الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 18 تموز (يوليو) 2020

إضاءة حول الأحزمة الخمسة للدكتور حمدوك (1-3)

separation
increase
decrease
separation
separation

الثروة الحيوانية: كنز أهل السودان الموجود المفقود

د. بابكر عباس محمد أحمد

الثروة الحيوانية كنز اهل السودان الموجود المفقود. إذا كانت اليابان تنتج المعدات، وأمريكا تنتج الطائرات، و ألمانيا تنتج الأجهزة، و سويسرا الدواء، فإن شأن السودان أن يكون مصدرا عالميا ورقما لا يستهان به في إنتاج اللحوم إذا أحسنا إدارة الموارد.

ساد في العقود المنصرمة النمط التقليدي في تربية الحيوان، ألا وهو نظام الرعي المفتوح، و الذى من أهم سماته الترحال و البداوة، وذلك لاستغلال المرعى المجاني الذى يتيحه موسم الخريف. وقد أدى ذلك النمط دوره، وحقق مكاسب لأهل السودان، كما للقائمين عليه، في الأجيال والعقود الماضية، لجهة توفير منتجات الحيوان بأسعار زهيدة وبكميات كفتنا الحاجة للاستيراد.

ولكن هذا النمط الإنتاجي أصبح مهددا بالزوال، ولعلنا نشهد عقوده الأخيرة وذلك لعدة أسباب، منها:

التمدد العمراني والزراعي في مواطن الرعي التقليدية

انقسام البلاد الى ولايات/ أقاليم بحدود إدارية جديدة وتعقيد ذلك لحركة القطعان>

التغير المناخي وموجات الجفاف المتكررة (يقع السودان ضمن أكثر المناطق المناخية تعرضا لموجات الجفاف)

إهمال تنمية/ صيانة المراعي الطبيعية وعدم الالتزام بخطة أو استراتيجية طويلة المدى لتوفير الإعلاف.

ازدياد أعداد الحيوان خلال العقود الماضية إثر القضاء على الأوبئة الشهيرة.

إضافة لكل ذلك، فإن سيادة مفاهيم خاطئة ومتوارثة لدى النخب الحاكمة في السودان حول هذا المرفق، أقعدت به، وحالت دون تحقيقه المكانة اللائقة به كأحد أهم روافد الاقتصاد السوداني، منها على سبيل المثال:

الحيوان وأهله يعيشون على الهامش

الحيوان يتغذى على مخلفات الحصاد

منح الأراضي لإقامة المشاريع الفلاحية والبستانية فقط واستبعاد مربى الحيوان.

حجب التمويل عن شريحة مربى الحيوان، بزعم المخاطر

وربما ترتب معظم ذلك من ضعف اللوبي المساند لمربى الحيوان، في مقابل لوبي زراعي فلاحى قوى جدا ومتمكن من مصادر اتخاذ القرار. إضافة لضعف ثقافة الاقتصاد المتكامل، خاصة اقتصاديات الريف، السائدة في خططنا التنموية ومناهجنا الأكاديمية.

وقد بلغت الآن الازمة الغذائية مداها، في بلد كالسودان، بكل ما فيه من مدخلات وموارد، بحيث بات من الصعوبة بمكان على أفراد الطبقة الوسطى والعاملة الحصول على النسبة الأدنى الموصي بها عالميا من اللحوم، المقدرة ب 60 الى 80 جرام في اليوم!!
يقاسى أسلوب الرعى المتنقل في تربية الحيوان من المعضلات التالية:

قلة السحب السنوي من القطيع (أي ضعف التسويق، بسبب عدة عوامل على رأسها: المرعى المجاني، بعد مواطن التربية من مراكز التسويق، قلة المنصرفات)، ارتفاع معدلات النقوق، ضعف الخصوبة (35%)، عدم إمكانية تحسين النسل، صعوبة الوقاية من الأمراض و الحد من انتشارها. وإذا أضفنا لكل ذلك تفشى واستشراء النزاعات القبلية نتيجة للاحتكاكات المتكررة موسميا بين الرعاة المتنقلين والمجتمعات المستقرة، خاصة المزارعين، لأدركنا ارتفاع التكلفة الاجتماعية التي نتحملها جميعا جراء استمرار نظام تربية الحيوان وفق نظام الرعي المفتوح.

وبالنظر الى أسلوب التربية التقليدي في تغطية الطلب الداخلي و الخارجي على المنتجات الحيوانية في سودان اليوم (والغد) يلاحظ تدنى إنتاجية النمط التقليدي في تربية الحيوان وضعف المردود الاقتصادي المعبر عنه بحساب رؤوس الأنعام المنتجة من وحدة المرعى: حيث تنتشر الأغنام (72.6 مليون رأس) والأبل (4.8 مليون رأس) في الإقليمين الصحراوي وشبه الصحراوي البالغ مساحتهما قرابة 27 مليون فدان، أي بمعدل أربع رؤوس أغنام وأقل من ثلث رأس إبل للفدان. بينما تنتشر الأبقار المقدرة بنحو 31.1 مليون رأس على السهل الطيني (إقليم السافانا المطيرة) البالغة مساحته نحو 45 مليون فدان بواقع أقل من رأس للفدان.
تعانى الأنعام تحت نظام الرعي المفتوح من سوء التغذية البالغ مرحلة الجوع قرابة الستة أشهر كل سنة. وإذا كان الخريف ضعيفا، تمتد المجاعة طوال العام. وهنا نلاحظ الآتي:

فترة التغذية الجيدة على المرعى الخريفي تمتد فقط لثلاثة شهور في أفضل المواسم. ثم يلى ذلك الرعي على مخلفات الحصاد في السهل الطيني وتخومه القريبة لمدة شهرين فقط. ثم يضطر الرعاة للرحيل شمالا أو جنوبا حيث يظلون في تجوال مستمر طوال الشهور السابقة للخريف. وإذا وقعت موجة جفاف، كما هو مألوف في الإقليم السوداني (كل خمسة أو عشر سنين) فتحدث الكارثة: حيث تنفق الأنعام بأعداد كبيرة، ويفلس معظم مربيها، ويفقد الرعاة عملهم. ويتحولون هم وأسرهم إلى نازحين، ومتسولين.

أشرت الى تدنى خصوبة الحيوان الرعوي، والتي تبلغ في المتوسط نحو 35% ولعل أهم مسبب لذلك هو فترات الجوع الموسمية، علاوة على فقر المراعي في معظم الأحيان لمكونات غذائية وعناصر بعينها. فعلاوة على ضعف البروتين المعروف في الأعشاب البعلية، هناك نقص موسمي أو متصل في الفوسفور والكالسيوم والنحاس والزنك و الكوبالت وفيتامين (أ) الهام جدا للخصوبة تعانى منه الأنعام الرعوية على امتداد العام. علاوة على ذلك فإن المسوحات المرضية تفيد بإصابة نحو 70% من الأنعام الرعوية بالطفيليات المعوية وما يفوق 40% بالجرب والقراد، وأمراض مرتبطة بهما، وكلها عوامل تصب في ضعف الإنتاجية والخصوبة وترفع معدلات النقوق.

تبلغ نسبة النفوق 17% في المتوسط لكل القطيع في العام، وترتفع معدلاتها وسط الصغار (قبل وبعد الفطام ودون السنة) لتبلغ 25% في المتوسط. في حين تبلغ نسبة النفوق 40-50% في سنوات الجفاف.

وكما هو معروف فإن الطفيليات المعوية تسبب ما يقدر ب 30% من فقد الوزن، فإذا أضفنا ذلك لفترات الجوع، وعملية الترحال الموسمي (حيث تسير المواشي مسافات تقدر بين 600-900 كلم في العام) لأدركنا المعاناة التي يتكبدها القطيع القومي تحت ظروف الترحال.

كل ذلك يعنى أن ما يكتسبه الحيوان من فوائد التغذية الجيدة خلال شهور الخريف، ثم الرعي على مخلفات الحصاد، يفقده في الموسم التالي مباشرة.

كابدت الخدمة البيطرية السودانية على مر العقود من أجل مكافحة الأوبئة الفتاكة الشهيرة التي كانت تؤدى لنفوق ملايين الرؤوس كل عام في الأزمنة الماضية، مثل: الطاعون البقري (أبو دميع’)، والالتهاب الرئوي البلوري (أبو قنيت)، واللسان الأزرق، والجدري، وغيرها، مما أدى لزيادة مضطردة في أعداد الحيوان، ولكن ذلك لم يواكبه أي مجهود موازي في مجال تنمية المراعي أو توفير مصادر بديلة للأعلاف، مما أنتج الفجوة العلفية التي نعانى منها اليوم، وتسبب، ضمن عوامل أخرى غلاء المنتجات الحيوانية.

ولعله من المفيد أن ستذكر هنا أن ملايين الأفدنة من المراعي التاريخية قد تم التمدد فيها و استصلاحها كمشاريع زراعية لا نتاج المحاصيل، وذلك منذ إنشاء مشروع الجزيرة حيث فقد الرعاة نحو ثلاثة ملايين فدان من المرعى الممتازة في ضربة واحدة (بل و استبعد الحيوان من الدورة الزراعية التي كانت تركز على القطن!!)، بحيث أصبح إقليم الجزيرة (وهو الإقليم الأغنى بالمياه)، هو الإقليم الأفقر في الحيوان ومنتجاته في القطر. ثم لحقت بها مئات الاف الأفدنة الأخرى من المراعي التاريخية، ممثلة في مشاريع السوكى والرهد و دلتا القاش، مواطن جل سكانها يحترفون الرعي، كان من الممكن استصحابهم في النقلة الاقتصادية التي تمت، لكنهم استبعدوا، بل لم يعوضوا، كما توصى بذلك كل أدبيات التنمية.

والتعويض المقصود ليس هو التعويض الديواني المترتب على إعادة تقنين حيازة الأرض، بل المقصود هو التعويض عن ضياع الفرصة الاقتصادية الذى ترتب عن النقلة التنموية التي نتجت، كما هو معروف.

يردد البعض في ببغاوية ممجوجة مقولة للباحث البريطاني (توتهيل) (1890-1958) عراب الزراعة في السودان القديم: "إن أسلوب الرعي المفتوح هو الأسلوب الأفضل لاستغلال موارد السودان الرعوية ". ويغفلون أن توتهيل كان يتحدث بلغة ومعطيات سودان القرن التاسع عشر، وما قبله، وعدد سكانه لا يكاد يبلغ الستة ملايين.. حيث كان السودان يعج بالمراعي الغنى وتنتشر بين ربوعه الميع، والغابات، ويتحلى بمعدل أمطار جيد، حتى أن المراعي ليمضي عليها الحول دون أن يمسها حيوان، فتتعرض للتكدس الحيوي، فتنتج غاز الميثان، فتنتشر في جنباتها الحرائق!

حين الحديث عن البداوة، يتجاهل الكثيرون المشاق والمعاناة التي يتكبدها الرعاة في بحثهم الدائم عن الكلأ، وما يترتب عن ذلك من معاناة الأسرة والأطفال، حيث يضطرون لهجرانهم طوال شهور الخريف، أو يصحبونهم في الرحلة، بما يترتب على ذلك من الحرمان من التعليم، والرعاية الصحية المتجذرين في تلك المجتمعات.

كما إنه لا مفر للمراقب عند تناول الآثار الاجتماعية المتربة على حياة البداوة من أن يستصحب النزاع المتكرر بين الرعاة المتجولين والمواطنين المقيمين، مزارعين وخلافهم، عاما إثر عام، والذي أصبح يؤرق المجتمعات المحلية كما الحكومات، بسبب ما ينجم عنه من تداعيات لا تكاد تحصر، وتأثيره على النسيج الاجتماعي المحلى و القومي.. وفى الذاكرة نزاعات المسيرية – الزريقات- الدينكا، و الأبالة و مزارعي دارفور، و الآن الفولاني و اللحويين و الرفاعة.....

باحث في الثروة الحيوانية



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الجيل الجديد أمام مسؤولياته 2020-09-20 21:30:26 بقلم : محمد عتيق نشأت أهم أركان الدولة السودانية الحديثة (الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية) على التقاليد البريطانية : من المجتمع المدني تنشأ الأحزاب السياسية التي تقود الدولة في ظل نظام ديمقراطي على نهج "وستمنستر" ، بينما (...)

الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية 2020-09-14 00:37:48 الفحم الحجري أحد الخيارات الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية المهندس صلاح النعيم من القناعة السائدة إدخال الصناعات التحويلية في المنتجات الزراعية والرعوية ليتم تصديرها مصنعة أو علي قدر متقدم من التصنيع بما يحقق (...)

ثم تقليعة التطبيع مع اسرائيل 2020-09-13 20:54:15 بقلم : محمد عتيق الإحساس بالمخاطر الكبيرة والمتشابكة التي تواجه ثورة السودان يقف خلف التسامي فوق الخلافات والاختلافات الفرعية والتركيز على ما يفيد تقدم الثورة ونجاحها وتقصير زمن النصر النهائي لها ، نرى النزعات الانانية ، (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.