الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 23 شباط (فبراير) 2021

في مكتبة المصوَّرات بالخرطوم.. جنوب السُّودان.. انتفاض مواطني المناطق المقفولة (2 -6)

separation
increase
decrease
separation
separation


الدكتور عمر مصطفى شركيان
shurkiano@yahoo.co.uk

وفي عهد التركية-المصريَّة في السُّودان (1821-1885م) خُضعت أقاليم جنوب السُّودان للإدارة الخديويَّة فقط في الفترة ما بين الستينيَّات والسبعينيَّات من القرن التاسع عشر. بيد أنَّ الدولة المهديَّة (1885-1898م) لم تستطع السيطرة عليها وإخضاعها تماماً. فبرغم من أنَّ إقليم بحر الغزال كان قد استسلم للمهديَّة في مستهل العام 1884م، غير أنَّ حاكمه التاجر الدنقلاوي كرم الله محمد كركساوي قد سحب جنوده من الإقليم في تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1885م في سبيل محاربة البقارة الرزيقات في دارفور بعد تمرُّدهم بُعيد وفاة المهدي. ومنذئذٍ خرج بحر الغزال من سيطرة المهديَّة. أما المديريَّة الإستوائيَّة، من جانب آخر، فقد كانت بعيدة عن مركزيَّة الدولة المهديَّة. إذ كان حاكمها الدكتور أمين باشا (إدوارد شنيتزر)، وهو الذي كان ألمانيَّاً من أصول يهوديَّة، هو آخر الأحياء من الموظَّفين الأجانب الذين عيَّنهم الخديوي إسماعيل. وقد ظلَّ راكزاً في المديريَّة برغم من التمرُّد الذي تزَّعمه بعض الجنود المصريين، وتصدِّيه لمحاولتي الغزو بواسطة القوَّات المهديَّة في العامين 1885م و1888م، حتى أنقذه هنري مورتون ستانلي بالقوَّة العام 1889م.

بيد أنَّ القوات المهديَّة الغازية التي وصلت إلى المديريَّة الإستوائيَّة العام 1888م نجحت فقط في إنشاء حامية في الرجاف، والتي ظلَّت تعاود اتصالاتها المتقطعة مع مركز الحكومة المهديَّة في أم درمان عن طريق الباخرة. مهما يكن من أمر، فإنَّ المهدويين أمسوا يسيطرون فقط على الخط النهري، وكانوا يتعرَّضون دوماً إلى تحدِّي من قبل جنود الحكومة التركيَّة-المصريَّة السابقة الذين رفضوا الجلاء مع ستانلي، وكان يقودهم فضل المولى محمد، وهو ذلكم الضابط السُّوداني من أصل جنوبي. أما الأمير المهدوي الذي وصل هو الآخر إلى الإستوائيَّة فهو الحاج محمد عثمان أبو قرجة، وهو الذي كان قد أرسله الخليفة عبد الله التعايشي إلى هناك لأنَّه لم يثق فيه، ومن ثمَّ كان ابتعاثه إلى الإستوائيَّة كنوعٍ من النفي بعيداً عن أم درمان ما أمكن ذلك. وفي الحق، كان الخليفة قد أمر ثلة من البقارة الذين اصطحبوه إلى الرجاف باغتياله حالما لاحت لهم أوَّل سانحة. مهما يكن شيء، فقد اكتشف أبو قرجة المؤامرة، ونجح في الهروب إلى جبال النُّوبة.

فبرغم من هذا التواجد الرمزي، إلا أنَّنا لا نستطيع أن نزعم قولاً أنَّ الإستوائيَّة أمست جزءاً من الدولة المهديَّة. بناءً على ذلك، "وعقب إعلان الاستقلال استقبل السيد عبد الرحمن المهدي قيادات الحكومة القوميَّة (الحكومة التي أنشئت بعد إعلان الاستقلال)، وكان من بينهم رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري، ووزير الدفاع عبد الله خليل، ورئيس حزب الأمة صديق المهدي مع نخبة من زعماء الجنوب. ففي ذلك الاجتماع سأل السيد عبد الرحمن المهدي ستانسلاوس بياسما "ما الذي يريد الجنوب؟" قال بياسما "الجنوب لا يريد أكثر من أن يحكم نفسه بنفسه في ظل سودان موحَّد". التفت السيِّد الحكيم إلى رجالات السياسة والحكم من الشماليين قائلاً: "لقد عجزت التركيَّة عن قهر الجنوب، وعجز أبوي المهدي عن السيطرة عليه، ولم يتمكَّن من السيطرة على ذلك الإقليم إلا البريطانيُّون بالكاد. أذهبوا وأعطوهم ما يطلبون".

وقبيل استقلال السُّودان، أي أثناء المحادثات التي جرت بين بريطانيا ومصر في شأن الحكم الذاتي وتقرير المصير في السُّودان، وبخاصة في الجلسة الثانيَّة في يوم 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1952م، "تمسَّك الجانب البريطاني بضرورة استثناء جنوب السُّودان من تحديد سلطات الحاكم العام منها، حيث أنَّ للجنوب أوضاعاً خاصة لحساسيَّة العلاقات بين أهل الجنوب وأهل الشمال، وأنَّ حكومة السُّودان منذ توليها السلطة في السُّودان كانت حريصة على حماية أهل الجنوب من أهل الشمال (ضد الاستغلال)." ومنذئذٍ برزت كلمة أقليَّة بالنسبة لأهالي جنوب السُّودان، وامتدَّت لتشمل بعض الكيانات الرئيسة في نسيج المجتمع السُّوداني، وهم كلهم أجمعون أكتعون من شعوب وقوميَّات سكان السُّودان الأصلاء، مما يقدح في وطنيَّتهم وحقوقهم السياسيَّة والمدنيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة.

ففي الحين نفسه "أشار الجاب البريطاني (في المحادثات إيَّاها) على سبيل التحذير أنَّه يعتقد أنَّ هناك اضطرابات قد تقع في الجنوب إذا لم يكن للحاكم العام بعض السلطات لحماية الجنوب، ثمَّ أشار إلى أنَّه يجب الرجوع للحكومة البريطانيَّة للموافقة على هذه الاقتراحات." وما أن استؤنفت الاجتماعات حتى تشعَّب الحديث حول نقاط الخلاف الرئيسة، وتمسَّك الجانب البريطاني بضرورة النص على اختصاصات إضافيَّة للحاكم العام في جنوب السُّودان لأنَّ المعلومات (كانت قد) وصلت للجانب البريطاني بأنَّ المديريَّات الجنوبيَّة قلقة أشدَّ القلق من ناحية وضعها.

وللمقال بقيَّة،،،



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في مكتبة المصوَّرات بالخرطوم.. جنوب السُّودان.. انتفاض مواطني المناطق المقفولة (2 -6) 2021-02-23 18:44:30 الدكتور عمر مصطفى شركيان shurkiano@yahoo.co.uk وفي عهد التركية-المصريَّة في السُّودان (1821-1885م) خُضعت أقاليم جنوب السُّودان للإدارة الخديويَّة فقط في الفترة ما بين الستينيَّات والسبعينيَّات من القرن التاسع عشر. بيد (...)

أحمد حسين آدم أقوى المرشحين تأهيلا لقيادة مفوضية السلام 2021-02-22 14:33:15 الخرطوم 21 فبراير 2021 بعض منظمات المجتمع المدني، والناشطين، في مجال تعزيز أجندة صناعة وبناء السلام ترشح المناضل أحمد حسين آدم لقيادة مفوضية السلام استنادا للتأهيل العالي والميزات الرفيعة التي يحوز عليها، فهو من أوائل (...)

حول تعويم سعر الصرف 2021-02-22 12:17:04 بروفيسور إبراهيم البدوى ابتداءً أهنى حكومة الثورة على اتخاذ هذا القرار الهام ولكن لابد أيضاً من التحسب لمخاطره كما سأوضح أدناه. نظام سعر الصرف "المعوَم" هو أفضل خيارٍ متاحٍ لإعادة التوازن للعملة الوطنية وتقليص العجز (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.