الصفحة الأساسية | تحليلات    الجمعة 26 حزيران (يونيو) 2020

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

separation
increase
decrease
separation
separation

زينب عباس بدوي*

مقدمة:
تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان السوداني، ويفتح فضاءاتٍ جديدة للتقدم والديمقراطية والتنمية المستدامة في البلاد. يحلُّ العام الأول ليضع الثورة أمام تحديات سياسية وإقتصادية وأمنية وإجتماعية عديدة ،ومن بين التحديات الأساسية التي تواجه الثورة هي مقدرتها علي الِإستجابة لتوقعات القوي الحية التي قادت التغيير، وفي مقدمتها المرأة السودانية والنساء السودانيات والإستجابة لمطالبهن العاجلة بإحترام ،وتعزيز حقوقهن ، والسعي لمشروع حقيقي لتحسين أوضاع المرأة ،وإبتدار عمل جاد لتحقيق عدالة النوع الإجتماعي المستدامة في السودان.
حقائق أساسية:

عند الحديث عن قضايا المرأة وتحقيق العدالة النوعية بعد الثورة لابد من النظر الدقيق إلي أهمية المطلب، وخصوصية وضع المرأة ،واحتياجاتها في ظل الظروف التاريخية المعقدة.وقبل الخوض في تفاصيل الورقة والمحاور الأساسية التي يجب النظر إليها من أجل تحسين أوضاع المرأة وتحقيق العدالة النوعية نرى في البداية أن نؤكد علي الحقائق الأساسية التالية :
(1) قضية التمييز ضد المرأة ،والفجوة النوعية في السودان ليست مجرد قضية معزولة أو قلعة مطالب تقف علي أسوارها النساء وإنما هي قضيةٌ أساسيةٌ من قضايا التنمية المستدامة والتحول والإنتقال الديمقراطي في السودان، وترتبط مجهودات إنهاء التمييز ضد المرأة بالظرف السياسي والتاريخي والإجتماعي لهذا الإنتقال،وفيما إذا كان هذا الإنتقال قادرًا علي إحداث قطيعة حقيقية مع الماضي بإخفاقاته ،وسياساته التمييزية ضد المرأة. وهي أيضا ترتبط بنقطة هامة وهي الي مدي تستند تجربة الإنتقال الي أرضية سياسية ٍ،وإقتصاديةٍ صلبةٍ وإلي إرادةٍ وقناعةٍ راسخةٍ لإحداث تغيير يمكن أن يعبُر بالمرأة إلي براحات التقدم الإجتماعي المنشود أو تحقيق اصلاحٍ حقيقي ٍفي كافة المجالات الحاسمة مثل الاصلاح الاقتصادي والقانوني وتحقيق السلام العدالة الانتقالية بما يقلل الفجوة النوعية، ويساهم في إنهاء التمييز ضد المرأة.

قضية الفجوة النوعية في السودان هي بنت الحواجز الهيكلية لكل البنيات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وتقسيم الأدوار، والموروث الإجتماعي والثقافي السالب. كما أن هدف تحقيق المساواة بين الجنسين حتي وإن كان مطلبا من مطالب ثورة عظيمة مثل ثورة ديسمبر 2018 والتي أسهمت فيها المرأة إسهاما مقدرَّا تتطلب إرادة سياسية قوية ،وجهدًا متواصلاً،وسياسات طويلة الأمد من أجل إحراز النتائج المنشودة. ويرتبط تحقيق هذا الهدف بإستصحاب منظور يراع النوع، وإدخال تعديلات جوهرية في كافة السياسات خاصة السياسات المتعلقة بالمجالات الحاسمة مثل الفقر والتعليم والصحة والعمل والقوانين والسلام والوضع الأمني والأمن الغذائي،وتوسيع فضاء المجتمع المدني بمعناه الواسع،والحريات السياسية. كما تستلزم العمل الجاد علي رفع الكفاءة المؤسساتية للدولة وتعزيز المهارات والتدريب اللازم لتضمين قضايا النوع الإجتماعي في العمل المؤسسي وتعزيز الشراكة بين كل أصحاب المصلحة بما فيها المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمنظمات الطوعية ورفع إلتزام ومقدارات كل الفاعلين السياسين وخاصة الأحزاب السياسية لإدماج النوع الاجتماعي ، وتبني أساليب ومناهج عمل لتعزيز مشاركة المرأة. ولابد من أن يستند العمل إلي أفضل تجارب دول العالم، والمنطقة من حولنا وإستخدام المناهج المجربة والأُطر الدولية مثل أجندة "التنمية المستدامة 2030" وغيرها بفعاليةٍ وربطها جيدًا مع الواقع المحلي.

الوضع المتدني للنساء ليس وضعا موروثا وانما هو وضع تعيد السياسات العامة انتاجه بشكل يومي بالتالي العمل علي اصلاح السياسات من اجل العدالة النوعية يتطلب التأكيد الاعتراف بان أشكال التهميش والتمييز بشكل عام في السودان بما فيها التهميش والتمييز علي اساس النوع هي اشكال تهميش معقدة ولا يمكن معالجتها بنفس الوصفة واعتبار اختلاف احتياجات النساء علي حسب الواقع الاجتماعي والثقافي والاثني والمنطقة الجغرافية،والواقع الاقتصادي و الطبقي . ايضا كل السياسات يجب ان تأخذ في الاعتبار سرعة التحولات التي حولنا بالعالم من معارف وعلوم جديدة والنظر الي واقع المرأة السودانية في ظل التطورات المتسارعة،وما احدثته التغيرات الاقتصادية الاجتماعية والنزاعات علي واقع النساء في السودان واعتبار رؤي الشابات والاجيال الجديدة من النساء اللاتي نشأن في حضن التكنلوجيا وفضاء المعلومات والمعارف المفتوحة مما يستدعي البعد عن الافتراضات الجاهزة اواساليب العمل القديمة البالية وتبني اساليب عمل مهنية ومناهج ملائمة للواقع مع اعتبار احتياجات الرجال ودورهم في تركيز مفهوم المساواة بين الجنسين.

المهمة الاساسية للفترة الإنتقالية هي وضع أسس الانتقال إلى الحكم المدني والاعداد لعملية التحول الديمقراطي وارساء القواعد والمعايير لتحول ديمقراطي مستدام بالتالي فان ترقية حقوق المراة ووضع اسس لتضمن منظور يراع النوع في كافة السياسات هو عمل من صميم مهام الفترة الانتقالية وان اياخفاق أو تقاعس في انجاز هذه المهمة يعتبراخفاق لمشروع التحول الديمقراطي في السودان . وايضا بالنسبة للنساء السودانيات فإن الفترة الإنتقالية تمثل فرصةً ذهبيةً وسانحةً حقيقيةً للدفع بقضايا المرأة ولكن في ظل هشاشة الوضع السياسي فان ضياع هذه الفرصة ربما يساهم في حدوث ردة سياسية تدفع ضربيتها النساء السودانيات لاجيال قادمة.

بالتاكيد هناك رغبة وارادة سياسية من بعض القوي الحية التي قادت التغيير والثورة ورغبة وإرادة من قيادات الحكومة الانتقالية لتعزيز حقوق المرأة ،ولكن رغبة وإرادة هذه القوي لا يمكن ان تؤخذ بشكل مطلق ولابد من الانتباه الي ان القوي التي تقود المرحلة الانتقالية ليست ذات موقف واحد من قضية المرأة وان التغيير قد دفع الي سدة الحكم بمكونات ذات مصالح اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية متباينة،وبعضها بحكم خلفياتها الثقافية،والاجتماعية،والطبقيةوالسياسية ليست بالضرورة مساندة للمرأة او ذات رغبة او حماس لتحقيق العدالة النوعية،وبالرغم من ابداء الحكومة الإنتقالية التزامها بدعم حقوق المراة ، الا ان الرغبة والارادة السياسية سوف تظل عاجزة عن تحقيق المطالب اذا لم ترتبط بسياسات جادة وبرامج عمل مدروسة.

تاريخياً شكَّلت الحركة النسائية في السودان الرافعة الأساسية الذراع القوية للعمل والنضال من أجل حقوق المرأة السودانية وهي تستند إلي منظمات تاريخية وذات طابع جماهيري، وبالرغم من أن النساء السودانيات ( كأفراد أو مجموعات) انجزن إنجازاً بارعاً بالمشاركة المُلهمة في الثورة، و رغم أن هناك قوة دفعٍ عاليةٍ في أوساط النساء لدعم التغيير، ولكن الوضع الحالي بعد الثورة يطرح علي الحركة النسائية تحديات جديدة ومن اهم هذه التحديات كيفية تطوير رؤيةٍ نسويةٍ محددةٍ، واضحةٍ لقيادة التغيير وطرح برامج وأجندة عمل مرتبطة بالواقع.

كذلك توسيع مواعين الحركة لإستيعاب التنوع الإجتماعي والإقتصادي الثقافي والإثني والمعيشي للمرأة في السودان . كذلك يطرح الواقع الجديد علي الحركة أسئلةً أساسيةً حول مستوى أدائها وضرورة إعادة النظر في أساليب ومناهج عملها. مثل بناء التحالفات والمهارات في بناء البرامج والخطط والإستفادة من التقدم التكنلوجي والتقني لخدمة حركة فاعلة وايضا مدي مقدرة الحركة علي إستيعاب النساء من المناطق الريفية ،وكذلك إستيعاب الفاعلات الجدد في الحركة مثل النساء من مناطق النزاعات والمناطق المهمشة و النساء من دول المهجر،وكذلك إستيعاب رؤي الشابات،والأجيال الجديدة . وكذلك مقدرة الحركة علي الانتباه الي قضايا النساء ذوى الإحتياجات الخاصة والمقدرة علي إدارة الحوار والصراع وتحليل المخاطر.

عمليا تُشكِّل المرأة حوالي نصف سكان السودان. ورغم التقدّم الملحوظ على مستوى ردم الهُوّة بين الجنسين، يمكن القول أن الفجوة ما زالت عميقةً وهي تُعرقل التنمية في البلاد وتعوق الاهداف والمجهودات التي تستهدف التحول الديمقراطي المستدام في البلاد.

هذه المادة مؤلفة من 47 صفحة على كل من يرغب الاطلاع عليها كاملة تنزيل الملف المرفق

PDF - 530.7 كيلوبايت
قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ

الأستاذة زينب عباس هي قانونية وحقوقية سودانية بارزة تعمل ببعثة الاتحاد الأوروبي بالسودان



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الجيل الجديد أمام مسؤولياته 2020-09-20 21:30:26 بقلم : محمد عتيق نشأت أهم أركان الدولة السودانية الحديثة (الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية) على التقاليد البريطانية : من المجتمع المدني تنشأ الأحزاب السياسية التي تقود الدولة في ظل نظام ديمقراطي على نهج "وستمنستر" ، بينما (...)

الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية 2020-09-14 00:37:48 الفحم الحجري أحد الخيارات الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية المهندس صلاح النعيم من القناعة السائدة إدخال الصناعات التحويلية في المنتجات الزراعية والرعوية ليتم تصديرها مصنعة أو علي قدر متقدم من التصنيع بما يحقق (...)

ثم تقليعة التطبيع مع اسرائيل 2020-09-13 20:54:15 بقلم : محمد عتيق الإحساس بالمخاطر الكبيرة والمتشابكة التي تواجه ثورة السودان يقف خلف التسامي فوق الخلافات والاختلافات الفرعية والتركيز على ما يفيد تقدم الثورة ونجاحها وتقصير زمن النصر النهائي لها ، نرى النزعات الانانية ، (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.