الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 22 آذار (مارس) 2020

طريق مسدود، فما البديل؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : خالد التجاني النور

(1)

تزايدت في الآونة الأخيرة على نحو مثير للقلق حمى التصريحات وحرب البيانات بين مكونات قوى الحرية والتغيير في قضايا شتى ازدحمت بها الأسافير المفتوحة على مصاريعها لتلقفها على عجل دون أن يُتاح سبيل لمرورها عبر أي من آليات التدقيق المهني الذي كانت تحظى بها الأخبار في عصر الإعلام التقليدي، وقبل ذلك للصلاحية السياسية، فاختلط الحابل بالنابل فلم يعد يسيراً معرفة صدقيتها من زيفها، غير أن الثابت في كل الأحوال أنها تفعل فعلها في صناعة وتشكيل الرأي العام دون تبصّر في عواقب ذلك وسط أجواء مضطربة مشحونة وتحديات مصيرية بالغة الخطورة تواجه البلاد.

(2)

قد يكون مفهوماً لو أن هذه التصريحات المتضاربة، والبيانات المتناقضة تصدر عن مجرد معلقين من هواة على هامش المشهد السياسي ممن أتاحت لهم ثورة الاتصالات نشر تعليقات بغير حساب، فضررها قد يكون محدود التأثير وأن لا تخلو أحياناً من التشويش بترويج بعض الخزعبلات، ولكن من غير المعقول ولا المقبول أن يكون من يتصدر لإثارة البلبلة وسط الرأي العام من هم في موقع المسؤولية أو في المواقع الحزبية الرفيعة لا سيما من قادة ائتلاف قوى الحرية والتغيير المفترض أنهم في سدة القيادة تمثيلاً للحراك الثوري الذي أنجز التغيير، وتنتظر قواعد الثورة أن ترى على يديها ثمرة على أرض الواقع لشعاراتها الكبيرة المعنى، “حرية .. سلام وعدالة”.

(3)

وقد صدرت في اليومين الماضيين على سبيل المثال بيانات وتصريحات تحمل مضامين غاية في الخطورة، أسهمت بلا شك في رسم صورة قاتمة للأوضاع في البلاد مبددة للأمل، صحيح أن الناس عامة يكابدون أحوالاً بالغة الصعوبة في معاشهم وإدارة الحد الأدنى من شؤون حياتهم، ويصابرون من باب التفهم للتحديات المعقدة التي تجابه أجندة الانتقال، ومن باب الأمل أن هذه أوضاعاً طارئة من الممكن تجاوزها بنجاح متى ما توفرت القيادة ذات الحظ من القدرة على الرؤية والإرادة والإدارة، وحشد العقول والجهود نحو هدف مشترك. ويستطيع الناس التعايش مع كل المصاعب مهما بالغت طالما يرون ضوءًا في نهاية النفق، بيد أن الخطورة الحقيقة تكمن عندما يفقد الشعب الثقة في قدرة القيادة على بث روح الأمل.

(4)

صدر بيان باسم السيدة مريم المهدي تنعي فيه “الآلية العليا لمعالجة الأزمات الاقتصادية” التي أعلن عن تشكيلها في وقت سابق من هذا الشهر بعد اجتماع رفيع لترويكا الانتقال بمكونيها المدني والعسكري، حيث أعلنت انسحابها من عضوية الآلية ومن تكليفها بمهمة المقرر وانتهت إلى القول بعد سرد لحيثيات وصفت اللجنة بأنه في حالة موت سريري إنها لا تريد أن تكون “شريكة في أي خداع أو تسويف للشعب السوداني”، وهذا اتهام غليظ للجنة مشكلة من عضوية رفيعة المستوى.

وأردت صحيفتنا “السوداني” الجمعة تصريحا للناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي طالب بإعادة هيكلة قوى الحرية التغيير ومناقشة الشراكة مع المكون العسكري الذين اتهمه باختطاف قضية السلام، وخرج رئيس حزب المؤتمر السوداني في تصريح يشكو من أنهم لا يعلمون الجهة التي تحدد التعيينات في الوظائف القيادية بالخدمة المدنية ولا الكيفية، ملمحاً إلى أنه إعادة لسياسة التمكين.

أما التجمع الاتحادي فخرج ببيان مشيراً إلى “مؤامرة” مشتركة بين مدنيين وعسكريين في مجلسي السيادة والوزراء لفرض سيناريو “مساومة” مع “مكونات النظام البائد”.

(5)

ما كانت هذه التصريحات والبيانات المتناقضة لتشكل مصدر ازعاج لو لم يكن أطرافها هم شركاء في “ائتلاف قوى الحرية التغيير” الذي حصّنت الوثيقة الدستورية مهمته ودوره كقائد وضامن لتحقيق أهداف الثورة، وبالتالي فإن تماسكه ووحدة مواقفه شرط لازم لتنفيذ استحقاقات التغيير المنشود، غير أن الخروج للرأي العام بهذه المواقف الحزبية المنفردة والمتناقضة ترسل إشارة واضحة أن العمل المؤسسي داخل أجهزته لم يعد موجوداً فعلياً بهذه الصفة، وأن تفككه أصبح أمراً واقعاً، ولذلك تبعات أدناها أن المعادلة التي صنعت ترتيبات الانتقال الراهنة بكل هياكلها قد وصلت إلى طريق مسدود، فما البديل؟.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

رئيس الحكومة ووزير الاعلام 2020-04-05 22:48:46 بقلم : محمد عتيق كان الأسبوع الماضي موعداً مع حراك جيد تمثل في حدثين : التئام عمل لجنة تفكيك التمكين وتصاعد وتيرة عملها بالإعلان عن بعض انجازاتها الهامة ، وبينما الناس في فرح واستبشار بذلك الحدث أطلق رئيس الوزراء الدكتور (...)

المصالحة الإنسانية والمصالحة الوطنية 2020-04-03 20:40:31 بقلم: إبراهيم منعم منصور تتبعت منذ فترة الحديث عن المصالحة بين المكونات السياسية بما فيها الحركة الإسلامية وفرعا الحركة: الوطني والشعبي. وإذا كان بعض الإسلاميين قد همس بذلك فقد جهر وأسهب في الأمر الدكتور الشفيع خضر في (...)

الْحَوْراني والطّيار 2020-04-03 10:50:37 أطِبّاء السّودان يازارعِي الرَياحِين حولِ بِلادِنا ياسِر عرْمان (1) مسح اللورد كتشنر شاربه الكثّ وقد انتابته بعض الحيرة ، بعد ان أعاد تشغيل هاتفه الذّكي ، الذي إنطفأ منذُ حادثة غرق السفينة المشئومة في 5 يونيو 1916، والتي (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.