الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 25 نيسان (أبريل) 2020

"الخروج من الظلام.. الضوء الساطع" لقابه: نظرة جديدة إلى تاريخ إمبراطوريَّة

separation
increase
decrease
separation
separation

الدكتور عمر مصطفى شركيان
shurkiano@yahoo.co.uk

"الدكتور ليفينغستون، إنِّى لأفترض"، هذا ما تفوَّه به الصحافي الويلزي والأميريكي بالتجنُّس هنري مورتون ستانلي واشتهر بهذه المقولة، وذاع صيته بها، حين عثر على الرحَّالة البريطاني في قرية نائية في أعماق روديسيا (زامبيا حاليَّاً) في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1871م. وما ستانلي إلا هو ذلكم الصحافي الذي بعثته الصحيفة التي كان يعمل فيها إلى مداخيل إفريقيا للبحث عن ليفينغستون. "ألم يكن ذلك أغبى شيء أسمع به في حياتي!" هكذا أخذت حليمة طاهية ليفينغستون تقول في نفسها لنفسها حين سمعت هذا الحديث. "من ذا الذي يحتمل أن يكون لئن لم يكن هو؟" ومع ذلك، من هو ليفينغستون؟ وهنا يبدو أنَّ الوقت قد حان أن نذكر أنَّ ديفيد ليفينغستون هو ذلكم الإسكوتلندي الذي ولد العام 1813م في بلانتاير، وتعلَّم وتدرَّب على أن يكون طبيباً، حيث قضى 12 عاماً متنقلاً في إفريقيا الوسطى، ومبشِّراً مسيحيَّاً لنشر العقيدة المسيحيَّة كان، وداعية متشدِّداً في سبيل إلغاء الرِّق، ثمَّ كان بطلاً من أبطال إنكلترا الفيكتوريَّة (نسبة للملكة فيكتوريا). فهو لم يستيئس ولم يستمسك باليأس، بل تقطَّع ما بينه وبين اليأس من صلة، وقد برهن ذلك في غير شك في إثبات المواقف وإمضاء العزائم. وحين مرض ليفينغستون بدائي الدسنتاريا والملاريا حتى توفي في الفاتح من أيار (مايو) 1873م بعد أن نيَّف على الستين عاماً في قرية السلطان شيتامبو بالقرب من بحيرة بانقويلو في شمال روديسيا، حملته جماعة من الأفارقة الأشدَّاء الأرقَّاء السَّابقين إلى القنصليَّة البريطانيَّة في جزيرة زنجبار في رحلة بلغ طولها 1.500 ميلاً. إذ كان من أفراد هذه الجماعة طبَّاخته حليمة التي ذكرناها آنفاً.

ففي هذه الرواية تروي الكاتبة الزيمبابويَّة بيتينا قابه هذه الرحلة الشاذة، وعلى لسان أو من وجهة نظر اثنين من الأفارقة المنسيين اللذان يحملان جثمان ليفينغستون إلى الساحل الشرقي من إفريقيا. إحداهما هي حليمة والآخر هو مرافقه جاكوب ويندايت الذي يعتنق المسيحيَّة. إذ أنَّ حليمة شخصيَّة لامعة ولا يمكن تحجيمها، غير أنَّ جاكوباً رجل متديِّن ويتَّصف بالخيلاء، ثمَّ إنَّه لمنافق جنسيَّاً. علاوة على ذلك أنَّه يدَّعي التهذيب، ويتظاهر بالورع، وينتقد أخلاقيات زملائه المنحطة دوماً أو هكذ يعتقد، وهو في الآن نفسه يخفي علاقته العاطفيَّة مع إحدى نساء الجماعة. ومع ذلك، أنَّ جاكوباً وحليمة يبغضان بعضهما بعضاً، غير أنَّهما معجبان بليفينغستون، برغم من أنَّهما يحملان شيئاً من الريبة تجاهه. "فأي نمط من الإنسان هذا الذي يبكي بكاءً شكيَّاً في سبيل الكلب الذي غرق في الحين الذي فيه ترك أسرته في مأساة تراجيديَّة!" هكذا أمست تفكِّر حليمة في نفسها لنفسها. "وأي نمط من الإنسان هو الذي يقف ضد تجارة الرِّق في شرق إفريقيا، ولكنه يسافر برفقة تجَّار الرَّقيق!" هكذا بات جاكوب يتساءل في نفسه لنفسه مندهشاً، وفي نفسه حسرات قويَّة يكاد يشعر بها جهاراً. على أيٍّ، لسنا بصدد كتابة السيرة الذاتيَّة لهاتين الشخصيَّتين، بقدر ما أردنا التنويه عن مثولهما في التأريخ الإفريقي، وما يتعلَّق بالأفارقة ودورهم في الماضي الاستعماري.

مهما يكن من شيء، إذ تتَّصف الرحلة بكثرٍ من المشكلات المأسويَّة، حيث يكثر الشجار وسط الرِّفاق، وينفد غذاؤهم، وتتفشَّى الأمراض وسطهم من حين إلى آخر، ويتعرَّضون لمواجهات مميتة مع عناصر معادية، مما يؤدِّي إلى انقراض عددٍ منهم أثناء شقاء السفر، ويُصاب أحدٌ من المرافقين بالجنون. وفي أثناء الطريق تجدهم يمرُّون ببقايا جثامين الأرقَّاء الذين انهارت قواهم، وأصابتهم الأمراض، وتركهم تجَّار الرَّقيق ليلقوا حتفهم في الغابة أو على قارعة الطريق، وأمسوا عظاماً نخرة.

مهما يكن من أمر، إذ تتركَّز الحكاية حول مؤامرة بطلها أحد أعضاء الجماعة يُسمَّى شيرانقو، حيث يمتاز بشخصيَّة خدوم وخنوع، ثمَّ خضوع في سلوكه ويمكن أن يوافق على إنجاز أي شيء يُطلب منه دون تردُّد أو تسآل، ويرفض ميول العصيان. وكذلك يرفض ولاء رفاقه لذكريات ليفينغستون، ويشرع في السخرية من جاكوب، ويقول له "إنَّك لتكره جلدك وأهلك". إنَّ شيرانقواً لشريرٌ وحاقدٌ ومخادعٌ، ولا شك في أنَّه يُعتَبر المسؤول عن كل المصائب، ولكنه في الحين نفسه الشخصيَّة الساطعة، وهو بالكاد لا يخفي بغضه للرحَّالة البيض. وها هو يتنبَّأ أنَّه بعد بضع سنوات سيبدأ التدافع الاستعماري نحو إفريقيا بحزم أكيد وعزم شديد، ويبرهن الزمن أنَّ شيرانقواً كان على الصواب.

هذه الرواية الأخلاقيَّة محبوكة بذكاء، غير أنَّها – من جانب آخر – تعاني من التقصير في بعض الأشياء. إذ أنَّ سرد قصص شخصيات تأريخيَّة هامشيَّة هو محاولة تستحق التقدير الأدبي، بيد أنَّ مهمَّة تصويرهم بالكرامة المستحقة وعزيمتهم قد أعاقها القصور في التعبير النثري الذي استخدمته الكاتبة قابه. وإنَّ صوت حليمة السردي، واستخدامها الجامح للمقارنات الحيوانيَّة، قد أعطت الرواية ذوقاً سخيفاً بهذا الاستكثار العاطفي في التشبيه، والمبالغة في اللغة العاميَّة. وإنَّك لواجدٌ في ثلاث صفحات أوصافاً مثل "في صخبٍ كالدجاج قبيل العاصفة الرعديَّة"، و"عقولهم كعقل الماعز"، و"رجل أكسل من قطيع فرسان البحر النيام." أما جاكوب فيتَّخذ أسلوباً مسهباً. ومع ذلك، لعلَّك واجدٌ أنَّ هذا الكتاب مكتوب بإنكليزيَّة بدائيَّة نسبياً، وعبارات قصيرة تعبِّر عن المضمون المكنون في شيء من الإيجاز شديد. وبرغم من بساطة الأسلوب النثري، إلا أنَّه بارعٌ ومعبِّرٌ، ويدعو في الوقت نفسه إلى إغضاء عن بعض ما يظهر في القصة من تقصير. ولعلَّ الكاتبة قد أجرت بحثاً مستفيضاً في سبيل إنجاز هذه الرواية التأريخيَّة، حيث جاءت مصحوبة بالمراجع مثل الكرَّاسة البحثيَّة، لكنها ليست برواية أكاديميَّة لأنَّ قصَّتها تتخلَّلها تأمُّلات غير مشوِّقة ولا طعم لها في الرغبة في التيهان، وكيف أنَّ الأشياء الجميلة يمكن أن تخرج من الأوضاع السيئة.

ربما علينا أن نتوقَّف في نهاية الأمر لكي نقول إنَّ بيتينا قابه، التي وُلِدت العام 1971م، محاميَّة وكاتبة زيمبابويَّة شهيرة، حيث تكتب باللغة الإنكليزيَّة برغم من أنَّها تستخدم لغتها الأم، أي شونا، في الرَّسم الفني. وهي الحائزة على إجازة القانون من جامعة كيمبردج بإنكلترا، فبفضل تعليمها ومعرفتها بوطنها تجدنَّها مرآة صادقة لإبراز الصورة الحقيقيَّة عن موطنها. وقد تمَّ اختيار روايتها الأولى الموسوم ب"كتاب الذكريات" (2015م) في قائمة جائزة نساء بيليز للأعمال الخياليَّة. أما "الشجار النتن" (2017م)، التي هي عبارة عن مجموعة القصص القصيرة، فإنَّها لتفعل في العاصمة الزيميايويَّة هراري اليوم ما فعلته أعمال تشالز ديكنز الأدبيَّة لمدينة لندن في العهد الفيكتوري، وذلك بما تحمله هذه الأقصوصات من النوادر المستميتة والغضب المستفحل. والسيِّدة قابه تقيم في برلين، حيث حصلت على الزمالة في برنامج التبادل الألماني الذي تستضيفه مدينة برلين للفنانين من جميع الدول والأعمار. وفي العام 2016م تمَّت تسميتها الشخصيَّة الأدبيَّة الإفريقيَّة للعام نفسه بواسطة مجلَّة "بريتيل بيبر" الإلكترونيَّة. فعلاوة على الروايات إيَّاها، كانت قد نشرت من قبل "رثاء للشرقي" (2009م).



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الجيل الجديد أمام مسؤولياته 2020-09-20 21:30:26 بقلم : محمد عتيق نشأت أهم أركان الدولة السودانية الحديثة (الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية) على التقاليد البريطانية : من المجتمع المدني تنشأ الأحزاب السياسية التي تقود الدولة في ظل نظام ديمقراطي على نهج "وستمنستر" ، بينما (...)

الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية 2020-09-14 00:37:48 الفحم الحجري أحد الخيارات الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية المهندس صلاح النعيم من القناعة السائدة إدخال الصناعات التحويلية في المنتجات الزراعية والرعوية ليتم تصديرها مصنعة أو علي قدر متقدم من التصنيع بما يحقق (...)

ثم تقليعة التطبيع مع اسرائيل 2020-09-13 20:54:15 بقلم : محمد عتيق الإحساس بالمخاطر الكبيرة والمتشابكة التي تواجه ثورة السودان يقف خلف التسامي فوق الخلافات والاختلافات الفرعية والتركيز على ما يفيد تقدم الثورة ونجاحها وتقصير زمن النصر النهائي لها ، نرى النزعات الانانية ، (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.