الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 8 آذار (مارس) 2020

المشهد واتجاهات الصراع

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

الواقع الراهن بتعقيداته نتيجة منطقية للشراكة القائمة بين المدنيين والعسكريين والمعروفة عند الجميع بأنها ناتجة عن توازن القوة/الضعف بينهما ..

قوى الحرية والتغيير بمختلف مكوناتها هي قيادة الثورة التي فوضها الشعب ولجان المقاومة في الأحياء والمدن ، والطرف العسكري هو قيادات اللجنة الأمنية للنظام الساقط وقوات الدعم السريع (الجنجويد) .. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية والضائقة المعاشية الناجمة عنها هي التحدي الأبرز أمام الحكومة ، فإن ذلك التحالف الحكومي (المدني العسكري) قد توصل إلى تشكيل لجنة أزمة لدراستها ووضع الحلول لها برئاسة حميدتي ود. مريم الصادق مقررةً لها ..هذه اللجنة وبهذا الشكل تعبير حقيقي عن اتجاهات الصراع بين طرفي التحالف الحكومي ، ويبدو أن نجاح هذه اللجنة في مهامها قد تم إقراره مسبقاً ليكون نتاج ذلك النجاح هو : أولاً أن الجانب الأجدر بالحكم والمؤهل له هو الجانب العسكري ، وثانياً أن الانتخابات المبكرة هي المخرج لبقية أزمات البلاد ؛ حميدتي يمثل المكون العسكري ود. مريم الصادق ومن ورائها قيادة حزب الأمة هي الممثلة لخط الانتخابات المبكرة في المكون السياسي المدني ، بينما لجنة الأزمة الاقتصادية نفسها مكونة من كل أطراف القوى المدنية والعسكرية : الحكومة ، قوى الحرية والتغيير ، مجلس السيادة ، لتضفي شرعيةً على تلك النتائج الموضوعة مسبقاً..
هذا هو المشهد ونتائجه المتوقعة ، وتلك هي أطراف التحالف الحاكم ولجنة الأزمة الاقتصادية ، فما هي القوى أو الأسلحة التي تقف خلف كل طرف منهما ؟ :

** العسكري : خلفه النظام البائد بركائزه الاقتصادية والسياسية ؛ الاقتصادية هي كل القدرات السودانية الممثلة في المؤسسات الاقتصادية العملاقة التي لا تزال تابعة للقوات النظامية والأمنية المختلفة بعيداً عن ولاية الحكومة ووزارة المالية والاقتصاد ، وتختص بكل شيء.. والسياسية ممثلة في القوى التي تدعو لانتخابات مبكرة ومعها أنظمة الجوار الإقليمي التي يسوؤها/لا يرضيها/بل تخاف من نجاح ثورة شعبية في المنطقة تقود تحولاً ديمقراطياً تزدهر تحت ظلاله الحريات والعدالة والمساواة والعزة الوطنية ، فلمثل هذا النجاح عدوى "فيروسية" تخشى منها على انظمتها ، مصالحها وعروشها ، وهي تلتقي مع الدعوة لانتخابات مبكرة (بالنتيجة على الأقل) لأنها - الانتخابات المبكرة - لا تقود إلا إلى إعادة إنتاج نظام القهر والاستبداد ولو بألبسة مدنية ..

** المدني : (ق ح ت) ، خلفها الثورة وجموعها الشعبية وعلى رأسها لجان المقاومة ، أي "الشرعية الثورية" ، وهي السلاح الذي لم تستعمله القيادات السياسية التي أسلمها الشعب مقاليد الثورة حتى الآن .. من مخاطر هذا السلاح أنه يحتاج لتضحيات إضافية ولكنها ضرورية ولا مهرب منها لإعادة الثورة إلى مجراها التاريخي الصاعد نحو أهدافها بعزم وتخطيط عبقري ، ومن أهدافها الرئيسية تفكيك أجهزة وأسس وتنظيمات النظام الساقط وتصفيتها لمصلحة الشعب والوطن ، ثم انتزاع كافة المؤسسات الاقتصادية التابعة للقوات النظامية والأمنية ومليشيات الدعم السريع (الجنجويد) والتي تحرس النظام الساقط وحلفاءه ، وإعادتها كلها تحت سيطرة الشعب والثورة ممثلةً في حكومتها ووزاراتها المختصة ، وذلك بوسائل أكثر ثوريةً وحسماً من اللجان والأساليب المترددة التي تعمل بها لجان التفكيك الحالية ، فالتفكيك لا بد أن تصاحبه إجراءات عنيفة أو خشنة ولكن بتشريعات استثنائية ومؤقتة ، الشئ الذي يحدث في كل التجارب الانسانية ..

والشرعية الثورية ليست عنفاً كلها ولا ممارسةً للقوة المادية البحتة للشعب ، انها الإرادة والمواقف المسنودة بالشارع ، بالشعب وطلائعه المليونية التي تحاصر كإطار ، وعقوله السياسية المفكرة التي تباشر قيادة الدولة وروح الثورة في داخلها .. والواجب الرئيسي عند ممارسة الشرعية الثورية - فيما أرى - هو : التعجيل بتكوين الحكومات الإقليمية ورؤسائها من المدنيين (من صفوف قحت) ، والمجلس التشريعي الذي يتكون من ممثلين للجان المقاومة وقيادات من الأحزاب السياسية والنساء من مختلف الاتجاهات والتنظيمات ، مجلس تشريعي بسلطات كاملة بما فيها سلطة : إعادة النظر في الوثيقة الدستورية ، طول الفترة الانتقالية ، إعادة النظر في الحكومة وتشكيلها رئيساً وأعضاء ، والرقابة التامة عليها اداءاً وإنجازاً .. فالثورة في جوهرها تصفية ركائز النظام الساقط الاقتصادية والسياسية والأمنية وإعادة التأسيس ، الهيكلة ، والتأهيل على أسس وطنية بحتة ، بعيداً عن العصبيات السياسية والقبلية والعنصرية والمهنية أو الوظيفية ، فمثلاً اللجان الخاصة بتطهير وإعادة ترتيب وهيكلة وزارة الخارجية مثلاً ، ليست بالضرورة أن تكون فقط من دبلوماسيين وعاملين عليها ولا المختصة بإعادة تأهيل وتنظيم القوى العسكرية والأمنية أن يكون أعضاؤها كلهم من العسكريين ، ولا العملية التعليمية كلها معلمين وتربويين ، ولا العدلية كلها من القضاة والقانونيين ..الخ بل أيضاً من خبراء من السياسيين والمثقفين والمفكرين ..

الشعب الذي فجر الثورة وقدم ق ح ت وحمدوك لن يتراجع بل إن سقوط نظام القهر والاستبداد الاسلاموي ضاعف أشواقه لحياة عصرية وكريمة وزوده بقوة ساحرة تمنعه من التراجع عن بلوغ تلك الأهداف ، هذا الشعب جاهز بمليونياته المخيفة ولجان مقاومته الجسورة ، وأمام الحكومة وحاضنتها السياسية في ق ح ت استعمال هذا السلاح لتمضي الثورة إلى غاياتها المؤجلة ، فهي لا تعرف الفراغ ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الصافي نور الدين.. النبيه الأعزل (2) 2020-03-31 22:09:58 بقلم : عبد الحميد أحمد تكمنُ المأساة فيما يلقي الشيخ الصافي نور الدين وما لقى علي أيدي اليمينيين واليساريين بين الأمس واليوم، أن كلا المعسكرين ظلّ يجاهد أن يضرب في شخصه نقاء الفكرة، ومثال المؤمن الذي يأخذ كتابه بقوةٍ فلا (...)

مراجعة الحكومة للموازنة وسياساتها ليست ترفاً يمكن تفاديه 2020-03-29 23:46:59 بقلم: خالد التيجاني النور (1) تساؤلات بالغة الأهمية تطرحها الإفادات التي نقلتها وكالة السودان للأنباء الرسمية "سونا" عن الدكتور آدم الحريكة المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، التي أكد فيها سريان موازنة العام المالي 2020 (...)

"أطويل طريقنا أم يطول" 2020-03-29 22:37:18 بقلم : محمد عتيق أحوال ثورتنا وقيادة دولتها أصبحت مريبة .. التفسير المكرور بأن موروث الثلاثين عاماً من الدمار والنهب وتمكين أهل التنظيم والثقة في مفاصل الدولة ، تستحيل مواجهته بالإصلاح والتعديل في شهور قليلة ، هذا التفسير (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.