الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 9 تموز (يوليو) 2019

مع ق.ح.ت في وجه العقبات

محمد عتيق

قبول قوى الحرية والتغيير لمقترحات الوساطة الإثيوبية يعبر عن موقف سياسي مسؤول وتوجيه لدفة المعركة في الاتجاه الصحيح ، إذ بقدر ما في المقترح من استجابة لمطالبها ، في القبول الشجاع بها تبرئة للذمة أمام المجتمع الإقليمي والدولي (مهما كان رأينا فيه وتحليلنا له) وكسب لتعاطفه وتأكيد على جديتها .. ومن المعروف أن البدء عملياً في التنفيذ يتوقف على قبول المجلس العسكري بها وبمبدأ التحقيق الدولي المحايد لأحداث فض الاعتصام (٢٩ رمضان/٣ يونيو ٢٠١٩) ونتائجه وإعادة خدمات الإنترنت ... الي آخر المطلوبات ..

وبمجرد بدء الفترة ما قبل الفترة الانتقالية أن تعمل ق.ح.ت على ترسيخ مفهوم السلطة (الشرفية/الرمزية) لمجلس السيادة وممارسته عملياً بما يجعل كل السلطات التنفيذية في يد الحكومة المدنية ، في يدها .. وإذا نجحت في ذلك ، ولتتمكن من ممارسة سلطاتها التنفيذية ، ستجد نفسها أمام أوضاع شاذة بالغة التعقيد في المشهد السياسي الذي من أبرز سماته غياب القوات المسلحة بنيوياً وعملياً ، فقد عمل حكم البشير والإسلامويين على إضعافها باحالات واسعة لأكفأ رجالها إلى المعاش وإحلال الأتباع في صفوفها وإهمالها في التدريب والتأهيل ، وذلك لمصلحة تأسيس مليشياتهم الخاصة (دفاع شعبي ، كتائب ظل ، قوات أمن ...إلخ) ، ثم الغول الذي أطلقه المخلوع البشير ، مليشيات الجنجويد باسمها الجديد "قوات الدعم السريع" وأعلن دمجها مع القوات المسلحة ورغم ذلك محتفظة باستقلاليتها جيشاً موازياً بقانونه الخاص ومصادر تمويله الخاصة وتشعباته التنظيمية والمصلحية العابرة للحدود ، وقد وهب المخلوع لقياداتها وأفرادها الرتب العسكرية ، صبيان وشباب يحملون رتباً وسيطة وكبيرة ، وبالتدريج إلى قائدها حميدتي الذي كوفئ برتبة الفريق أول في مرتبة واحدة مع الصف الأول في قيادة الجيش فيصبح بعد الثورة (هو قائد الانحياز للشعب) نائباً لرئيس المجلس العسكري ، وعملياً ، صاحب السطوة والكلمة على المجلس ، ونجم الساحة بلا منازع ، يطوف الوحدات الحكومية مانحاً الأعطية (من أين ؟) للعاملين ، وعلي نجوع وأطراف البلاد يستقطب الشباب لقواته على أسس قبلية ويلتقي الحشود الشعبية المحتشدة له من نفس الوجوه التي كانت تحتشد للبشير وبنفس طريقته ووسائله ، يمنح الوعود ، يقرر في شأن البلاد ، ويطلق التصريحات المثيرة للجموع إلى أن وصل الآن مرحلة إعلان التراجع عن نقاط الاتفاق السابقة مع ق.ح.ت (مستغرباً من ثلثي أعضاء التشريعي وكل الحكومة لها) والتقرير بانه/م سيعمل/ون على تكوين حكومة تصريف أعمال لحين إجراء انتخابات عامة ..

الإجراء البديهي لمثل هذا الوضع هو دمج تلك القوات (الدعم السريع) دمجاً حقيقياً في القوات المسلحة وتسريح البعض إلى وظائف أخرى .. ولتأمين مثل هذه العملية وغيرها ، على ق.ح.ت أن تنطلق من أن المفهوم المتوارث بمنح الداخلية لضابط شرطة والدفاع لضابط من القوات المسلحة مفهوم لا معنى له ويعيق أداء الحكومة وسعيها لتحقيق الأهداف الانتقالية ، وبالتالي عليها أن تعيد المفهوم الصحيح لمنصب الوزير بأنه منصب سياسي أولاً وأخيراً ، وفي حالة الدفاع والشرطة والأمن أنه يعني خضوع تلك الوزارات والأجهزة لمجلس الوزراء وقراراته ..
هنا نعيد على قحت مقترحاً سابقاً (قد لا يكون غائباً عنها) بأن يؤسس كل وزير مجلساً استشارياً له (فريق عمل) من الكفاءات العلمية والوطنية في المجال المعين ، (متطوعين) يجتمعون به بانتظام سواءاً بالحضور الجسدي الفيزيائي أو عبر وسائط الشبكة العنكبوتية .. ورغم أهمية كل الوزارات ودورها في اعادة تأسيس الدولة وأجهزتها نؤكد (كما تعلم ق.ح.ت) على أجهزة الدفاع والأمن والحقوق ؛ هنالك اعداد كبيرة من ذوي الخبرة والكفاءة والروح الوطنية العالية والاستعداد للعطاء من الذين أحالهم الإسلامويون الي المعاش في مجالات القوات المسلحة والشرطة والقضاء ..إلخ (الدفاع ، الداخلية ، القضاء والنائب العام) ، أن يتم تكوين مجلس من هؤلاء الخبراء الوطنيين في كل مجال من هذه المجالات يكون معنياً بوضع الخطط اللازمة لإعادة بناء المجال المعين وتسمية المسؤول فيه والقائد والرئيس ومجالسهم ..

وإذا كنا معنيين هنا بتأمين أداء ق.ح.ت لواجباتها الانتقالية ، فإن (مما لا يغيب عنها) ضرورة الاحتفاظ بجذوة الثورة متقدةً في القلوب وفي الأفئدة ، أن تكون على إتصال يومي بالجماهير تقريراً واستماعاً ، شحذاً وتنويراً بالمخاطر ، واحياءاً مستمراً لروح المقاومة واتصال العطاء ، وفي ذلك مجال واسع للسمو والإبداع والشموخ بالوطن تعرفه كوادرها وقواعدها ..