الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 31 آذار (مارس) 2020

الصافي نور الدين.. النبيه الأعزل (2)

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : عبد الحميد أحمد

تكمنُ المأساة فيما يلقي الشيخ الصافي نور الدين وما لقى علي أيدي اليمينيين واليساريين بين الأمس واليوم، أن كلا المعسكرين ظلّ يجاهد أن يضرب في شخصه نقاء الفكرة، ومثال المؤمن الذي يأخذ كتابه بقوةٍ فلا يبدل تبديلاً، وبين أحوال الرضى والسُخط والقرب والنوى اتسع المجال في حياته لمطاردات واعتقالات ومنافي وأذى وتشهير.

هذا يذكّر بزميلٍ لنا شيوعي كان يُسِرُ لبعض خاصته أنه يخشى أثر الفرد الملتزم من هؤلاء الذين يعارضون نظام حكم عمر البشير بأكثر مما يخشى صولة وصولجان السلطويين من سقط الإسلاميين الذين ارتهنوا له يخبون في ركابه يمشون مكبين من خلفه ومن أمامه، كما عبّر عن هواجس تجاه المجتمع السوداني وهي ذات المخاوف التي ظل يعبر عنها اليسار السياسي في مناسبات شتى.

في سنوات منفاه بين الظلال الزُرق في غابات كينيا وأزاهرها ونجومها السوامق، بدا للشيخ أنّ وميض (الإنقاذ) كان محض برقٍ خُلّـب، مثلما تَرَاءتِ لتاج السر الحسن "المنارات التي شيدها أولُ مايو" ثم استبان أنها لم تكن لتهدي أرضنا النور والأزهار التي تهفو إليها، وإذا القتلى، ليست الأعادي، إنما الرفاق، جثثاً في صخرها الأزرق تشنق.

هكذا انتهي الشيخ في مراجعاته للأوبة الى أصل الحرية والمشيئة الطلقة التى أفصح عنها الترابي منذ العام (١٩٩٧) وقد بَرِئَ بالفعل من التصورات البائسة التي تربط انتصار الإسلام بمصادرة حرّيات النّاس وفرض الصلاة والصيام والحجاب بالقوّة، والرهان على المجتمع لا الدولة والتأكيد على حقوق الأفراد لا الواجبات، والتعددية لا الأحادية.

كانت الفكرة التي التفَّ حولها جملة الذين انعطفوا إلى جانب الشيخ الترابي يوم الفرقان: "أنّ الحريّة أصل في الدين وأن المجتمع المؤمن هو الأصل يؤدي غالب وظائفه، وما الدولة إلا بعد من أبعاده" اعتماداً على ذلك أطلق الشيخ الترابي، نحو منتصف العام 2000 ما يشبه الانتفاضة في كل أنحاء السودان وهي اللحظة التي يمكن أن نرصدها في رسالته "عبرة المسير فى اثني عشر السنين" لولا أنها خبت إذ لم تتجاوب معها القوى السياسية فيما أخذ أتباعه الذين ظنوا لأول مرة أن السفر قاصد يتسللون لواذاً يلتحقون بمعسكر السلطة، حتى أسلم خلفه التنظيم إلى الطاغية غداة الرحيل.

لو أتيح للشيخ الصافي نور الدين من خيارٍ، اليوم والأمس قبله، لأقترح عليهم: "أن يخلّوا بينه وبين الناس" وألقى بنفسه في قلب الصراع الفكري والسياسي، لما يؤمن به من قوة فكرته التي يجد أنها لا تحتاج لإكراه الناس وإنما تحتاج لطلاقة اختيارهم وقوة إيمانهم حتى لا يغدوا منافقين في الدرك الأسفل من النار!

لكن ذات هذه الفكرة ربما بعثت مخاوف عميقة لدى قوى اليسار السوداني الذي يظن أن ما يعرف "بالدولة العميقة" في مصر هو أمر معكوس في السودان حيث لا دولة عميقة ولا مؤسسات راسخة، وإنما "مجتمع عميق" شديد التمسك بقيمه ومبادئه الإسلامية، تلوح تلك المخاوف، متى دار النقاش حول ترتيبات ما بعد عمر البشير، منذ وثيقة "الفجر الجديد" ومداولات قوى الإجماع الوطني حول الدستور الانتقالي فترى تلك القوى السياسية تطلب فترة انتقالية لا تقل عن ست سنوات وهو ذات المطلب الذي فاوضوا عليه المجلس العسكري وألزمهم بالتنازل والقبول بمدى ثلاث سنوات انتقالية.

يحذر الحكماء في السودان اليوم أن تسود خطة التناسخ بين الناس، كل يريد أن ينسخ الآخر، إذ أنّ الطوفان سيغرق الجميع، على النقيض من ذلك استثمار الاختلافات ربما يولد تجربة ملهمة توفر سمات مشتركة ونموذج وأساس للسودان كدولة وبلد متنوع، ذلك دون الإضرار بقضية العدالة والحقوق في بلد متخلّف لا يزال أهله يموتون في كل يوم بالملاريا والبلهارسيا وأغلب الناس يعيشون تحت خط الفقر لا تهمهم الثأرات بين اليمين واليسار ولا يأبهون بالنقاش النخبوي الذى لا يلتفت لأولئك المتواجدين لسنوات فى معسكرات النزوح تحت البرد والشمس والمطر وفقدوا كل ما يملكون يجب أن تكون مثل هذه التحديات دافعاً للعمل على إيجاد صيغة تحفظ البلد وتتيح لكل صاحب طموح ورأى أن يعبر عن تطلعاته وأن يكون ما يريد.

منطقة المرفقات


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الثورة ؛ نتوءات ومراحل 2020-05-27 16:06:40 بقلم : محمد عتيق الذكرى الأولى لفض الاعتصام المجيد (رمضان/يونيو ٢٠١٩) تعانق الذكرى الثلاثين لاستشهاد كوكبة (رمضان/ابريل ١٩٩٠) ، ذكريات البسالة والفداء تراقص الغدر وتتوالى ، متفقةً على : رفض حكم الفرد/حكم الحزب الواحد/ (...)

البريطانيون يتمسكون بالسودان 2020-05-26 15:50:13 بقلم كلايد فارنزوورث الخرطوم ، 8 ديسمبر 1951 ترجمة: د. فيصل عبدالرحمن علي طه الكل بما فيهم المسؤولون البريطانيون بالسودان يقرون بلا تردد بأن القادة السودانيين كأفراد يتمتعون بالقدرة على الحكم الذاتي المستقل، ولكنهم - (...)

هل المجتمع الدولي جاد حقاً في دعم الحكم المدني؟ 2020-05-26 00:09:16 بقلم: خالد التيجاني النور khalidtigani@gmail.com (1) تستند حجة الداعين لإرسال بعثة سياسية أممية إلى السودان على فرضية أساسية أن وجودها ضروري ولازم لدعم الحكومة المدنية، سياسياً واقتصادياً وربما عسكريا كذلك لحمايتها (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.