الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 18 تموز (يوليو) 2020

إضاءة حول الأحزمة الخمسة للدكتور حمدوك (2-3)

separation
increase
decrease
separation
separation

د. بابكر عباس محمد أحمد

الرؤية الجديدة

تعتمد الرؤية الجديدة للنهوض بقطاع الثروة الحيوانية على اعتماد نظام المزارع الرعوية: وهي مزارع مختلطة، محصولها الرئيس، وليس الوحيد، الحيوان، بحيث تخصص النسبة الأكبر من الأرض والمال المستثمر بما لا يقل عن 60-70% للحيوان.

إن ضرورة الانتقال الى النمط الجديد المقترح في الإنتاج الحيواني تمليه ضرورات وحتميات اقتصادية وبيئية واجتماعية.

إن المستفيد الأول من الانتقال المطلوب وبشدة نحو نمط استزراع الحيوان هم مربو الحيوان أنفسهم، بشتى أنواعه. علاوة على الاقتصاد الكلى.

وبما أن معضلة تربية الحيوان هي توفير العلف، فإنه بمقدور مثل هذا الأنموذج الزراعي المقترح أن يضاعف الى ما لا يقل عن العشرة أضعاف طاقة الأرض أي حمولتها للحيوان. وذلك بزراعة نباتات رعوية معروفة ومجربة، ومتأقلمة، مثل الثمام، عشب اللبيد، الرودس، عشبة الفيل (هجين الذرة) وأصناف أخرى، تتميز بتحمل الحرارة، والجفاف النسبي، وملوحة التربة، والأهم من ذلك صمودها في التربة لما لا يقل عن أربع أو خمسة سنوات بعد الزرعة الأولى، مما يوفر تكاليف الفلاحة. كلها يتم حصده شهريا (25-27 يوم).

معظم الأصناف النباتية المذكورة أعلاه تنتج ما لا يقل عن 30 طن من العلف (كمادة جافة) في العام. ويمكن زراعتها وانتاجها في كل مناخات الإقليم السوداني.

ووفقا لهذا التصور فإن إحداثيات إنتاجية جديدة ومربحة ستتحقق لمربى الحيوان، ولجهات التمويل. حيث ينتج فدان المرعى المروى الواحد من العلف ما يكفي على أقل تقدير: 20 راس من الأبقار/الأبل، و70 رأس من اغنام التربية أو 100 رأس من أغنام التسمين في العام. وإذا قارنا ذلك بمعدلات الإنتاجية المتحققة من نظام الرعي المفتوح، مع سلبياته الأخرى، سيتضح أن نظام المزارع الرعوية يحقق معدلات إنتاجية تفوق العشرين ضعف ما يتيحه النمط المتبع منذ قرون.

ما هي الخطوات المطلوبة لإحداث النقلة المأمولة؟
تتلخص المطلوبات فيما يلى:

-  تخطيط وحجز مساحات رعوية في مناطق قابلة للاستصلاح، وبمساحات كافية، وفق معطيات كل إقليم. وهذا دور منوط بإدارات الثروة الحيوانية، المراعي، وحكومة الإقليم.

-  إنشاء محفظة تمويل في حدود 30-50 مليون دولار سنويا لتمويل المربين والمستثمرين الجدد الراغبين في ارتياد المنشط،

-  تنفيذ مزرعة رعوية أنموذجية واحدة في كل إقليم/ ولاية تقوم على أسس تجارية من الأساس وفق أدبيات (بحوث التنمية).

-  تأهيل جهة استشارية مركزية للاطلاع على التدريب، الترويج، التنسيق بين الشركاء، ضبط الجودة، معالجة الأزمة.. الخ. وقد كانت "مؤسسة تسويق الماشية" تقوم بهذا الدور، وقطعت شوطا مقدرا في تنفيذ مهامها، قبل وأدها إبان عقود التيه الأخيرة.

وإذا أدركنا أن عائد صادر الثروة الحيوانية قد حقق 800 مليون دولار في واحدة من أكثر السنوات اضطرابا (2019) في السودان، فإن المقترح بتخصيص محفظة بالقدر المذكور (30-50 مليون دولار) قد يشكل الحد الأدنى لتحقيق الطفرة المأمولة في هذا القطاع الحيوي.

توجد عدة نماذج للمزرعة الرعوية، تتراوح بين مزارع كبرى مكونة من وحدات بمساحة الألف فدان، الى نماذج من 60 – 100 فدان (جمعيات تعاونية) الى أنموذج الفدان الواحد الملائم لمنظومة التمويل الصغير أو المتوسط. وتخاطب النماذج المختلفة الشرائح العديدة التي ترغب في ارتياد المجال، وعلى رأسها قطاع المربين التقليديين، قطاع الشباب والخريجين، وقطاع الرأسمالية الوطنية.

ما الذى ستحققه النقلة المقترحة في قطاع الثروة الحيوانية؟

-  إذا تم اعتماد الخطة وتم الوفاء من الأطراف المشاركة (ممولون، مربون، مستثمرون) فإنه من المتوقع أن يحدث توطين نحو 80% من الثروة الحيوانية في مدى 15-20 عام.
-  الحيوان المنتج وفق الخطة المقترحة ذو نوعية عالية، وإحداثيات خصوبة ووزن وإنتاجية أعلى، مما يوفر منتجا نوعيا متميزا للتصدير.

-  - ديمومة الأمداد بالحيوان والمنتجات الحيوانية والقضاء على الموسمية التي تغض مضاجع المستثمرين المتعاملين مع السوق السوداني في قطاع الثروة الحيوانية

-  وبما أن الثروة الحيوانية منتشرة في كل بقاع السودان، فإن تحريك هذا القطاع سيكون له أثار ثانوية جليلة لجهة تنمية الريف وتثمين العيش فيه، بما لا يخفى على أي دارس للشأن الاجتماعي للسودان خاصة في العقود الأخيرة.

-  باستقرار الرعاة، يتم تصفير معظم، وربما كل النزاعات القبلية المريعة التي أصبحت شأنا مألوفا في حياتنا.

هل المقترح ممكن التنفيذ؟

هذا سؤال مشروع. ولعله الأهم في ملف هذا المقترح وأول ما يتبادر للذهن.
نعم. هذا المقترح ممكن التنفيذ، وكل أدواته متوفرة في سودان اليوم، ويحتاج إطلاقه فقط للعزم والحزم، والأخذ بالعلم، وليس بالتوهم.

فالناظر لموجودات السودان من الثروة الحيوانية، يلاحظ أن القطيع القومي المقدر ب 104 مليون رأس موزع كالآتي:

-  75% قطاع رعوى
-  20% في القطاع الزراعي المستقر
-  5% قطيع تجارى
-  وعليه فإن السيناريو التالي هو المرجح:

-  ربما يحجم مربو الأنعام ووفق النظام التقليدي عن الانخراط في التجربة ربما للسنين الخمس الأولى، بينما سيقبل عليها المربون الذين شرعوا في الاستقرار مسبقا ومستثمرون جدد، وسيحققون فوائد لن تخفى عن مراقبة المربين التقليديين.

-  ستحقق المحفظة عائدات طيبة، وتحدث نقلة في شتى أضابير القطاع، إنتاجا وخدمات و تجارة ونقل إلخ. مما سينعكس على قبول ورضا الشركاء وإقبال شركاء جدد.

-  ستجذب المحفظة المربين التقليديين الذين أحجموا في البدء. بعد أن استوثقوا من النجاح.

-  خلال ذلك ستطور المحفظة إمكانياتها الإنتاجية والتسويقية محليا وإقليميا وستكون جاذبة للتشبيك الدولي مما يوفر مكانة مميزة للمنتج السوداني في القطاع.
ولأدراك الفجوة الغذائية (السوقية) التي يستطيع السودان أن يتمدد فيها، نلاحظ أن العالم العربي (وهو سوق السودان التاريخي) قد أستورد في المتوسط ما تراوحت قيمته بين 4 و 5 مليار دولار من اللحوم الحمراء في العام خلال الأعوام الست الماضية. أي ما تراوح بين المليون والمليون ونصف المليون طن من اللحوم.

وفقا للإحصاءات الرسمية، فقد صدر السودان ما مجمله 4 مليون راس من الأنعام، معظمها حيوانات حية (3.52 مليون) والمتبقي في شكل ذبائح (نحو 4600 طن لحوم!) في العام 2019. هذا يساوى نحو 4% فقط من حجم القطيع القومي المقدر بمائة مليون ونيف رأس. وقد بلغت حصيلة الصادر 800 مليون دولار في ذات السنة..

لا شك يلاحظ القارئ ضآلة النسبة التسويقية لهذا القطيع المنتشر في كل الأقاليم، والذي يستغل مساحات مراعى شاسعة تقارب 40 مليون فدان!

كما إن هناك ملاحظات هامة لابد من التوقف حيالها.

صادر الأبقار (حي وذبائح) البالغ نحو 83 الف رأس يمكن توفيره من إنشاء 40 مزرعة رعوية بمساحة 1000 فدان للمزرعة (الأنموذج الأمريكي الجنوبي) أو من ناتج 4 مزارع (كبرى) بمساحة 10 الف فدان للمزرعة (النموذج الأسترالي/الأمريكي/ الروسي)، بواقع 20 راس/فدان.
صادر الأغنام (ضان + ماعز) يمكن توفيره من استصلاح:

55,300 فدان (حمولة 70 راس للفدان، تربية كاملة)
أو 38,700 فدان (حمولة 100 راس للفدان، تسمين).
ناهيك عن أن الحيوان المنتج تحت نظام التربية الحديثة وفق هذا المقترح يتفوق في كل الإحداثيات على الحيوان السائم.

إضافة لاعتماد منظومة المزارع الرعوية لتأمين ظروف تربية مثلى للحيوان، فيجب الانتباه للكم الهائل من المادة الغذائية الكامنة في مخلفات صناعة السكر. حيث أثبت الباحث العالمي في مجال التغذية (د. عمر خضر) أن ما تنتجه خمسة مصانع للسكر (كنانة-عسلاية-سنار-الجنيد- حلفا) من مخلفات مقدرة بنحو 6 مليون طن هي المواد صالحة بقليل من المعالجة لتصبح علف حيوانيا ممتازا". كما أثبت أن ذلك الكم من المواد العلفية الكامنة في مخلفات صناعة السكر (المولاص و البقاس) تكفى لإنتاج 488 ألف طن من اللحوم و 6.6 مليون طن من الألبان. الأمر الذي يمكن أن يتحقق بإلحاق مصنع بسيط للعلف مع كل مشروع مصنع لإنتاج السكر، لمصلحة الجميع.

باحث في الثروة الحيوانية



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

أقدار السودان.. تأملات في رحيلهم 2020-11-26 20:11:09 بقلم : العبيد أحمد مروح الذين يعتقدون أن البشر وحدهم هم القادرين على التحكُّم في مصائر أممهم وشعوبهم وعلى التأثير في مجريات مساراتها الرئيسية، دون أن يكون للأقدار دخل في ذلك ، ليسوا معنيين بمواصلة قراءة هذا المقال. ففكرة (...)

إزالة التّمكين أم إزالة لجنة التّمكين؟ 2020-11-22 18:12:47 ياسر عرمان ثورة ديسمبر؛ لن تساوي الدم الذي كتبت به إن لم تتمكّن من إزالة التّمكين!. إذا أردت معرفة نتيجة فحص الكورونا السّياسية لأي شخص وموقفه من الثّورة والتّغيير؛ أعرف موقفه من إزالة التّمكين أولاً. لايمكن بناء دولة (...)

فرص المراجعة التاريخية على ضوء ثورة ديسمبر والسلام في السودان 2020-11-17 07:00:52 ياسر عرمان قال البروفيسر السنغالى الشيخ أنتا ديوب، وهو واحد من أهم المؤرخين والمفكرين الثوريين الأفارقة، وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة السوربون فى رسالة حول اصول الحضارة الإفريقية السوداء القديمة لوادى النيل وقد اطلق (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.