الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 18 تموز (يوليو) 2021

اتفاق جوبا ؛ أهو الطريق للسلام والتنمية ؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

السلام ليس مجرد هدف أو مطلب مثل كل أهداف الثورات الكبيرة ومطالب الهبَّات والانتفاضات الشعبية ، بل هو الأساس ، الأرضية ، القاعدة ، وهدف الأهداف الذي بدونه لا تنمية تتحقق ولا معنى لعدل ، لا شفاء لعلاج ولا نشيج لقدور .. وعكس السلام هو الاضطراب والكراهية ونيران الحروب تزحف في كل الجهات ..

في حالة السودان ، السلام لا يعني فقط إيقاف الحروب الأهلية هنا وهناك ، قضية السلام في السودان أشمل من ذلك وأكثر تعقيداً .. فإذا كانت مناطق الحروب الأهلية تشكو الإهمال في كل شيء سبباً لتلك الحروب ، فإن الإهمال يخيم على السودان كله ، مظالم الجهل والفقر والمرض في كل ارجاء القطر.. والأخطر من كل ذلك ان السودان في حوجة ماسة لأن يستكمل اندماجه الوطني شعوراً حقيقياً بالوحدة الوطنية وولوجاً تاماً لمرحلة ما فوق القبيلة والإقليم والجهة .. وإذا جاءت الخطط والمعالجات لكل ذلك صحيحةً فإنها تبقى حلولاً مرحليةً وقصيرة المدى ما لم ترتبط بثورةٍ جادّةٍ في التعليم : مراحله ومناهجه وفلسفته ورؤاه ، مؤسساته ومعلميه ومبانيه ، ليكون رحيقاً يجعل من تلك الحلول حالةً دائمةً تنقل بلادنا إلى رحاب التقدم والاستقرار والاستنارة ، رحاب الإنتاج والإبداع ..

وإذا كنا قد ورثنا سوداناً لم تكن بناءاته قد اكتملت بعد ، وحدود الموروث قد شابته أخطاء أساسية أهمها انه لم يحفل بالتنوع البهيج الذي تذخر به بلادنا في ميادين التنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، وأصبحت العملية السياسية محصورةً في الصراع على كراسي السلطة وعلى السلطة نفسها بين عسكريين ومدنيين ، وأصبح الفكر والإنتاج المعرفي أكثر ضموراً ، فان عهد الاسلامويين "الانقاذ" كان تعميقاً لتلك الأزمات وتأجيجاً لأسباب النزاعات وتفجيراً للمزيد منها .. ومن هنا كان السلام نفسه ساحة صراع بين حَمَلَة السلاح ونظام البشير ، النظام الماكر الذي يلتف (عملياً) على كل إتفاقٍ ويفرغه من كل مضمون بما يجعل من السلام وسيلةً لإخضاع الأطراف المقابلة لسلطته وهيمنته معتمداً على أسلحة المال والأمن والإعلام والفتن المناطقية والقبلية ..

في تطور هام لحركة المعارضة الوطنية في السودان التحقت الحركات المسلحة (في جانب نشاطها السياسي) "الجبهة الثورية" بتحالف قوى المعارضة السياسية على أن تمارس عملها العسكري بمعزل عنه فكان تكتل " نداء السودان فقط تنظيم عبد الواحد هو الذي لم يكن جزءً من الجبهة الثورية ، اما عبد العزيز الحلو فكان انقسامه عن الحركة الشعبية/شمال قد وقع في وقت لاحق) ..

في ديسمبر 2018 انفجرت ثورة عارمة في السودان انتظمت العاصمة ومدن الأقاليم تتويجاً للمواجهات السياسية والعسكرية التي خاضها شعبنا بأحزابه ومنظماته وطلائعه العسكرية (النظامية وغير النظامية) ، عمادها ووقودها شابات السودان وشبابه ، تحدوهم أحلام جامحةٌ ورؤىً ساحرة أن تنهض بلادهم ، أن يبنوها وأن يعيشوا كأقرانهم في كل أركان المعمورة : صحةً ونضارة ، علماً ومعارف وآفاقاً رحبةً لمستقبل سعيد وحيوات عملية منتجة ..

تقدمت القوى السياسية بكتلها المختلفة وتجمع المهنيين السودانيين وقادت الثورة حتى تحقيق الانتصار في مرحلتها الأولى بإسقاط البشير وعصابته في أبريل 2019، وكانت الحركات المسلحة "الجبهة الثورية" جزءً من تلك الثورة وقيادتها.. توازن القوى بين الثورة وذيول النظام الساقط فرضت صيغةً عرجاء للشراكة بين قوى الثورة المدنية وبعض القيادات العسكرية لنظام الإسلامويين ومليشيا الجنجويد (كانت الجبهة الثورية قد غادرت صفوف قوى الحرية والتغيير ) ..

معيار النجاح وميدانه في المرحلة الثانية للثورة أصبح كامناً في إنجاز برنامج انتقالي منحاز لجماهير الشعب ؛ تحسيناً لشروط الحياة ، تحقيقاً للعدالة في كافة جوانبها ، تعبيداً للتحول الديمقراطي الراسخ ، وصياغةً لدستور يرتضيه الشعب وترتضيه كل تنظيماته المدنية والعسكرية ..

من جانبٍ آخر ، مضت القوى السياسية في ممارسة ضعفها وقصورها الذاتي غرقاً في التكتيكات القاصرة وصناعة المقالب الهزيلة وممارسة الأنانية ، فانقسمت على نفسها لثلاث فِرق وتجمع المهنيين إلى فرقتين..

والذي أجمعوا عليه وأتوا به رئيساً للحكومة الانتقالية ، وللعجب ، أصبح هو ألذي يضع الشروط (بدلاً عن المقترحات) أمام قوى الحاضنة السياسية "افتراضاً" وفي نفس الوقت يتقدم بالمبادرات بدلاً عن القرارات !!

وفق هذه الخلفية من الأوضاع والحقائق كان المأمول أن تكون الجبهة الثورية، وبكل قياداتها، فوراً في الخرطوم للتفاهم والحوار مع رفاقهم في قوى الحرية والتغيير في كافة هموم الثورة ومن بينها برنامج السلام بالتواجد الميداني في مناطق الحروب الأهلية ومعسكرات النزوح واللجوء ، فِرَق ولجان ، تعويض وتضميد للجروح البدنية والروحية ….. وإلى آخر الحديث الذي كررناه كثيراً ..

تغوَّل (المكون العسكري) على مهام الحكومة ورئيسها ، تغوَّل حتى على ملف السلام وذهب "للتفاوض" حوله مع الجبهة الثورية في جوبا ليتوصل إلى إتفاقية سلام ؛ نتوقف فقط عند مظهره :

1/ الجبهة الثورية تركت حلفاءها في قحت ومكانها الطبيعي بينهم لتتفاوض مع قيادات البشير في الجيش والجنجويد الذين حاربوهم طويلاً وتغولوا على الثورة وسلطتها الانتقالية ..

2/ أن الجبهة الثورية جزء من الحركات المسلحة (الجزء الآخر هو قيادتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد) ومع ذلك انتزعوا في إتفاق جوبا لوحدهم 3 مقاعد في مجلس السيادة و 5 وزراء و 75 عضواً من أصل 300 في التشريعي ، وبالتالي لا يمكن ان يكون اتفاقاً شاملاً بل مجرد تكرار لتجارب المحاصصات والحلول المنقوصة المنتقاة وبالنتيجة معادٍ لآمال الشباب السوداني وثورته الجبارة ..

3/ أتوا بجسم جديد أسموه "مجلس شركاء الفترة الانتقالية" تضمهم مع المكون العسكري للسيادي ورئيس الوزراء ومن تبقّى من قحت .. قالوا أنه مجرد مجلس لفض النزاعات والوساطة وأتضح أنه مجلس حكم حقيقي يقرر في كل شيء ويتبعه بقايا قحت في خضوعٍ تام (وما فيش حد أحسن من حد في الكذب)..

4/ مع إضافة مادة جديدة في الوثيقة الدستورية تجعل منها (من نصوص إتفاقية جوبا) في مرتبةٍ أسمى من الوثيقة الدستورية …

هكذا أحاطت الأقدار بثورة أهل السودان من الداخل والخارج ، لنواصل الحديث حولها ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

لا حَدَّ للتنازلات يا حمدوك.. 2021-09-20 20:26:17 بقلم : محمد عتيق محمد عتيق المخاطر لا تُحدِق بالثورة فحسب وإنما بالوطنِ كله ؛ في أن يكون ديمقراطياً موحَّداً ناهضاً أو مُفَتَّتاً تذروه رياح الجهوية والقبَليَّة العنصرية .. ولما كانت الثورة هي أداة النهوض بالوطن (الثورة (...)

انقلاب نسرين النمر بين الوهم والحقيقة 2021-09-18 17:05:14 ياسر عرمان (هذه المقالة تُعبِّر عن كامل وجهة نظري الشخصية، وغير مبُرِّأة للذمة السياسية عند أي بنك سياسي آخر، وهذا للعلم وللأصدقاء والخصوم معاً.) 1 في البدايات ذهب البشير إلى القصر رئيساً، وصاحب المزرعة حبيساً، وأخطأ (...)

إلى حمدوك والمجلس المركزي 2021-09-12 18:03:28 بقلم :محمد عتيق محمد عتيق لن نتحدث عن العدالة ومؤسساتها ولا عن حقوق شهداء الثورة وجرحاها ومفقوديها علينا (على الثورة ودولتها) ، ولن نتساءل عن التساهل المُخجل مع أركان النظام الساقط ومناشطهم أشخاصاً وأجهزة إعلام ، ولن (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

تصريح حول الجهود الجارية لترشيح الأستاذ أحمد حسين ادم لمنصب مفوض مفوضية السلام 2021-03-28 05:02:54 التاريخ : 13/ شعبان/1442 هـ الموافق :27 /03/2021 متجمع منظمات المجتمع المدني بالداخل و الخارج تصريح صحفي بناءً علي انتظام منظمات المجتمع المدني في مبادرة ترشيح الأستاذ أحمد حسين لمفوضية السلام وتداعي عدد كبير من (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.