الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 19 كانون الثاني (يناير) 2020

جهاز الأمن والمخابرات ؛ إعادة هيكلة أم إعادة تأسيس ؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

الذي حدث يوم الثلاثاء ١٤ يناير ٢٠٢٠ الجاري ، والمعروف بأنه تمرد هيئة العمليات بجهاز أمن ومخابرات النظام البائد احتجاجاً على "ضعف مكافآت نهاية الخدمة" ، لهذا الحدث فوائد جمة في تنبيه الثورة والثوار (ق ح ت وحكومتها الانتقالية ولجان المقاومة) لمخاطر حقيقية تحدق بهم ، مخاطر تصنعها قوى الردة من بقايا النظام الساقط .. ومن بين قضايا مختلفة ، أثار الحدث من جديد قضية جهاز المخابرات ووضعه في العهد الديمقراطي ، وجاءت أغلب الأصوات مناديةً بإعادة هيكلة الجهاز !! بينما المطلوب (في اعتقادي البسيط) هو إعادة التأسيس على انقاض الجهاز سيء السمعة والسيرة ، وشرح ذلك يكمن في مقارنة الجهاز في العهد السابق من حيث تكوينه وعقيدته وطريقة عمل أفراده وبين الجهاز الذي نريد بناءه ، جهازاً للمخابرات الوطني في العهد الديمقراطي الجديد ..

كان هدف جهاز الأمن الساقط يتلخص ويتركز في حماية النظام والدفاع عنه بالقوة العسكرية ؛ في حالة المعارضة السياسية داخلياً اعتمد سلاح الاعتقال والتعذيب الشامل بغية التدمير النفسي والمعنوي والتشويه الجسدي وصولاً للقتل بحق السياسيين والنقابيين وعموم المعارضين له . وخارجياً جعل النظام من وظيفة "القنصل" في أغلب سفارات السودان وظيفةً أمنيةً يتعقب من خلالها المقيمين في الخارج ترغيباً وترهيباً وابتزازهم بواجبات الوظيفة الطبيعية في إصدار الجوازات والوثائق المختلفة وتجديدها ...إلخ .. عموماً ، كان جهاز الأمن والمخابرات هو وسيلة الحماية الذاتية التي أسسها انقلاب الإسلامويين فجاءت انعكاساً دقيقاً لطبيعتهم العدوانية الكافرة بالديمقراطية والدولة الوطنية والملكية العامة فتتحول الدولة عملياً وبأكملها إلى جهاز أمني في السلوك والتفكير وكافة المعاملات ، علماً بأن تربية أفراد الجهاز (في جانب هام) تقوم على الاستخفاف والاستهزاء بكل شيء وشخص والكفر بكل القيم .. من ناحية أخرى ، كان التجنيد للجهاز يتم على أساس عسكري جعل منه قوة نظامية بتراتبية عسكرية صارمة كالقوات المسلحة والشرطة ولكنها بصلاحيات إضافية في التجسس والاعتقال والقتل خارج إطار القانون ، وبموازنات مالية مفتوحة تطورت في عهد صلاح قوش إلى قوة اقتصادية عملاقة تحتكر تجارة المواد الأساسية ومختلف اعمال التشييد والتعدين والسياحة "وكل شيء في حياة الناس" ليصبح دولةً داخل الدولة ولتتطور ممارساته إلى عمالة علنية واتجار في أسواق المعلومات الدولية ..

هذا هو باختصار شديد أهداف وتركيبة وسلوك جهاز الأمن والمخابرات الذي ورثناه ، عقيدة بائسة لنظام فاسد ساقط ، بينما جهاز المخابرات الذي نريده لنظام - نسعى أن تكون ديمقراطيته مستدامةً ومدنية - يجب ان تكون في تركيبته وتربية أفراده صفات تعكس تلك الأهداف ، مرآةً للنظام الوطني الديمقراطي ؛ أن يكون جهازاً مدنياً في طابعه العام ، يتمتع أفراده بالذكاء والثقافة والتهذيب والإخلاص للشعب والوطن ، وتتركز مهامه في جمع المعلومات حول الوطن وهموم الشعب واتجاهات الرأي محلياً وإقليمياً ودولياً وتحليلها وتقديمها للحكومة مشفوعةً بالتوصيات والرؤى المحترفة .. فهل يمكن إعادة هيكلة ذلك لخدمة هذا ؟ طبعاً لا يمكن ، فالمطلوب ببساطة ووضوح هو بناء جهاز جديد على انقاض جهاز الإسلامويين الفاسد المستبد وفق أهداف الثورة وبعناصر تعبر عنها .. وهنالك عنصر مهم في الأمر وهو ما يتعلق بمصير المعلومات خاصةً الملفات المتعلقة بالسياسيين والنقابيين وعموم المؤسسات والأفراد والتي ترسم خارطةً لكل المجتمع .. ففي تجربة انتفاضةً أبريل ١٩٨٥ كان الخطأ ليس في مجرد حل جهاز الأمن وإنما ترك تلك الملفات والمعلومات إلى أن جاء انقلاب الإسلامويين ليجد كنزاً ثميناً من المعلومات المجانية ، وبنى عليه إمبراطوريته الأمنية المنحرفة .. (كان الضابط المقيم في بيت الأشباح الرئيسي عام ١٩٩٢ "أمجد مصطفى" يأتينا في الزنازين ليشتمنا مستعملاً المعلومات التي وجدها في ملفاتنا ومستمتعاً بذلك) ..

نطالب بحل جهاز الأمن والمخابرات وتسريح أفراده نهائياً وتسليم الاحزاب ومختلف التنظيمات الملفات الخاصة بأعضائها ، وبذلك نضمن تأسيس جهاز مدني للمخابرات العامة تتبع للحكومة المدنية وفي خدمة الوطن والمواطن ، وإلى ذلك الحين تستطيع لجان المقاومة سد الثغرة الأمنية بإبداع تام ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

" ونبقى درقة وطناً عزيز " 2020-05-17 21:03:08 بقلم : محمد عتيق الأحداث التي شهدتها أروقة تجمع المهنيين السودانيين مؤخراً ، ترتب عليها تمايز : علني في صفوف تجمع المهنيين ، وصامت بين الأحزاب السياسية داخل قحت .. وهذا التمايز الصامت بين الاحزاب السياسية داخل قحت ساهم في (...)

إدْوارد لِينو جَدَلُ العِلاقة بيْن جَنوب وشَمال السّودانْ في حَياةِ مُثقّفٍ ثَوْريٍّ (2-3) 2020-05-15 20:35:36 بقلم : ياسِر عرْمان (1) مِن ميزات إدوارد لينو؛ أنّه عاش في الشّمال ولاسيما ؛ في الخرطوم ليس كضيفٍ وغريب؛ بل تفاعل مع تنظيماتها السّياسية والثّقافية والإجتماعية. وفي حديثنا عنه؛ لانسعى لتمجيد الماضي؛ بقدر ما نتّخذه (...)

من يحمي أهل دارفور بعد خروج القبعات الزرق؟ 2020-05-13 21:09:09 بقلم : عائشة البصري منذ انتشار بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في إقليم دارفور في غرب السودان (يوناميد) في أواخر عام 2007، قُتل 64 جندياً وشرطياً من قوة حفظ السلام هذه، وجرح عشرات، جرّاء هجمات دامية. لم ألمس يوماً (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.