الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 3 أيار (مايو) 2020

قحت وراهن المشروع الوطني

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

ترد من وقت لآخر إشارات متقطعة تتحدث عن غياب (مشروع وطني) دون أن تحدد مفهوماً له أو لعناصره وكنهه رغم أنه موضوع مهم وأساسي يجب الحديث عنه وإدارة حوار وطني مسؤول حوله .. ابتداءاً نتساءل ؛ هل المشروع الوطني كائن ثابت يرسم لنا الأهداف ، أم هو متحرك ومتطور يأخذ شكل المطلوب كمشروع مرحلي يمثل خطوة في اتجاه المستقبل ، كحلقة من حلقات المشروع الكبير ؟ ..

ثورة ديسمبر الجارية في البلاد ، ومنذ لحظة اندلاعها ، حددت المشروع الوطني : المرحلي ، في شعار "تسقط بس" ، والعام في "حرية ، سلام وعدالة" هكذا بتلخيص دقيق .. "تسقط بس" كان اعلاناً بحدوث اصطفاف وطني تاريخي بين القوى الداعية للسلام والوحدة الوطنية والتحول الديمقراطي والتنمية الشاملة في ناحية ، وفي الأخرى قوى الدكتاتورية والعنف والتمييز العرقي والديني .. ومع ذلك ، وبحكم الطبيعة المتحركة للتاريخ وللمجتمع ، فإن ذلك الاصطفاف يبقى متحركاً ولكن في إطار فرعي ، فالرئيسي هو الاصطفاف الكبير الذي حدث ، بمعنى أن شعار/هدف "تسقط بس" قد تحقق بشكل عام وأن المسيرة ستتكفل بإكمال عملية السقوط لأن هذه القوى - قوى الخير والتقدم - ستشهد غربلةً مستمرةً تلفظ بموجبها الأطراف غير الأصيلة من صفوفها .. وكذلك ستشهد قوى الطرف الآخر من "الاصطفاف"، قوى التخلف والدكتاتورية والعنصرية ، تحولات في صفوفها ، إذ أن أغلب قواعدها هم من ابناء الشعب البسطاء المخدوعين بالشعارات الكاذبة لهذه القوى والمتفاعلين مع خططها وإجراءاتها العنصرية ، ولكن ، وتحت تأثير الثورة وإشعاعها ستبدأ تلك القواعد في الاستفاقة من غيبوبتها والانتقال إلى خندقها الطبيعي، خندق مصالح الشعب والوطن ومستقبل أجياله القادمة ..

أما الجزء العام من المشروع الوطني الذي لخصته الثورة في (حرية ، سلام وعدالة) ؛ هل هو مواجهة الأزمة الوطنية الشاملة أم هو النهوض بصحة المواطن والبيئة وبالتعليم ، وكلها تحت إشراف الدولة وتمويلها ؟ أم هو إشاعة السلام وتصفية أسباب الحروب والنزاعات على طريق المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ؟ هل هو زيادة الإنتاج وتنويعه وأن تكون القوة الشرائية لعامة الناس عالية ؟ أم هو المؤتمر الدستوري الذي تشارك فيه كل القوى لتصيغ دستوراً يؤسس للديمقراطية المستدامة والتنوع والتعددية السياسية واستقلال القضاء وسيادة حكم القانون وحرية البحث العلمي ، أي كعقد جديد تعيد به تأسيس الوطن لمصلحة كل مواطنيه وأقاليمه ؟ .. أم .. أم .. ؟

هي ، في الحقيقة ، جماع كل ذلك وأكثر ، والذي يحول بيننا وبين ترتيبه وصياغته والتقدم نحوه هو هذا الشلل والتخبط الذي تعيشه قيادة الثورة ، والذي يزيد الأمر مشقةً وتعقيداً هو أن هذا الوضع في خندق الثورة (الشلل والتخبط) صار يغري النظام الساقط وأنصاره بالبروز والعمل العلني ضد الثورة ومحاولة استقطاب البعض من صفوفها قبل الأوان (أوان سقوطها) ولذلك أصبح المشروع الوطني الحالي للثورة محصوراً في قيادتها نفسها " قوى الحرية والتغيير" التي تعاني من آثار التنافس الذاتي بين أطرافها ؛ لم نتعلم بعد ان فعل الإنجاز الجيد أهم من الفاعل ، أن نمسك بالفكرة النيرة غض النظر عن مصدرها ، أن تكون لدينا مقدسات في اتفاقاتنا ولوائحنا ، أن نقدم فينا الأقدر والأنسب .. كل أطراف قحت تنادي بالإصلاح ، مواضع الخلل ظاهرة ومعروفة ، والجميع يطالب بالإصلاح ، حتى المعنيين بالإصلاح ينادون به ، ومنهم من يلوح ، ويا للأسف ، بانقلاب عسكري محتمل على الثورة !! .. استمرار المشروع الوطني للراهن هكذا محصوراً في واقع قحت يعني أن الصف الأول لقيادات بعض أحزابنا فاشلة ومتقاصرة عن هامة الثورة بشهدائها وقيمها وأهدافها ، نفد الوقود وتراجعت القدرة على التعاطي مع اعلان الحرية والتغيير والوثيقة الدستورية وما تفرضانه من تبصر وعطاء وأن الوطن أسمى مقاماً من التناقضات والخلافات الجانبية ، ولن يكون أمامها سوى الانسحاب وتقديم من يلونها للقيادة أو أن الثورة ستستأنف اشتعالها أكثر تصميماً وعزماً ولا مكان لا للانقلاب العسكري ولا للإسلام السياسي في أرض السودان ومعتقد شبابه الجديد ..



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

أقدار السودان.. تأملات في رحيلهم 2020-11-26 20:11:09 بقلم : العبيد أحمد مروح الذين يعتقدون أن البشر وحدهم هم القادرين على التحكُّم في مصائر أممهم وشعوبهم وعلى التأثير في مجريات مساراتها الرئيسية، دون أن يكون للأقدار دخل في ذلك ، ليسوا معنيين بمواصلة قراءة هذا المقال. ففكرة (...)

إزالة التّمكين أم إزالة لجنة التّمكين؟ 2020-11-22 18:12:47 ياسر عرمان ثورة ديسمبر؛ لن تساوي الدم الذي كتبت به إن لم تتمكّن من إزالة التّمكين!. إذا أردت معرفة نتيجة فحص الكورونا السّياسية لأي شخص وموقفه من الثّورة والتّغيير؛ أعرف موقفه من إزالة التّمكين أولاً. لايمكن بناء دولة (...)

فرص المراجعة التاريخية على ضوء ثورة ديسمبر والسلام في السودان 2020-11-17 07:00:52 ياسر عرمان قال البروفيسر السنغالى الشيخ أنتا ديوب، وهو واحد من أهم المؤرخين والمفكرين الثوريين الأفارقة، وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة السوربون فى رسالة حول اصول الحضارة الإفريقية السوداء القديمة لوادى النيل وقد اطلق (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.