الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 11 كانون الثاني (يناير) 2020

أوقفوا نزيف دارفور

separation
increase
decrease
separation
separation

سليمان بلدو

الموت واليأس أحاطا ن بسكان غرب دارفور في يوم رأس السنة. في أعقاب اشتداد المصادمات بين عناصر عربية وغير عربية من جماعات المساليت تزامنًا مع نهايات العام السابق، فر الآلاف من سكان الجنينة، عاصمة غرب دارفور، والنازحون من مخيمات المشردين داخلياً الواقعة في المناطق المجاورة من القتال. عبر الكثيرون منهم الحدود إلى جمهورية تشاد المجاورة بحثًا عن الأمان، بينما انضم آلاف آخرون إلى عائلاتهم المتفرقة في جميع أنحاء دارفور.

وفي تصعيد لعمليات القتل العشوائي، أبلغ الجانبان عن مقتل 70 شخصًا على الأقل وإصابة عشرات آخرين. ووفقًا لزعيم المساليت، داهم مقاتلون مسلحون يرتدون زيًا عسكريًا، مدفوعين باعتبارات قبلية، مخيم كيرندينغ، وأضرموا النيران في المنازل، وقتلوا نحو خمسين نازحًا، مما أجبر الناجين على الفرار. وبفعل إطلاق النار، لم يتمكن عمال الطوارئ من إنقاذ الجرحى أو نقل الموتى، وتم إجلاء العاملين في الوكالات الإنسانية مؤقتا خوفًا على سلامتهم. كما يُزعم أن الأطباء في المستشفى قد تعرضوا للتهديد أثناء محاولتهم علاج الجرحى من الجانبين. وترك القتال المفاجئ الآلاف من الأشخاص عالقين في جميع أنحاء دارفور حيث أجبروا على إلغاء سفرهم إلى الجنينة.

عزت مصادر محلية مسؤولية الهجوم على مخيم كيرندينغ إلى قائد محلي لقوات الدعم السريع. ومع ذلك، يبدو أن توازن القوى الجديد على المستوى الوطني قد دفع الفريق محمد حمدان دقلو، الشهير بـ "حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع الذي شارك هو نفسه في تنظيم أعمال عنف مروعة وارتكابها، إلى انتهاز الفرصة للتهديد بملاحقة من تثبت مسؤوليتهم عن العنف. وفي الوقت ذاته، شرع النائب العام الجديد للسودان في إجراء تحقيق مستقل.

اُستدعيت قوات الأمن من أماكن أخرى في دارفور إلى المنطقة مع ظهور بوادر انشقاق داخل قوات الأمن المحلية على أسسقبلية . كما سافر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك برفقة وفد من مجلس السيادة برئاسة حميدتي إلى المنطقة في محاولة للسيطرة على أعمال العنف. التقى المسؤولون مع شيوخ كلتا الجماعتين، الذين اتفقوا على أن مقتل شاب عربي طعنا من قبل بعض شباب المساليت في 29 ديسمبر كان هو السبب وراء عمليات القتل بدافع الثأر المتبادل التي تلت ذلك. ومع ذلك، لا تزال الجماعتان تتهمان بعضهما البعض بالسعي لإخراج الأفراد التابعين لهم من المنطقة.

أثارت التغييرات السياسية الأخيرة على المستوى الوطني توترات محلية. وتشمل انعكاسات هذه التوترات الاستقطاب المتزايد، حيث شكل الشباب من بين جماعة المساليت المضطهدين "لجان المقاومة" وانضموا إلى المجموعات الشعبية التي نظمت ثمانية أشهر من الاحتجاجات في عامي 2018 و2019. وبالنسبة للمساليت، فانهم ينظرون لميليشيات المنطقة المسلّحة من قبل نظام البشير، والتي تشمل قوات الدعم السريع، على أنها بقايا قمعية خلفها النظام البائد. وعلى العكس من ذلك، فإن المجتمعات التي تم تجنيد هذه الميليشيات منها، والتي يتكون معظمها من جماعات ذات أصول عربية، ترى نفسها في خطر فقدان السلطة.

تزايدت تطلعات ومخاوف الجماعات المختلفة بسبب العملية الجارية حاليا لترشيح حاكم مدني لغرب دارفور. ويلقي السكان المحليون من الفريقين باللوم على الحاكم العسكري المؤقت ولجنة الأمن في الولاية لفشلهما في وقف سلسلة من المواجهات الفردية المنعزلة بين أفراد الطائفتين. وتشمل هذه المواجهات الهجمات التي يشنها رجال الميليشيات المسلحة على المزارعين والمشردين داخلياً، فضلاً عن عمليات القتل الانتقامية لأفراد الجماعات العربية.

كما أظهرت الأحداث الأخيرة في بورتسودان وفي أماكن أخرى في شرق السودان، فإن المصادمات القبلية هي أحد أعراض العلل المتأصلة والموروثة من نظام البشير - وهو إرث التلاعب بالانتماءات الاثنية علي أوسع النطاق، الذي تم من أجل بقاء النظام. ويتمثل أحد العوامل المعقدة في بقاء مؤسسات البشير العسكرية والميليشيات في المؤسسات الانتقالية، التي ليس لديها الكثير من الاستعداد لإصلاح عقيدة "فرق تسد" القائمة منذ عقود. قام نظام البشير بتسليح بعض الجماعات القبلية بشكل انتقائي ودعم بعض الجماعات ضد الآخرين في عمليات القتال المحلية. لقد غمروا المنطقة بالأسلحة، وظهرت سوق سوداء مزدهرة للأسلحة. وبدون استئصال جذري للسياسات الهدامة التي استخدمها نظام البشير للتلاعب بالولاءات القبلية، فإن هذا النوع من الصراع القاتل بين المجتمعات المحلية سوف يندلع في جميع أنحاء السودان، وسيكون أكثر تدميراً في دارفور حيث تم تطبيق هذه السياسات بشكل منهجي منذ إطلاق حملة الإبادة الجماعية عام 2003.

يجب أن تدفع هذه البداية المأساوية للعام حكومة السودان إلى مراجعة النهج الذي تتبعه في عملية السلام في دارفور. فبدلاً من التركيز بشكل أساسي على توقيع اتفاقيات تقاسم السلطة مع الجماعات المسلحة التي تدعي أنها تمثل المجتمعات المحلية في دارفور، يجب إعطاء الأولوية المطلقة لتعزيز السلام الاجتماعي بين المجتمعات المختلفة في دارفور.

وفي نهاية المطاف، هناك حاجة لإصلاح حقيقي وشامل في قطاع الأمن لتخليص السودان من إرث البشير، الذي لم يعمق خطوط الصدع بين الطوائف فحسب، بل سمح للجهاز الأمني باحتكار القطاعات الرئيسية للاقتصاد وقتل المدنيين دونما عقاب. وسيكون بناء السلام الاجتماعي في دارفور خطوة حاسمة للتخلص من هذا الإرث المشؤوم.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

" ونبقى درقة وطناً عزيز " 2020-05-17 21:03:08 بقلم : محمد عتيق الأحداث التي شهدتها أروقة تجمع المهنيين السودانيين مؤخراً ، ترتب عليها تمايز : علني في صفوف تجمع المهنيين ، وصامت بين الأحزاب السياسية داخل قحت .. وهذا التمايز الصامت بين الاحزاب السياسية داخل قحت ساهم في (...)

إدْوارد لِينو جَدَلُ العِلاقة بيْن جَنوب وشَمال السّودانْ في حَياةِ مُثقّفٍ ثَوْريٍّ (2-3) 2020-05-15 20:35:36 بقلم : ياسِر عرْمان (1) مِن ميزات إدوارد لينو؛ أنّه عاش في الشّمال ولاسيما ؛ في الخرطوم ليس كضيفٍ وغريب؛ بل تفاعل مع تنظيماتها السّياسية والثّقافية والإجتماعية. وفي حديثنا عنه؛ لانسعى لتمجيد الماضي؛ بقدر ما نتّخذه (...)

من يحمي أهل دارفور بعد خروج القبعات الزرق؟ 2020-05-13 21:09:09 بقلم : عائشة البصري منذ انتشار بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في إقليم دارفور في غرب السودان (يوناميد) في أواخر عام 2007، قُتل 64 جندياً وشرطياً من قوة حفظ السلام هذه، وجرح عشرات، جرّاء هجمات دامية. لم ألمس يوماً (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.