفشنك وجوب تسليم السلطة للمدنيين، يكفي النظرة إلى الضغط الأمريكي الذي تمارسه على لبنان حتى تفهم كيف يمهدون الطريق لـ “صفقة القرن”. وأيضا لا تنسى الضغط الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فالصفقة كما يرسم الأمريكيون لن تتم إلا بعد تعظيم الضغط على الدول والشعوب الممانعة والمستقلة التي ترفض “صفقة القرن”. وكذلك من الخطأ فهم الحصار الأمريكي على نظام السابق هو في صالح الشعب السوداني حصرا، فالحصار ما هو إلا رمية حجر لإصطياد عصفورين. وها هو البنك الدولي وصندوقه “الأمريكيان” يصرحان، لا قروض للسودان إلا بعد أن يدفع السودان ديونه السابقة!! تابع آخر لقاء مع المهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني، رأس رمح الإنتفاضة، وهو من أرشحه لرئاسة الوزراء … ماذا يقول في المجلس العسكري الإنتقالي.. وليس الإنتقالي العسكري!!

وتسربت محاولات إغتيال البرهان وتقدمه للإستقالة عدة مرات، فهل تصدق أم تكذب نفي المجلس العسكري ذلك؟؟ أنا شخصيا أصدق، فالرجل تبدو عليه علامات الصدق، والتعفف، والزهد في السلطة. بينما يحيط به عقارب الكيزان، الفسدة. فخذ فضيحة الذهب التي أبرزتها قوات الدعم السريع، بتوقيف طائرة الهيليكوبتر المؤجرة لصالح الشركة المغربية، وبغض النظر عن سلامة أوراقها من عدمه، فهي تكشف كامل العصابة المنخرطة في تهريب الذهب وبيعه لصالح جيوبهم وسلطتهم، وتمتد العصابة إلى موسكو والبنوك الروسية والسفارة السودانية بموسكو. كتب الصحفي الإستقصائي منعم سليمان التالي:

”عمر البشير، عوض الجاز، عبد الرحيم محمد حسين، الزبير محمد الحسن، الفريق محمد الحسن عبد الله مدير التصنيع الحربي، سراج الدين حامد وهو سفير سابق، [red] الفريق عيسي ادريس الملحق العسكري السابق بموسكو – وهو عضو اللجنة السياسية بالمجلس العسكري الحالي، والمشار له بالسهم في الصورة المرفقة[/red]، دكتور عبد الرحمن علي الحاج المشهور "عبد الرحمن حجار" ، مستشار بسفارة السودان بموسكو ومدير مكتب التصنيع الحربي بموسكو وبيلاروسيا، وهو الذي يدير هذه الأموال، وهو يملك الجواز الروسي وله أموال طائلة في بنوك العالم، كما له عدد من الشركات بروسيا، وله أيضاً شركة في أبوظبي، واشترى مؤخراً فيلا بـ (4) مليون دولار في العاصمة الروسية موسكو. وتستخدم هذه المبالغ في تمويل قروض من بنك امدرمان الوطني بفوائد معينة، وفي السنوات الأخيرة زادات هذه المبالغ بايداع شركة ام انفست М Invest نصيب السودان في مبيعات الذهب في المربع الذي تعمل به، حيث يعمل مالك الشركة الروسي "ايفجيني سليزن" بتنسيق كامل مع عبد الرحمن حجار. وأكدت المصادر ان هذه الأموال المهولة مصدرها مبالغ سابقة من البترول و مبالغ حديثة من الذهب، وأي من المذكورين أعلاه يمكنه إعطاء معلومات اكثر. يا ترى هل يتحرك المجلس العسكري أم يصمت ليداري سوءة عضوه الفاسد على حساب الشعب السوداني؟” .

في هذه الوثيقة ترى بعض الأسماء التي سيتم الحجز على أصولها، والحجز لا يعني المصادرة، بل تعني على كل مالك أن يثبت بالأوراق الصحيحة كيفية إقتنائها. لذا سارع الإرهابي الطيب مصطفى ببيع صحيفة الصيحة للإرهابي الآخر الصادق الرزيقي بيعة صورية في أوائل يناير 2019م، كي ينفد بجلده. كما يمكنك ملاحظة اسم الإرهابي إسحاق أحمد فضل الله، قرد الجنوب القبيح.

في ختام المقالة، نقول، إن على الشعب السوداني المنتفض أن يواصل صموده، بل عليه أن يزيد من إعتصامه في وحول ميدان القيادة، ويعد نفسه للإضراب السياسي العام. وألا يجرح كلا من البرهان وحميدتي، بل عليه أن يجرح مصداقية بقية أعضاء المجلس. وللأمانة لقد أتي إلى سمعي قبل سنوات قصة حول الفريق صلاح عبد الخالق. ففي فترة ما قبل نيفاشا، أي والقوات المسلحة تقاتل في جنوب السودان الحبيب، كانت ميزانية القوات المقاتلة حوالي خمس مليارات جنيه شهريا، وقت كان الجنيه ينطح الجنيه، وبالرغم من ذلك كان الجنود المقاتلون يشكون من نقص المواد الغذائية واللوجستيه الخ، فتم تعيين صلاح عبد الخالق قائدا أعلى للعمليات في الجنوب .. وفي فترة تعيينه كان مليار واحد يكفي تغذية الجنود غذاء سبعة نجوم، وأكثر.. فأنفضح قائد العمليات السابق وعصابته ووضح للعيان إنهم كانوا يلفحون أربعة مليارات جنيه في جيوبهم. تضرر منه اللصوص من قيادات العمليات في الجنوب، ورفعوا ضده إتهامات كيدية للص الكبير عمر حسن أحمد البشير… فتم إعفاء صلاح عبد الخالق!

ونقول قولنا هذا .. ليس لتجديد الثقة في المجلس العسكري، كلا. بل نقول على الشعب السوداني أن يزيد من “الضغط” على المجلس العسكري، لا تقولوا الإنتقالي فتشرعنوه، حيث يجب ألا تكون له السلطة السيادية أبدا، فلدى الإحساس القوي أن عبد الفتاح البرهان تم إستغلاله من قبل العسكريين الكيزان، وكان البرهان رافضا رئاسة المجلس بدون شرط أن يكون حميدتي نائبا له.. فهل يركز السودانيون ويتمعنون في هذا الشرط؟ الدولة العميقة ما زالت قائمة، وبل يقال أن الأجهزة الأمنية تتلقى تعليماتها من صلاح قوش وهو في منزله تحت ما يسمى الإعتقال التحفظي.

الحل: الضغط الضغط الجماهيري.. حتى ينفجر المجلس العسكري من داخله، وينكشف المستور .. فالصراع داخل المجلس بلغ ذروته!!