الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 20 آذار (مارس) 2021

خطاب "ما أريكم إلا ما أرى" الاقتصادي للحكومة الانتقالية (3)

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : حسام عثمان محجوب

أما عن الاقتصاد تحديداً، فلو كانت الأرقام فيه محايدة، لما شهدنا هذه المدارس المختلفة، ولما شهدنا الأزمات الاقتصادية والمالية المتعاقبة في العالم وفي الدول الرأسمالية تحديداً، باعتبار أن من يتحدث عن علمية الاقتصاد وحيادية الأرقام مقتنع في الغالب بأن النظام الرأسمالي السائد اليوم هو الحل. أضف إلى ذلك أن الخلاف الحالي في السودان حول طبيعة التوجه لا ينقسم فيه القوم إلى اقتصاديين إزاء سياسيين آيديولوجيين. ففي كل معسكر يوجد كبار وصغار الاقتصاديين، كما يوجد أصحاب المهن الأخرى، وهذا وحده دليل كافٍ على أن الاقتصاد ليس علماً قطعياً كالعلوم الطبيعية، حتى لو غضضنا النظر عن أن العلوم الطبيعية نفسها، بما في ذلك التكنولوجيا، تفارق الحياد حينما تتنزل إلى مستوى الممارسة والتطبيق.

الحديث عن البراغماتية وكأنها اكتشاف جديد مضاد للآيديولوجيا، تولى قصب السبق فيه الدكتور حمدوك، حيث استخدمها جماهيرياً في لقائه التلفزيوني الأول بعد تكليفه حين استضافه الأستاذ فيصل محمد صالح - قبل تعيينه وزيراً. الآيديولوجيا ليست تهمة، والبراغماتية هي نفسها آيديولوجيا، من حيث إن الآيديولوجيا بصورة مبسطة هي نظام معرفي للنظر للعالم وتفسيره. الآيديولوجيا في خطاب الدكتورين حمدوك والبدوي تحمل مدلولاً سالباً، وكثيراً ما تكون بغرض التلميح بأن معارضي برنامجهما هم إما شيوعيون أو اشتراكيون، وبأن هذه المدارس والتجارب التاريخية هي بالضرورة فاشلة، لا تستحق النقاش، ويجب ألا يضيع معتنقوها زمن الشعب السوداني في الدفع بها أو الدفاع عنها.

براغماتية الدكتورين، ومعهما برنامج الحكومة، هي في الحقيقة إيمان مطلق بالنظام الرأسمالي، وبالآيديولوجيا النيوليبرالية. من حق كل شخص أن يتبنى الرأسمالية أو النيوليبرالية، ولكن ليس من حق أحد أن يرمي الآخرين بالتحجر وعدم الفهم، لاختلاف طريقة رؤيتهم للعالم. تتجلى آيديولوجية الدكتور البدوي مثلاً في اختياره للدعم السلعي وتعدد أسعار الصرف، كأهم تركتين لنظام الإنقاذ، وعدم اختياره للفساد، أو لخصخصة مؤسسات الدولة لمصلحة أنصار النظام، أو لتدمير القطاعات الإنتاجية، أو للصرف غير المتوازن على القطاعات الدفاعية والأمنية على حساب الخدمات والتنمية، أو لعدم العدالة في توزيع الدخل والفوائد الاقتصادية بما فيها الإعفاءات الجمركية والضريبية، أو لجموح التضخم الناجم عن الإفراط في طباعة العملة لتمويل عجز الموازنة المتفاقم. رغم ذكر البدوي لعدد من هذه القضايا في مواقع مختلفة، إلا أنه يعلم أن تفسير ومعالجة كل واحدة منها تتطلب رؤية مختلفة عن رؤيته وبرنامجه، ولذلك فإن إبرازه للدعم وأسعار الصرف فقط هو نتيجة منطقية لآيديولوجيته، براغماتيةً كانت أو نيوليبراليةً.

ما صنع الحداد.. أو يدا الحكومة

يتبع هذا الحديث عن البراغماتية والآيديولوجيا اتهامات مباشرة للجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير بقصور الرؤية، وعدم المرونة، وعدم الفهم الاقتصادي، وتغليب السياسة، والتمسك بشعارات عفا عليها الزمن، والتسبب في تعطيل العمل بالبرنامج الاقتصادي، والتشاكس، وتحميلها مسؤولية الوضع الاقتصادي المزري الذي وصل إليه الوطن.

وللأسف فقد صاحب هذا الحديث المكرر كذب صريح من السيد رئيس الوزراء، كما ظهر في نقاش ميزانية 2020 أواخر عام 2019 حين اتفق د. حمدوك مع اللجنة على تعديل الموازنة، ثم أجاز في اليوم التالي موازنة أخرى مختلفة. ويبدو هنا أن كلاً من الدكتورين يودان أكل الكعكة والاحتفاظ بها في نفس الوقت، فبرنامج الدكتور البدوي قد تم تطبيقه فعلياً بدون إعلان بنوده الكبيرة جماهيرياً، كما أن رئيس الوزراء له من العلم والخبرة والسلطات (والدعم الجماهيري أيامه الأولى)، ما يجعله قادراً على اتخاذ القرارات المناسبة، وإقناع أصحاب المصالح المختلفين بها، ولكنه هو وطاقمه اختاروا عدم مكاشفة الشعب، وتمرير السياسات عبر إخراج رديء للمؤتمر الاقتصادي، الذي كان من الممكن أن يكون منصة انطلاق مناسبة للنهوض بالاقتصاد لو أرادوا ذلك.

من ناحية أخرى، فقد أوضح عدد من أعضاء اللجنة وقياديي أحزاب قوى إعلان الحرية والتغيير - بغض النظر عن تفككها - مثل د. صدقي كبلو والبروفيسور أحمد حامد القياديين بالحزب الشيوعي، بوضوح شديد لا لبس فيه، أنهم لم يرفعوا شعار "لن يحكمنا البنك الدولي"، وأنهم يعتبرون أننا كأعضاء في المجتمع الدولي ومنظماته، من حقنا أن نستفيد من عضويتنا فيها، ومن بينها البنك وصندوق النقد الدوليين، إلا أنهم أوضحوا أن اختلافهم مع برنامج البدوي والحكومة، سببه أنهم يرون أننا يجب أن نتعامل مع هذه المنظمات باستقلالية، وبمعرفة لما نريده منها، وكيف نحصل عليه منها بما يراعي ظروفنا وواقعنا.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

هلا عدنا إلى نقطة البداية 2021-04-18 18:20:31 بقلم : محمد عتيق وضع رئيس الفترة الانتقالية خطوطاً لبرنامج حكومته وجعل من الموافقة عليها بالتوقيع شرطاً للانضمام إليها ! أي أن من رشحتهم قحت (مجازاً) لعضوية الحكومة لا يعتمدهم السيد حمدوك وزراء عنده إلا إذا وافقوا على (...)

الموكب النسوي -لا يمكن الاختباء من رياح التغيير 2021-04-15 18:04:42 بقلم : هالة الكارب السودان بلدٌ شديدُ التسيُّس والاستقطاب، بلدٌ يعشَقُ أهلُه النقاشات والجدل؛ ما كان ولايزال مظهرًا يوميًّا في حياتنا، رجالًا ونساءً. إلَّا أنَّه ورغم كثرة الكلام وعشق النقاش الذي أثرى مجتمعاتنا، يظل (...)

فلنتواجه 2021-04-12 19:08:45 بقلم : محمد عتيق الآن ، الآن ، أصبح لزاماً علينا مواجهة الواقع كما هو ، كما هو ، خاصةً بعد أن : •• أصبحت الحياة جحيماً حقيقياً في بلادنا دون أسباب منطقية لقسوتها هذه سوى أنها نتاج للسياسات الاقتصادية المعادية للوطن (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

تصريح حول الجهود الجارية لترشيح الأستاذ أحمد حسين ادم لمنصب مفوض مفوضية السلام 2021-03-28 05:02:54 التاريخ : 13/ شعبان/1442 هـ الموافق :27 /03/2021 متجمع منظمات المجتمع المدني بالداخل و الخارج تصريح صحفي بناءً علي انتظام منظمات المجتمع المدني في مبادرة ترشيح الأستاذ أحمد حسين لمفوضية السلام وتداعي عدد كبير من (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.