الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 22 آب (أغسطس) 2020

حمدوك: الحل في تنوير الجماهير بالمؤتمرات الصحفية

separation
increase
decrease
separation
separation

صلاح شعيب

ما يزال رئيس الوزراء عبدالله حمدوك يتحاشى الدعوة لعقد مؤتمرات صحفية راتبة، ويفضل الحوارات الفردية مع قلة مختارة من الإعلاميين، والتي لا تطرح كل أسئلة الساعة الجوهرية. ولو أن المؤتمر الصحفي يعني تمثيلا للشعب ما دام هناك صحفيون يحملون همَه، وهُم صوته، فإن رئيس الوزراء بحاجة إلى سماع هذا الصوت، والرد الشافي عليه. لا أن يكتفي بالرد على أسئلة عرضت عليه مسبقا. فالمواطن، والثائر، يريدان معرفة عشرات المسائل التي لم تتكرم الزميلة الإعلامية الموظفة حكوميا بطرحها.

الحقيقة أنه مهما جلس حمدوك الساعات الطوال في مكتبه لإنجاز الملفات المهمة فإن ذلك لن يغنيه عن التواصل الضروري، والشفاف، والمستمر، مع الجماهير. فالقضايا الكبيرة التي ورثها كمسؤول عن البلاد تحتاج إلى مواجهة صريحة، وشفافة، بشكل دوري. ولا يكفي في زمان الإعلام الحديث الجائع للأخبار أن يعتمد الناس على التسريبات، خصوصا أن الحكومة ظلت مستهدفة من الفلول بالمؤامرات، وكادوا يسيطرون على توجيه الرأي العام بالشائعات، والتي تستمر لشهور دون أن نجد النفي من المسؤولين، أو التأكيد.

ولئن كانت الحكومة تركز على الإعلام التقليدي الذي يتراجع الاهتمام به، ولا وجود لها في الإعلام الإلكتروني، فإن الفلول استغلوا ساحة الإنترنت التي صارت مليئة بدس السم في الدسم. وغير الفلول وجدنا عامة الشعب لا تجد إجابات شافية لأسئلة موضوعية كثيرة عن قضايا الراهن، تلك التي تحتاج إلى إجابات واضحة، وشفافة، ومقنعة، عوضا عن الإجابات الإنشائية التي توجد الغموض أكثر من الإبانة.

وقد رصدنا عددا هائلا من المواقع الإلكترونية الجديدة المفخخة، والتي تقذف بثلاثة أخبار عادية. ولكن بعد الخبر الأول والثالث تدس خبرين محررين بذكاء إما ضد التغيير في أصله، أو الحكومة، أو حاضنتها المبعثرة.

لقد حاول المسؤولون عن الإعلام، ومستشارو حمدوك في هذا الخصوص تنظيم لقاءات مع رؤساء تحرير الصحف لتنويرهم بما يجري. ورغم انتقاد الكثيرين لهذه الخطوة كونها تجمع غالب الإعلاميين أنفسهم الذين كانوا يجلسون مع البشير فإن تلك المحاولتين تمت خلال ثلاث أشهر تقريبا، ولم تتكرر.

وفيما جاء لقاء حمدوك الأخير مع الإذاعة السودانية بدون وضع النقاط فوق الحروف، فإن المؤتمرات الصحفية المفتوحة التي عقدها حمدوك شحيحة جداً، وهذا ما يؤكد ضعف تواصله مع الجماهير. وحتى أيام محنة الكورونا استعصم بمكتبه دون أن يتواصل مع الناس كل خميس مثلا - وليس كل يوم - كما يفعل الكثير من قادة العالم. وكان وقتها لا يكلفه شيئا لو أن سجل في مكتبه مقطعاً من عشر دقائق ليري الناس همه بهم. ولكنه هكذا دس نفسه أيام الأزمة، وترك الأمر لوزير الصحة وحده في تنوير الجماهير. ولا ندري إن كان له مستشارون ينبهونه لأهمية تبيان هذه "الأريحية الإنسانية" نحو شعبه الذي كرمه أم أنه يستمع لهم في هذا الخصوص ثم يفضل قفل باب مكتبه عليه.

الملاحظ أن التسريبات والشائعات حول الحكومة تأخذ وقتاً طويلاً ثم تضطر هي للنفي، وأحيانا تتجاهل الأمر بالمراهنة على خصلة النسيان لدى الناس. وهناك أمثلة كثيرة يضيق الحيز بإجمالها، وكنا قد تناولناها في مقالات سابقة.

السؤال الجوهري هو: لماذا يتفادى حمدوك عقد مؤتمر صحفي أسبوعي - على الأقل - خصوصا أن الحس السياسي يتطلب ذلك، وتتطلبه أيضا الشفافية التي هي أس الحكم الرشيد، وكذلك يتطلبه إقناع الجماهير بأن الحكومة تسير نحو إنجاز أهداف الثورة؟ فوقاً عن ذلك فإن هذا التواصل الأسبوعي يطمئن المهتمين، والجماهير، على حد سواء، بأن الحكومة تدلق الحقائق نحو الشعب، وتستمع له عبر اهتمام ممثليه من الصحافيين الذين يطرحون كل الأسئلة الحيوية.

ولا يقتصر التهرب من المؤتمر الصحفي على حمدوك وحده. فمعظم الوزراء لا يهتمون به كأداة للتواصل مع الناس، وبالتالي صرنا لا ندري بالذي يجري في عمل الوزارات، وربما لو كان كل وزير يلتقي الصحفيين أسبوعياً لتمكن الناس من معرفة توجهاتهم نحو إعادة البناء، ومن ثم اعترفوا لهم بالتقدير. ولعلنا وجدنا أنه صَعُب على الصحفيين إيجاد صورة واحدة لبعض الوزراء المقالين ما يؤكد أنهم لم يستجيبوا لإجراء أي حوار صحفي، أو يردوا على أسئلة الشارع عن طريق المؤتمر الصحفي!

إن هناك وزراء أساسيين بحاجة إلى الظهور الإعلامي المنتظم للرد على استفسارات الناس. فوزراء الداخلية، والإعلام ،والخارجية، والمالية، بحاجة إلى مؤتمرات صحفية أسبوعية ليكاشفوا الجماهير في هذا الظرف الحرج نتيجة لتعلق اهتمامات الناس بشؤون الداخل والخارج الحيوية. وربما لو حدث ذلك لقلت حاجة رئيس الوزراء لعقد مؤتمر صحفي إلا في حدود عقده كل أسبوعين لإظهار اهتمامه الرمزي، والضمني، بمشاغل الناس.

ولكل هذا فإن اللقاءين الصحفيين لحمدوك مع قادة هذا الإعلام كان ترسيخا لهذا الهبوط الإعلامي الناعم ولذلك لم يسهم في تنوير الجماهير، كما ان حديثه مع الاعلام الحكومي لا يشفي الغليل. فالواجب الآن هو أن تكون لدى رئيس الوزراء مؤتمرات صحفية أسبوعية لتوضيح الحقائق للجماهير، احتراماً لها، وتحقيقاً لمبدأ الشفافية، ومحاصرةً للشائعات التي صارت سمة أساسية عند كل صباح.

والمطلوب أيضًا أن ينزل الوزراء إلى رغبة الناس بالتواصل المنتظم في شرح سياساتهم عبر مؤتمرات صحفية مفتوحة، وليست مغلقة على طريقة البشير. وذلك حتى يجد فيها الإعلاميون سانحة ممتدة لأداء عملهم في تبيين الحقائق للجماهير، خصوصا أننا نعيش في زمن الحرية، حيث يؤدي الإعلام دورا محوريا لترسيخها، وينور عامة الشعب بجدلها. وفي ذات الوقت يحمي هذا الإعلام بنقده، واستفساراته، الحكومة من الشائعات المغرضة التي تريد إفشال خططها.



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إزالة التّمكين أم إزالة لجنة التّمكين؟ 2020-11-22 18:12:47 ياسر عرمان ثورة ديسمبر؛ لن تساوي الدم الذي كتبت به إن لم تتمكّن من إزالة التّمكين!. إذا أردت معرفة نتيجة فحص الكورونا السّياسية لأي شخص وموقفه من الثّورة والتّغيير؛ أعرف موقفه من إزالة التّمكين أولاً. لايمكن بناء دولة (...)

فرص المراجعة التاريخية على ضوء ثورة ديسمبر والسلام في السودان 2020-11-17 07:00:52 ياسر عرمان قال البروفيسر السنغالى الشيخ أنتا ديوب، وهو واحد من أهم المؤرخين والمفكرين الثوريين الأفارقة، وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة السوربون فى رسالة حول اصول الحضارة الإفريقية السوداء القديمة لوادى النيل وقد اطلق (...)

الأزمة وآفاق المخرج 2020-11-15 19:55:48 بقلم : محمد عتيق حركات التغيير الكبرى ، الثورات العظيمة عبر التاريخ ، تتعرض دائماً للاختبارات القاسية ، تتوالى عليها المشكلات فتمسك بخناقها وتكاد تبعث اليأس في بعض أطرافها وجمهورها ؛ مشكلات موضوعية تبرز من الواقع ومن (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.