الصفحة الأساسية | الأخبار    الأربعاء 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2019

الخرطوم.. وجبات الشوارع تحكي انعكاسات اقتصاد مترد

بائعات الشاي والاكل في شوراع الخرطوم (صورة الفرنسية)

الخرطوم 9 أكتوبر 2019- كل شيء قد يتبدى واضحا من خلال ما تعكسه وجبات الشّوارع في العاصمة الخرطوم. وحتى الآن هي الأقدر على وصف الحالة الأولية للاقتصاد المنهار الذي ينتظر النهوض بواسطة الحكومة الانتقالية التي يرأسها الاقتصادي عبد الله حمدوك.

فبالنسبة لوجبات الشّوارع الأكثر رواجًا وسط العاصمة، فإنَّها تبدو موغلة في الشّعبية، وتقليدية، وتخلو صناعتها من أي إبداع وجاذبيَّة مقنعة، مقارنة بمثيلاتها من الوجبات في العواصم التّي تحظى باقتصاديات معقولة الازدهار. لكنها، قبل كل شيء، هي جزء من الخيال والموروث الشعبي واجب الاحترام. كما تقول خبيرة الأغذية، الطبيبة هديل السر التي تحدث لسودان تربيون بالخصوص.

وفي وسط المدينة، حتى في المواقع القريبة من مؤسسات صنع القرار السياسي، يقدِّم المئات من الباعة الجائلين، من الرّجال والنساء، أطعمة ومأكولات سريعة متواضعة، قوامها (شرائح التبش معطونة في الشطة الحمراء السائلة، وكذلك شرائح المانجو بالشّطة السائلة، وبليلة العدس الحمراء، والباكمبا المصنوعة من الدّخن، والزلابيّة المقدمة مع شاي اللبن، إلى جانب نبتة الموليتة "الهندباء" المرة) باعتبارها الوجبات الأسرع وأقل كلفة.

وتزاحم هذه الوجبات، إلى حد كبير، الوجبات الشّعبية، مثل (كسرة الذرة بالملاح) الأكثر شعبية وشيوعا في المطبخ السوداني، وقد أخذت الأخيرة في التراجع بوتيرة عالية منذ سنوات، نظرا لكلفتها العالية.

ولا تعترف الحكومة، قبل سقوط البشير، بوجود هؤلاء الباعة، لكونهم غير معرفين في نظامها الضريبي، وتواجههم بحملات مطاردة تمنعهم من العمل، إلا أن الأوضاع استتبت لهم منذ بدء الاحتجاجات ضد البشير في ديسمبر الماضي.

ومنذ سنوات يواجه السودانيون تحديات معيشية صعبة تتعلق بندرة وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية اليومية، حيث تسجل سلع مثل القمح والمحروقات والكهرباء والدواء والمستلزمات الطبية والسكر والنقل ندرة وانخفاضا مطردا.

وظل الانخفاض مستمرا منذ عهد الرئيس المعزول عمر البشير. وكاد أن يكون عنوانا للثورة التي اندلعت في ديسمبر ٢٠١٩ بسبب الخبز.

ولا تتوفر أي بيانات محدثة حول الفقر في السودان، لكن حكومة البشير أعلنت في ٢٠١٧ أن نسبة الفقر في البلاد تبلغ 36.1 بالمائة.

وتقول الاختصاصية هديل السر إن نسبة التقزم باتت عالية وسط الأطفال السودانيين، وأنها ملاحظة حتى بالنسبة للأطفال في المدارس بوسط الخرطوم، وتؤكد أن السبب فيها يعود إلى سوء التغذية الناتج عن الفقر.

وفي وقت مبكّر من عمرها تواجه حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بتضخم عال بلغ في يونيو الماضي أكثر من ٤٧٪‏ إلى جانب انهيار شبه تام للنظام المصرفي.

وقال حمدوك في مقابلة تلفزيونية، الشهر الماضي، إن حكومته بحاجة إلى (٨) مليارات دولار لتغطية الواردات وللمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد.

وقال خبراء أعدوا خطة إسعافيه للفترة الانتقالية، سلمت إلى قوى الحرية والتغيير في يونيو الماضي، إن الاقتصاد الموروث من حكومة عمر البشير "ليس لديه قاعدة إنتاجية قوية، ما يتطلب عملية جراحية حادة ومؤلمة.

ومن جانبه قال الخبير الاقتصادي سليمان حامد إن حكومة حمدوك مطالبة سريعا بإزالة دولة عمر البشير (العميقة) المتمثّلة في قوانين وأشخاص وممارسات موروثة، واشترط أن تبدأ ذلك بإيقاف العمل بموازنة ٢٠١٩ التي أجازها النظام السابق وإصدار ميزانية موقتة.

وفي كل الأحوال، تجد وجبات الشوارع في الخرطوم زبائن كثر رغم تواضع مكوناتها؛ لأنها استثمار في سد الجوع اللحظي، أكثر من كونها وجبات ترفيهيّة، وقالت العاملة في هذا المجال، سعدية الهادي لسودان تربيون إنها تكسب الزبائن كلما ارتفعت أسعار المأكولات في المطاعم ذات الطابع المديني الحديث. فيما تقول الطبية هديل السر إنه "ليست للوجبات مشكلة صحية من ناحية مصادرها، لكن من المؤسف أنها عرضة للتلوث، وأن الناس يتعاملون معها باعتبارها وجبة كاملة، وهي ليست كذلك".

وفي غضون السنوات العشرين الماضية، بات من الصعب أن يتمتع الأشخاص في الخرطوم بتناول وجباتهم كاملة، وقالت هديل السر إن أطباء الصحة سيطلبون أشياء أشبه بالمستحيلة لو أنهم حثوا الناس على تناول السلطات الخضراء، وأضافت: "أصبح تناول السلطات الخضراء ثقافة تخص طبقة معينة في مجتمع الخرطوم".

في العام ٢٠١١، فاز القاص السوداني أحمد أبو حازم بجائزة مالية مقدارها 8 آلاف دولار عن واحدة من مجموعاته القصصية، وفكر سريعا في مضاعفة ثروته التي أصابها؛ وافتتح مطعمًا لبيع المأكولات الشعبية في حي طرفي من الخرطوم، متتبعا موجة الاستثمار في المطاعم التي انتظمت البلاد، لكنه سرعان ما وقع فريسة للصدمة والذهول.

يقول أبو حازم إن كل ما كان يعتقد أنه خيالي محض حول رداءة الطعام، وجده واقعيا في أطراف المدينة، ويضيف: "ما رأيته، لا يعدو كونه مراوغة للجوع المصطخب في البطون الخاوية.. لقد وجدت الناس يأكلون الدجاج النافق"..

ثم أغلق أبو حازم مطعمه ومضى..