الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 31 آب (أغسطس) 2019

من أين نبدأ الاصلاح الاقتصادي؟ (2)

د. صدقي كبلو

الاصلاح الزراعي

كلنا متفقون أن الزراعة هي العمود الفقري للاقتصاد السوداني، لذا لابد من اجراءات للاصلاح الزراعي تشمل الاربعة قطاعات المهمة: المروي، المطري شبه الآلي والمطري لصغار المزارعين وقطاع الثروة الحيوانية، وهذه الاجراءات الاصلاحية تعتمد قضايا علاقات الانتاج بما في ذلك قضايا الأرض والادارة والعقود والعمالة وقضايا التمويل المباشر من الدولة والمصرفي والتعاقدي والقضايا التقنية التي تتعلق بالري والبحوث الزراعية وتقنيات الزراعة الحديثة والارشاد الزراعي والارشاد البيطري والتطعيم والتسمين والاعداد للاستهلاك المحلي وللتصدير.

وجميع هذه القضايا لاينفع فيها القرارات الفوقية بل يجب أن ترتكز على اتفاق واضح بين الحكومة الانتقالية وممثلي المزارعين والادارات والكوادر المهنية والفنية المختصة ووزارات الزراعة والري والصناعة والتجارة والمالية والبنك المركزي.

الزراعة المروية

تنقسم الزراعة المروية لأربعة قطاعات فرعية: الري من النيل والأنهار، سواء ريا انسيابيا أوري بالطلمبات وهذان قطاعان فرعيان لهما قضاياهم المختلفة والري بالفيضان ومن الخيران ومن حصاد المياه والري من المياه الجوفية والاختلاف في نظم الري يشكل اساسا لاختلافات في نظم الادارة وعلاقات الانتاج واقتصاديات الانتاج خاصة من خلال تكلفة وتحديد مواعيد العمليات الزراعية ونوعها. والقضية الأساسية هي كيفية تحسين سبل الري باصلاح النظم الموجودة وبادخال نظم جديدة كالري المحوري والري بالتنقيط وادخال الطاقة الشمسية كمصدر لادارة الطلمبات والمحاور بدلا عن الجازولين والشبكة القومية للكهرباء لتقليل التكلفة الاقتصادية وزيادة كفاءة الري ولا بد أن يلعب المهنيين والفنيين في مجال الري والزراعة والطاقة الشمسية دورا مقدما في هذه النقلة.

هناك أشكال مختلفة لتنظيم الزراعة المروية وفقا لعلاقات الانتاج ولكن هذا لايمكن فرضه على المنتجين من موارعين وعمال زراعيين وهي تتراوح بين ملكية الدولة، الشراكة، التعاقد او المزارعة، التعاون، الزراعة الرأسمالية الخاصة وغيرها من الأشكال. وتبدو هذه المسألة مهمة بشكل خاص في مشاريع الري الكبيرة كالجزيرة والرهد والسوكي وحلفا الجديدة والنيلين الأبيض والأزرق وبعض مشاريع الشمالية. الشكل المناسب الذي يرضاه المزارعون والمنتجون هو الذي سيزيد الانتاج والانتاجية وتنظيم هذه الشاريع يتأثر بشكل مباشر بشكل ملكية وحيازة الارض فالأرض المملوكة ملكية عامة للدولة يحق للدولة أن تقرر كيف استثمارها: بالعمل المباشر، بالايجار، بالشراكة أو أي شكل من أشكال التعاقد ولكن في كل ذلك تتعلق العلاقة بمن يسيطر على الري وينظمه ويديره وتتعلق بالتمويل وبتوفير المدخلات وبتوفير الآليات الزراعية للقيام بالعمليات الزراعية الأساسية وإذا ما كان شكل المشاريع يسمح بتنظيم يستفيد من اقتصاد الوحدات الكبيرة خاصة في استعمال الاليات في الحراثة والبذروالرش ومحاربة الحشائش والحصاد. إن تنظيم الزراعة المروية تعبر عن علاقات اجتماعية وتقنية واقتصادية ولذا فهي مسألة معقدة ولكن من المهم حلها خلال الفترة الانتقالية حيث السلطة قومية وحيث التأسيس للديمقراطية حيث يمكن ذلك تسوية المسائل على أسس ديمقراطية وعلى اساس توافق يكون للمنتجين دور أكبر فيه.

إن مسألة ملكية وحيازة الأراضي تشكل مسألة جوهرية في الري بالفيضان والخيران وحصاد المياه، وهناك حقوق تاريخية للسكان المحليين يجب مراعاتها ومساعدة السكان المحليين بالتمويل والارشاد الزراعي وبتطوير مسائل الري من حصاد للمياه والتحكم في الفيضانات وصيانة مجاري الوديان والخيران وتطوير البحوث الزراعية للوصول لحزم تقنية ترفع الانتاج والانتاجية، وقد يكون من المفيد النظر في تجميع المزارعين الصغار في جمعيات تعاونية قد تمتد من ادارة التمويل والعمليات الانتاجية وحتى التسويق وقد تختص بقضية من تلك القضايا والأساس للوصول للشكل الملائم يستند على الارادة الشعبية وعلى ترسيخ وتطوير سبل كسب العيش المستدامة وصيانة الموارد الطبيعية وتمكين المجتمعات المحلية لمواجهة كافة عناصر الخطر والتقلبات الطبيعية.

إن قضية الزراعة باستخدام المياه الجوفية تحتاج لوقفة لتقييمها وخاصة فيما يتعلق بتخصيص الأراضي لمستثمرين ودول أجنبية، خاصة فيما يتعلق بجدوى الاستثمار اقتصاديا من منظور وطني: هل يصح أن نستهلك المخزون الجوفي للمياه لمصلحة أجنبية دون أن يعود ذلك بعائد ملموس على الاقتصاد الوطني؟ وما هو حجم المخزون الجوفي للمياه وما هي الطرق المثلى لاستغلاله؟ هذه مسائل تحتاج لدراسة تفصيلية ولكن ينبغي في تحت كل الظروف اعطاء الأولوية في الاستثمار للمجتمعات المحلية ولقطاع الدولة وللرأسمالية السودانية. الاستثمار الأجنبي في الزراعة حتى الآن مردوده سلبي للاقتصاد الوطني مهما كان مربحا للمستثمرين الأجانب.

إن القضايا المتعلقة بعلاقات الانتاج وتنظيم المشاريع الزراعية المروية تبدأ بإصلاحات قانونية وادارية:
1- الغاء قانون الجزيرة ل 2005 والعودة لقانون 1984 بشكل مؤقت حتى يجرى الحوار بين المنتجين والدولة والفنيين.
2- يتطلب الحوار وجود اجسام ديمقراطية تمثل المزارعين مما يعني الغاء قانون 2011 لتنظيمات المنتجين والعودة للقوانين التي تسمح بتكوين اتحادات المزارعين
3- حل مجالس ادارات المؤسسات الزراعية وتكوين مجالس ادارات جديدة من أكفاء وممثلين للمنتجين والعاملين بالمشاريع.
4- تكوين لجان تحقيق حول التخريب بالقطاع الزراعي المروي خاصة مشروع الجزيرة ونهب الممتلكات العامة والاصول وتقديم المتهمين لمحاكمات عادلة
5- تكوين اجسام للحوار (لجان مشتركة بين المزارعين والدولة) بهدف وضع الأسس لعلاقات انتاج عادلة تسهم في تطوير الانتاج.
الحكومة الانتقالية مطالبة بأن تتخد قرارات فورية حول قضايا التمويل والري والاسعار ومدخلات الانتاج والارشاد الزراعي والبحوث الزراعية وانتاج البذور المحسنة. ففي مجال التمويل وحتى تحسم قضايا علاقات الانتاج في المستقبل، لا بد من التأكد من توفير خيارات تمويلية متعددة لا تضع الموارع موضع المجبر على قبول هذه الصيغة أو تلك أو هذا السعر للمدخلات من سماد وكيماويات، مما يتطلب وجود التمويل المناسب من الدولة ومؤسساتها (البنك المركزي عبر وزارة المالية وادارة الشروع).

وهناك بعض الاجراءات التي لن تظهر نتائجها فورا في الموسم الزراعي ولكن ينبغي اتخاذ القرارات حولها مثل اصلاح نظم الري وصيانتها وتطويرها ووضع خطة زمنية محددة لتنفيذها ولعل من اهم القرارات في هذا المجال ايلولة تنظيم وادارة وصيانة الري وتطويره لوزارة الري ومؤسساتها المختصة والتي يجب أن تبث فيها الحياة بتأهيلها وتحسين اداراتها.
وهذا صحيح فيما يتعلق بالبحوث الزراعية على مستوى المركز وعلى مستوى كل مشروع لوحده وتطوير البحوث الزراعية يفتح المجال لتطوير ادارات اكثار البذور وتوفير البذور المطورة محليا وبأسعار معقولة للمزارعين.

القطاع المطري

ينقسم هذا القطاع لقطاع مطري شبه آلي وتسيطر عليه الرأسمالية الزراعية المحلية والأجنبية وهو يمتد عبر السهل الطيني الأوسط من القضارف وحتى الجنينة (أم سيننات وسمسم، واقدي والدمازين، والمقينص وهبيلا وأم عجاح وهبيلا الثانية) إلى جانب مشروع جبال النوبة الزراعي ومشروع جنوب السافنا واللذين رفعت الدول يدها عن تمويلهم وادارتهم.
لقد كان لحل مؤسسة الزراعة الالية أثرا واضحا في تفاقم مشاكل هذا القطاع فالمؤسسة كانت تعتبر المظلة التمويلية والفنية التي تطورت تحتها الزراعة الآلية فهي منسق التمويل الأجنبي والمحلي (مع البنك الزراعي) والضامن لجودة الاليات الزراعية وتوفرها عبر البيع بالتقسيط وصيانتها في ورش المؤسسة وتوفير المدخلات الأخرى مع سلطات الدولة والبنك الزراعي وكانت تعتبر المرشد الزراعي لهذا القطاع. وكل ذلك يتطلب العودة الفورية لمؤسسة الزراعة الالية.

وكانت البحوث الزراعية واكثار البذور تلعبان دورا كبيرا في تطوير البذور والتقانات لهذا القطاع وكانت الزراعة المطرية لصغار المزارعين تستفيد من نتائج البحوث خاصة في تطوير زراعة انواع الذرة المختلفة. إن مشاريع جبال النوبة الزراعية وجنوب السافنا كانت في جوهرها منذ السبعينات هي مشاريع لتحديث الزراعة التقليدية عبر ادخال وسائل انتاج جديدة وتقانات جديدة وقد تعثر المشروعان بإهمال الحكومة تحت نظام الاسلام السياسي للرأسمالية الطفيلية ولنشوب الحرب في مناطق المشروعين، خاصة مشروع جبال النوبة ورغم اتخاذ قرار قبل خامين من والي جنوب كردفان الأسبق بإعادة المؤسسة إلا أن الأمر يحتاج لعزم وتمويل وتوجه سياسي ضد التنمية غير المتوازنة.

إن القطاع المطري المسمى تقليدي ما زال هو القطاع الأكبر من ناحية تشغيل السكان ويسهم في انتاج الذرة والدخن والحبوب الزيتية والكركدي والصمغ، ولكنه يعاني من مشاكل ضخمة أهمها الزحف الصحراوي وتعدد مواسم الجفاف التي تقل فيها الامطار عن المتوسط، وهذا يضع مسألة الاصلاح البيئي واعادة تعمير الغطاء الغابي والنباتي في مقدمة أجندة الحفاظ على وتطوير هذا القطاع. كما يتطلب ايضا الاهتمام السريع بالبحوث الزراعية واكثار البذور لتجديد البذور المستعملة في الزراعة خاصة في الحبوب الزيتية وتطوير انواع من البذور تقاوم الجفاف وتحسن نوعية المنتج. وستظهر نتائج مثل هذه الاصلاحات على المدى المتوسط والطويل.

ولكن ما يحتاجه المزارع الصغير في القطاع المطري هو التمويل وتعديل أنظمته وأن يرتبط بالحكومات المحلية والجمعيات التعاونية بالتعاون مع البنك الزراعي ومنظمات التمويل الصغير ويرتبط ذلك بإصلاح نظم التسويق (ربما العودة لشكل من اشكال شركة الحبوب الزيتية أو اتحاد تعاوني يجمع صغار المزارعين) وذلك اعتماد على تجارب معاناة المزارعين من اتفاق تجار المحاصيل ومحدودية دور البنك الزراعي في الشراء. أنه بدون اصلاح أدوات التسويق يصبح الاعلان الموسمي عن الاسعار التشجيعية لا معنى له.

إن إعادة تعمير حزام الصمغ العربي أمر هام للغاية لأسباب اقتصادية مباشرة حول زيادة الانتاج من الصمغ العربي وبالتالي زيادة صادراته وتأثير ذلك على الميزان التجاري، أما السبب الثاني فهو بيئي حيث يشكل حزام الصمغ العربي أحد اهم مصدات الرياح ووقف الزحف الصحراوي. إن هذا يتطلب وجود قسم متخصص في مصلحة الغابات يكون عملها المباشر هو التخطيط والتنسيق وتنفيذ اعادة تعمير حزام الصمغ العربي.

الثروة الحيوانية

يظل قطاع الثروة الحيوانية يواجه خمس قضايا مهمة لنقله من قطاع تقليدي لقطاع اقتصادي حديث:
القضية الأساسية هي قضية غذاء وتسمين الحيوان وهل تعتمد على المرعى الطبيعي الذي تقطع الوحدة الحيوانية الأميال للحصول عليه أم يتم النقل تدريجيا لمزارع التسمين وتوفير العلف الزراعي والصناعي. وهذه ليست قضية تقنية فقط بل هي قضية اجتماعية اقتصادية معقدة ولذا ينبغي أن نبأ بتشجيع القطاع الحديث في الانتاج الجيواني واعطائه امتيازات تشجعه على ولوج هذا المجال مثل الأراضي لإنتاج العلف الزراعي والاعفاءات الضريبية الضرورية وتسهيل توفير الطاقة (الشمسية) لتحفيز استعمال المياه الجوفية لتطوير قطاع محلي للإنتاج الحيواني الحديث.

أما القضية الثانية فهي قضية صحة الحيوان، خاصة أننا كنا قد حققنا منذ منتصف السبعينات خلو السودان من بعض أمراض الحيوان كالطاعون البقري؛ ولكن تدهور الخدمات الطبية البيطرية وعدم الاهتمام بصحة الحيوان جعلنا متهمين من عدد من الدول المستوردة بوجود أمراض. لا بديل أمامنا سوى تطوير الخدمات البيطرية والعودة لنظم التطعيم والتحصين والاستفادة من التطور الذي حدث في العالم. هذا يعني العودة لتعمير وتطوير المعامل والبحوث البيطرية واقامة فروع متخصصة لها بالأقاليم المنتجة. وهذا ايضا يتطلب استيعاب خريجي كليات البيطرة والانتاج الجيواني وتدريبهم بالقيام بواجباتهم في البحوث وصيانة الثروة الحيوانية.

القضية الثالثة هي قضية النقل وهذا يتطلب اعادة مشروع طريق الماشية وتأهيل السكك لنقل الماشية وتطوير النقل يساهم في تحسين نوع اللحوم الواردة للمدن وللصادر.

القضية الرابعة هي تطوير تصنيع منتجات الثروة الحيوانية من منتجات الأبان وحتى منتجات اللحوم والجلود وهذا يرفع القيمة المضافة للثروة الحيوانية ومنتجاتها ويزيد العائد منها من النقد الأجنبي كما توفر نقد أجنبي بخلق بدائل واردات مثل منتجات الأ لبان والجلود وغيرها،
القضية الخامسة هي قضية التسويق والتصدير والتي تحتاج للتطوير معتمدة على حل القضايا الأربعة أعلاه وعلى تطوير التصدير من الحيوانات الحية للمنتجات الحيوانية من منتجات البان ولحوم.