الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 20 حزيران (يونيو) 2021

حمدوك ؛ آن أوان الرحيل

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

مثل ملايين السودانيين تفاءلنا بالسيد عبدالله حمدوك رئيساً لحكومة الثورة ، وقبل ذلك اعتبرنا التفاوض مع المجلس العسكري (اللجنة الأمنية) أمراً مفيداً لاستقرار الوطن ، لاستكمال الثورة وضمان تدرجها ..

ومثلهم تفاءلنا بالأحزاب السياسية التي ائتلفت في إطار "قوى الحرية والتغيير" وقبلنا بها قائدةً للثورة ومرجعيةً لحكومتها الانتقالية وحاضنةً سياسيةً لها ،(وقد أيدناها في اختيار حمدوك) أن تمده بالخطط والبرامج وتسمية الوزراء لحكومته ..

وفي ذلك كنّا قد تنازلنا عن رؤيتنا الأساسية : أن يكون رئيس الحكومة سياسياً مناضلاً استضافته بيوت الاشباح مثلاً ، وأقبية التعذيب ، وقد خبرها تماماً و (خبر) مداخل ومخارج أهل النظام الساقط (شفت وصعلوك ، من باب المدح في صيغة الذم) ، وكذلك الوزراء أن يكونوا سياسيين ، كفاءات مهنية وحزبية في نفس الوقت حتى لو كانوا من حزب واحد ، المهم ؛ رجال ونساء ، مناضلين ومناضلات وذوي كفاءات (لا وقت ولا مجال للمحاصصات) ، وكان في ذلك ترسيخ عملي لما نفتقده من قيم الصدق والإيثار والثقة المتبادلة بين أحزابنا .. تنازلنا مؤقتاً عن أن نرى كل فاسد ومجرم من أهل النظام الساقط وحلفائه ومؤيديه (عقيدةً أو مصالح) ، أن نراهم خلف القضبان وقد انعقدت لهم المحاكم الثورية العادلة …. وغير ذلك من أحلام الثورة وشبابها ..
وفي كل ذلك لم نتوقف كثيراً أمام الأسئلة المنطقية الملحة : من أنت ومن الذي عمل بمكر وهدوء على تخدير الثورة وقواها من الشباب والأحزاب لتتلقف اسمه ورسمه أملاً وعنواناً للمرحلة دون سابق معرفة ، ولا عن الوزراء الذين جلبهم معه وفرضهم على الثورة بالضد من رغبة قوى الحرية والتغيير وترشيحاتها ..

ثم سكتنا على السلوك الأخطر بمعايير الارض والسماء ، معايير الدنيا والآخرة ؛ عندما أنكر (كذباً) معرفته بلقاء البرهان/نتنياهو وموضوع التطبيع .. وسكتنا كذلك على الانصراف عن تنفيذ التكليفات الدستورية بتكوين المفوضيات المذكورة في الوثيقة وتأسيس المجلس التشريعي و..و…الخ.. ثم على صمته واستسلامه للخروقات الدستورية ؛ أمام ناظريه راح المكون العسكري ، باسم المجلس السيادي ، يعبث بالوثيقة الدستورية وينتزع الصلاحيات من الحكومة ويتغول على كل شيء في تناغم واضح مع أرباب النظام الساقط ودولتهم الموازية وأحلامهم ، إذ هم ، وبعد أن اختفوا ذعراً أمام هدير الثورة ، خرجوا تباعاً على إيقاعات الضعف البائن والتردد المرسوم ..
وصمتنا لنتعلم منه كيف نخوض معركة شطب اسم بلادنا من قائمة الدول الراعية للإرهاب ، نتعلم كيف نخضع لبلطجة وابتزاز إدارة ترامب ؛ نشتري ملايين الدولارات من السوق الأسود فنصفع عملتنا الوطنية لسداد تعويضات لا علاقة لثورة وشعب السودان بها ، ونوافق على التطبيع مع الكيان الاسرائيلي/العنصري/المغتصب ونذهب في ذلك إلى حد إلغاء قانون مقاطعة "اسرائيل" دون وجه حق وفي فترة انتقالية لا سلطة منتخبة ولا برلمان ..

والسلام - جوهرة أهداف الثورة - والذي اعتقدنا أنه أصبح في متناول الأيدي ؛ إذ حركات الكفاح المسلح جزء أصيل في نسيج الثورة ، والأهل في مناطق الحروب وفي معسكرات النزوح واللجوء هم وجه الثورة المرسوم في شعاراتها " يا العنصري ومغرور ، كل البلد دارفور " .. هرب هذا السلام - أو تم تهريبه - إلى الخارج وخرجنا خلفه ، من عاصمة إلى أخرى في دول الإقليم ، جبهةً ثوريةً ، خالقين له مسارات لبقية أرجاء السودان بدلاً عن حركتين مقاتلتين أخريتين في دارفور وجنوب كردفان (عبدالواحد والحلو) ، وعاد ليخلق وظائف جديدة في مجلسي السيادة والوزراء وفي مجلسٍ جديدٍ جاء معه بإسم(شركاء الفترة الانتقالية) في محاولةٍ لإعطاء المكون العسكري شرعيةً في صفوف الثورة (وربما تدشيناً لتحالف إقليمي/قبلي بين قاتل ومقتول ، ربما) … بالصمت والاستسلام للخروقات اهترأت الوثيقة الدستورية ، وجاءت "إتفاقية السلام" لتقضي عليها فتسود وتعلو ..

والطرف الأهم في بناء الديمقراطية واستدامتها ، الأحزاب السياسية ، إزدادت ضعفاً على ضعف ، وتشرذماً على تشرذم .. فقد سبق له أن رفض برامج اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير وكل مقترحاتها بشأن دولة الرعاية الاجتماعية ( بل وأنكر استلامها ) مما خلق وضعاً غريباً ونادراً : أحزاب تتحالف معه وتكون جزءاً من حكومته بإسم قحت بينما أصبحت اللجنة الاقتصادية لقحت مركزاً من مراكز معارضته ومقاومة سياساته ..

ومع ذلك ظللنا على دعمنا للدكتور حمدوك على الأقل بالنقد الموضوعي البناء لكي لا تختلط الأوراق والمواقف .. فقد أشرنا إلى أنّ ضعف وتردد الحكومة قد أغرى أركان النظام الساقط ودولته الموازية أن تظهر وتكتسب جرأةً (لم تكن لها) وتنتظم في معارضة الثورة بكل إمكانياتها ونفوذها الاقتصادية والأمنية والمصرفية والإعلامية وفي الخدمة المدنية ، إلى أن أتانا السيد حمدوك بمطالب وشروط صندوق النقد والبنك الدوليين - مما لا نحتاج تفصيلها - والتي أحالت حياة الشعب والوطن إلى قطعة من الجحيم تفرض علينا رفع شعار تغيير رئيس الحكومة الانتقالية مدخلاً لاستكمال مهام التغيير الثوري ، وليس (إسقاط) كما تقول أبواق النظام الساقط ، وواضحٌ الفرق بين الدعوتين ..

فلتكن المليونيات ومسيرات الثوار (في 30يونيو 2021 وغيرها) للصعود بثورتهم ، ذات أهداف ومطالب محددة ، مرسومة بدقة ومتناسقة طرداً مع القوى والإمكانيات الذاتية المتوفرة : لا مانع من التعامل والتعاون مع المؤسسات الدولية والإقليمية ولا مع الدول الكبرى في أمريكا وأوربا ولكن دونما خضوع لشروط ، فقط بالسيطرة على مواردنا في ظاهر وباطن الأرض وقدراتنا الإنتاجية..

يا جماهير الثورة وقياداتها الشابة في لجان المقاومة .


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

روسيا واثيوبيا.. سلاح قديم قناني جديدة 2021-07-21 18:49:04 بقلم : امير بابكر عبد الله هل تحاول روسيا نفخ الروح في ترسانة اسلحة امبراطوريتها السابقة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، واستعادة بعض من نفوذها الذي جرفته تطورات اكثر من ثلاثة عقود أعاد فيها العالم رسم خريطته (...)

سيد فرح: أيقونة التاريخ المنسية (١-٢) 2021-07-19 00:13:57 ياسر عرمان (1) ولد سيد فرح على ضفاف النيل في ( دلقو المحس)، عام ١٩٠٠ م تقريباً ، والتاريخ مأخوذ من إحدى إفاداته، عند مولده كان على موعدٍ مع النيل والنبل والتاريخ ولقد صنع تاريخه بإزميل العمر وأنفق حياته في محراب الوطن. (...)

اتفاق جوبا ؛ أهو الطريق للسلام والتنمية ؟ 2021-07-18 18:49:41 بقلم : محمد عتيق السلام ليس مجرد هدف أو مطلب مثل كل أهداف الثورات الكبيرة ومطالب الهبَّات والانتفاضات الشعبية ، بل هو الأساس ، الأرضية ، القاعدة ، وهدف الأهداف الذي بدونه لا تنمية تتحقق ولا معنى لعدل ، لا شفاء لعلاج ولا (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

تصريح حول الجهود الجارية لترشيح الأستاذ أحمد حسين ادم لمنصب مفوض مفوضية السلام 2021-03-28 05:02:54 التاريخ : 13/ شعبان/1442 هـ الموافق :27 /03/2021 متجمع منظمات المجتمع المدني بالداخل و الخارج تصريح صحفي بناءً علي انتظام منظمات المجتمع المدني في مبادرة ترشيح الأستاذ أحمد حسين لمفوضية السلام وتداعي عدد كبير من (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.