الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأربعاء 21 آب (أغسطس) 2019

النخبة السودانية او قصة طالب الكثرة

بقلم : مصطفى بنياب

يحتم علينا المنهج والتاريخ التساؤل و التأمل و النظر صوب المصالح الاقتصادية في ظل التغيير السياسي الحالي، او بشكل محدد النخبة السودانية و مصالحها الاقتصادية هذا قبل كل شئ وبعده يمكننا التشاؤم او التفاؤل بمستقبل التغيير.

ولماذا نتجاهل هذه القضية؟ على الرغم من انها واضحة ويمكننا فهم المواقف السياسية لهذه النخبة بتعددها الفكري و العرقي و الجهوي اذا استعرضنا مصالحها الاقتصادية الخفية و المعلنة، التي تكون مترابطة المصالح حتى في أقصى حالات الاستقطاب بين فرقاء السياسة في السودان.

_والحق أنني لا أريد أن أثقل عليك أيها القارئ بذكر الاسماء و الحالات و الحوادث التي جرت على مرأى و مسمع من الجميع؛ الذي أصبح معلوم لدى الأطفال قبل الكبار أن السياسة في السودان عمل يجلب الرزق الوفير و لا يستعجب منها الانتهازية و الفساد و المواقف يمكن بيعها و تبني نقيضها و أن الرجل منا يزايد و يهجو و يشتط ثم يصفو و يتمثل في ثوب الحكيم عند أقرب محاصصة ثم يذهب في نوم عميق حتى تنقضي المصلحة وهذا لعمري تطابق عجيب مع ما قرأناه من تراث البشرية و الأمم في لحظات الضعف و انقلاب القيم (في كل ماذنة حاوي و مغتصب يدعو لاندلس أن حصرت حلب ) محمود درويش لكن ما يحار له عقلي و أتعجب له في وجم و ذهول تطابق حالنا مع ما صور لنا محمود المسعدي في ملحمة أبي هريرة النفس البشرية بل العقل الجمعي و الشعوب وهي في اضنى ضنى عن الحقيقة والعبقرية ؛ حديث العدد عن كهلان لما وجد ابى ابوهريرة مع أصحاب الكلب فحكى له قصة اعجب ما تكون القصص.

وأنظر الى القبيلة كيف تبحث عن مصالحها التي قد توقعها في تناقضات التحولات السياسية حيث لم يعد الفكر القومي و الارتباط الوطني القومي شي مغري، لا ريب ان الشعوب السودانية متصلة بالدم و الثقافة و التجارة بالجوار كل حسب تموضعه و القبائل المشتركة على كافة الحدود مع الجيران ، أما ظاهرة الارتزاق و القابلية للارتزاق وهو شي حديث الظهور في الدولة الوطنية السودانية بعد الاستعمار ليست على شكل واحد مثل الملشيات الحكومية و المعارضة التي تعمل خارج الشؤون السودانية في السنوات الاخيرة ( جنوب السودان . افريقيا الوسطى . ليبيا . اليمن )اكثر من القضايا التي تبرر بها هذه الملشيات حملها للسلاح من قضايا التهميش التاريخي و اعادة بناء السودان على اسس المساواة و الاعتراف و المشاركة للجميع .

أما النخبة السياسية المدنية الحديثة شديدة الارتباط بانظمة خارجية وتفكر بمنطق اكثر خطورة من المليشيات على الاقل ان الملشيات ترتزق من المشاركة في صراعات خارجية حصرا اما النخبة المدنية الحديثة ليس لديها ما تفعله في الخارج هي مدفوعة بالحرص على مصالها التاريخية و الانية ولا تتوانى في التعاون مع من يعزز لها هذه المصالح و المكاسب حتى انشقاق المؤتمر الشعبي من قوى الاجماع كان عقب احداث فض اعتصام انصار الرئيس المصري المعزول محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية وشهدنا ذلك الوقت المساجلات بين تصريحات ادانة للنظام المصري او تصريحات تأييد انتهى المطاف الى انشقاق المؤتمر الشعبي من المعارضة بعد انتفاضة سبتمبر.

افرز الربيع العربي متخيل سياسي و قيمي جديد ان هنالك اصطفاف علماني و اخر اسلامي لكل معسكر عواصمه و مؤسساته و اعلامه انعكس هذا الامر في مبررات النخبة المدنية من الموالاة والبراء لكن الالتباس و التشتت بين المصالح و آدبي الموائد جعل المشهد هزيلا و رخيصاً لم تكن الحكومة السودانية الا احد الواردين من معين المحمدين رغم انها تستند الى ارث الحركة الاسلامية التي يجاهرونها العداء اصحاب هذه المائدة و مصر التي سحقت الجماعة الاخوانية وبنت علاقة متينة مع السعودية و الامارات وشاركتهم الموقف من الدوحة و النخبة المدنية ترى في قطر و تركيا حاضنة للاخوان المسلمين ليس فقط باحتضانهما لقيادة الحركات الاسلامية العربية بل حتى المشاريع الثقافية و الاعلامية و البحثية الممولة من هذا المحور جراء ذلك مالت الى المحور الآخر ،بالطبع التعميم دائما مخل لكن طبيعة الصراع في السودان ترجح كفة من له ارتباط خارجي وفي الحلقة الاخيرة من عمر النظام السابق حدث ان الارتباطات الخارجية تعقدت و تناقضت مما ادى الى التشظي في المشهد السياسي داخل السودان واصبحت انظمة بعينها هي مؤثرة على الجميع حكومة و معارضة و حملة سلاح كل ذلك في وقت وجيز جدا رغم افتقار هذه الانظمة للقدارت الفنية او المعلومات او المشروع الواضح المراد تحقيقه في السودان بشكل مجمل.

هذه النظرة مزعجة بالطبع للجميع (النخبة و رجل الشارع العادي) لانك بهذه النظرة تضع الجماهير في حيرة كبيرة هذه الجماهير التي لا تجد من يلبي تطلعاتها او على الاقل يتبنى مطالبها في تحسن الوضع الاقتصادي بالنسبة ل70% من السكان هي النسبة الغالبة من اهل السودان فقراء او تحت خط الفقر وغير منتمون سياسياً ومعلوماتهم شحيحة عن جوهر الصراع على السلطة كيف لا و منظمات الاغاثة هذا العام تحدد ما نسبته 8 مليون سوداني في حاجة لمعونة الغذاء و الدواء و الايواء و الكساء.

كان العام 2005 لحظة مواتية لانتظام المصالح الاقتصادية و السياسية للنخبة و كانت اتفاقية نيفاشا فردوسا متجري لها لم يعد الحكم أحادي للاسلاميين الفاسدين وحدهم اتصلت مصالح و أبرمت صفقات في البنية التحتية و مشاريع المنظمات و الصناديق الاجنبية و كل جلب تمويله حسب فنه و شهدت البلاد كثافة في الواجهات ربحية و غير ربحية ولكم في سفر منصور خالد التفاصيل الدقيقة في قصة الفترة الانتقالية و لكم في أرشيف الأخبار هدى لمن أراد النظر حتى قانون الأمن خضع للتصويت تحت سقف البرلمان و الخرطوم حينها محتشدة باسماء الزعماء و الأبطال يملؤون صفحات الصحف و نشرات الأخبار و المجالس دسمة الموائد و الثورة متفجرة في دارفور و الأرواح صاعدة إلى ربها كأنها ماء تبخر و النخبة صامتة او في فيها ماء عذب بارد منشغلة كل فيها يومئذ الا كذئب ينهش ذئب او صاديا يشرب فيشتد صداه ولا خير في الوحوش ولا خير في النفوس الصوادي كان الأمر لا يعنيها ،

، حتى أتى انفصال الجنوب وقلنا لهم في أسى رحيلكم فرار الجبان الا تستحون ان تكونوا كالرياح . ثم نظرنا فاذا هم في سنة شديدة متخاذلون متاكلون وعلى ذلك يصلون و يدعون الاستسقاء وربهم ، وحينها الربيع العربي ازهر من حولنا او هكذا خيل لنا شعرت النخبة و النظام يقودها بقرب طامة اقتصادية بعد انقطاع النفط و النظام في ضيق من أمره محاصر دوليا ورئيسه يقوم و يقعد بصولجانه كمن يتخبطه الشيطان من المس حينها تضافرت جهود النخبة لتبرئة نفسها من كل شر تتبرأ من خيبة أمل الفترة الانتقالية و من خيبتها في الانتخابات و نفس اللحظة تظهر براءتها من العمل المسلح التي تبنته او صادقت عليه في قوى التجمع و تلك قصة أخرى من قصص الخبث و الفشل العتيد بعد نيفاشا تغير كل شيء الحق و الباطل و اتعظوا من تجربة أن يشركوا المسلحين في صفقاتهم لأن النصيب العتيد يأتي بقوة السلاح دعهم يحاربوا و نحن نحدد ما يجب و ما يكون ؛ قضي الأمر و تحددت الوجهة بأمر من غريزة السلطة و المصلحة الاقتصادية اتت انتخابات 2015 و معارضة النخبة معزولة من الجماهير بعد أن أدت دورها في إفشال انتفاضة سبتمبر وهي يومئذ عاجزة كعادتها لترجمة الفعل الاحتجاجي للجماهير إلى حقائق سياسية يعود على الشعب بالسلام الشامل و العدل و المشاركة الحرة للجميع الفقير المحتاج قبل الفني المستغني و أصبح النظام أكثر قوة ضد حملة السلاح و الأحزاب مشتتة و مهجورة من عضويتها.

يأتي التغيير السياسي الحالي كخاتمة هزيلة لكفاح النخبة نحو مصالحها فهي قد عرت حملة السلاح عبر السوشيال ميديا و قصفت الفصائل الاسلامية المعارضة في منازلها و قاعتها و أوقعت الحزب الشيوعي في حفرة سعت نخبة منه في حفرها و يبدو كحزب عجوز متحلل محل سخرية الصغار او في ملمح آخر حزب شيوعي في فصال عن الطبقة العاملة و الفقيرة التي تمثل غالب أهل السودان . وتمضى مسيرة النخبة اليوم في نسخة فترة انتقالية محسنة و محصنة شذبت وقصت كل ما انقص كسبها المادي من فترات الانتقال السابقات بذات غرور بعد الاستقلال و بعد اكتوبر و ابريل الاولى تسعر خدها للجميع وتقول لمن ينتقدها حتى من كان شريك النضال بالامس هاته الارض نحن خلقناها وهاته السماء نحن نصبنا عمادها فأقمناها فهل ملكتم من خيرها شيئا..؟ و تخاطبنا افاعيلها ضمنيا ليس لكم الا جزلة من رغيف و لعبة تلهيكم كالصبيان _ مدنيااااو_ . بينما تعضد النخبة القبضة.

ها قد تواثقت روابط امراء الحرب و الراسماليين و سياسي النخبة وهي اليوم في تواثق لم يسبق له مثيل في تاريخ السودان ووجدتُ في فعلهم كمثل سكرة الخمر و حسبته من العدد وخِصب الكثرة ، اذا نشب بينهم تشاكس و مجابدة ركنوا في بيت تحت غصن لأحد راسماليي الخرطوم او تحت عرش ملك ما فسياستهم الخارجية واحدة وحلفاءهم نفسهم عسكريين و مدنيين ألا هو الخسران المبين ألا لعنة الله على الزائفين.