الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 4 كانون الثاني (يناير) 2021

قُوَّى الكِفّاح المُسلح: كيفَّ تدعمُّ السَّلام والانتِقال السِلمي؟

separation
increase
decrease
separation
separation

الواثق كمير
kameir@yahoo.com

رسالة في بريد قُوَّى الكِفّاح!

وجهتُ رسالة إلى قيادات الجبهة الثورية (الجبهتين الثوريتين) في مقال نُشر في نوفمبر 2019، عرضتُ فيه أطروحتي بأن القيادة، وتحقيق أكبر قدر من الوفاق السياسي يمثلان شَّرطين أساسين للانتقال السِّلمي، وأن السلام الشامل والعادل، والمصالحة الاجتماعية، يفتح الباب واسعاً لتحقيق هذا التوافق/الوفاق السياسي الشامل (إلى رئيس الوزراء والقوى الداعِمة للانتقال السِلمي: ما العمل؟، سودانايل، 28 سبتمبر 2020). ومع ذلك، فالسؤال الذي يطرحُّ نفسه هو: كيف نتوصل إلى السلام المُسّتدام، الذي ظّل هدفاً معلناً، تروج له كل حكومات ما بعد الاستقلال، المدنية منها والعسكرية؟ بل، وألم تتوصل كل هذه الحكومات إلى اتفاقيات سلام مع حركات المقاومة المسلحة قادت آخرها إلى تقسيم البلاد؟ فتحدي السلام هذه المرة أضحى أكثر تعقيداً كونه مرادفاً لعملية تحول سياسي واجتماعي عميق لم يتوفر لثورتي أكتوبر وأبريل، وذلك على أنقاض نظام استبدادي دام لثلاثين عاماً، تبدلت فيه الأوضاع الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة في أعقاب ترتيبات اتفاقية السلام الشامل التي أفضت إلي تقسيم للبلاد.

فما هو الدور الذي ستلعبه الجبهة الثورية في تحقيق هذا السلام المستدام، من جهة، وفي دعم وصول عملية الانتقال إلى نهايتها المنطقية، من جهة أخرى؟ إن مشاركة فصائل الجبهة الثورية ستحدث زخماً وواقعاً سياسياً جديداً، لا شك إن أُحسن استغلاله سيُساهم بفعالية في إنجاز هذين الهدفين المتلازمين، في ظل ما وفرته ثورة ديسمبر السلمية من فرصة كبيرة لتماسك ووحدة الجبهة الثورية، بعد انشقاقات لازمتها خلال مرحلة الكفاح المسلح، ولو يبدو أنه. ففي رأيي، من ناحية دعم الانتقال، يُمكنُ لقوى الكِفاح المُسلخ الموقعة على اتفاقية السلام أن تُخلق توازناً مطلوباً للقوى السياسية المدنية، ولها أيضاً دور في توفير الدعم لرئيس الوزراء، الذي تنتاشه سهام البعض من المطالبين باستقالتة أو اقالته مما قد يُحّدثُ ربكةً وارتباكاً لعملية الانتقال السلمي أو يُقضي عليها بالكامل. كما على الجبهة الثورية أن تسعى بشدة من أجل تشكيل المجلس التشريعي، إضافة إلى كافة المفوضيات التي نصت عليها الوثيقة الدستورية. ومن ناحية تحقيق السلام المستدام، ينبغي على فصائل الجبهة الثورية أن لا تغُض الطرف عن الحركات الأخري، خاصة الحركة الشعبية شمال (تحت قيادة عبد العزيز الحلو) وحركة تحرير السودان (تحت قيادة عبد الواحد محمد نور)،. بل عليها أن تتفهم مطالبهما، وأن لا تتنابذ معهما بالألقاب، وتخاطبهما بإيجابية لغرض التوصل إلى تفاهمات مشتركة نحو تحقيق سلام مُستدام. إن التمسك فقط باتفاقية جوبا كمرجعية وحيدة، مع دعوة الآخرين للانضِّمام لها هكذا، قد يضع العصا في دواليب العملية السلمية.

فالتجارب السابقة للحركات المسلحة التي وقعت اتفاقيات سلام، في الجنوب وفي دارفور، مع الحكومة القائمة حينذاك، وشاركت في مؤسسات النظام، لم تنجح في جذب الحركات الممانعة وتحقيق السلام الشامل، ولو اختلف السياق. فلماذا لا تنظر فصائل الجبهة الثورية إلى التفاوض مع الحركات غير المنضوية تحت لوائها كمسارات مُسّتقلة ومُنفصِّلة عن اتفاقية سلام جوبا، وتدعمه بقوة، طالما سيحقِّق قيمة إضافية لعملية السلام الشامل؟ ومن خلال مناقشات سُبل مواءمة اتفاقية سلام جوبا مع الوثيقة الدستورية، توافقت أطراف العملية السلمية مع الحكومة على تشكيل مجلس شركاء الفترة الانتقالية لتنُص عليه المادة (80) من الوثيقة الدستورية المُعدَّلة. من ناحية أخرى، لم تراوح المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية شمال، بقيادة القائد عبد العزيز الحلو، مكانها. فلم توقِّع الحركة مع الحكومة إلا اتفاق مُقتضب وحيد، في أكتوبر 2019، على شيئين فقط، أولهما: ثلاثة موضوعات يتم التفاوض حولها (القضايا السياسية، والمساعدات الإنسانية، والترتيبات الأمنية)، وثانيهما: ترتيب وتسلسل الأجندة بحيثُ يبدأُ التفاوض بالقضايا السياسية وينتهي بالترتيبات الأمنية. لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق، خلال العديد من جلسات التفاوض، على إعلان المباديء الذي تستهدي به العملية التفاوضِّية. وبذلك، تجمدت المفاوضات إلى أن توصل رئيس الوزراء في أديس أبابا، 3 سبتمبر 2020، مع الفريق عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية شمال، إلى اتفاق سياسي مُشترك كإعلان مباديء تقوم على أساسه المفاوضات، مصحوبة ببيان مشترك بمثابة خطة عمل لإنفاذها. كسرت الاتفاقية جمود المفاوضات بدعوتها إلى عقد ورشة/ورش عمل غير رسمية تخرُج بمعالجة للقضية الخلافية لترفِد بها المُفاوضات الرسمية، والذي اتفق الطرفان على استئنافها مباشرة بعد الورشة. وبذلك، التقط رئيس الوزراء قفاز القيادة، بلقائه مع رئيس الحركة، ووفر إعلان مباديء واضح القسمات، وغطاءً سياسياً، رفع به الحرج عن الوفد الحكومي المفاوض، فحقق خطوةً متقدمةً لتحقيق السلام في هذه اللحظات المِفصلية من تاريخ البلاد.

دعم رئيس الوزراء

ومع ذلك، بالرغم من انعقاد ورشة العمل غير الرسمية في جوبا، 29 أكتوبر 2020، وخروجها ببيان ختامي من سبع نقاط وافق عليه الطرفان ما عدا الفريق كباشي الذي اعترض عليه في نهاية الجلسة الختامية. بل طلب عضو مجلس السيادة عدم الإشارة إلى اتفاق أديس أبابا المشترك بين رئيس الوزراء ورئيس الحركة الشعبية شمال، واصفاً رئيس الوزراء بالخروج عن المؤسسية. وبذلك، تجمدت عملية التفاوض مرة أخرى في وقت يحتاج الناس فيه ويتطلعون إلى العيش في سلام مُكتمل يظل أحد شعارات الثورة الرئيسة، من جهة، وأهم واجبات الحكومة الانتقالية التى أتى بها الثوار. في رأيي، قد أزف الوقت لأن يؤول ملف السلام إلى رئيس الوزراء بحكم الفصل الخامس من الوثيقة الدستورية (في النسختين الأولى والمُعدلة)، المُتعلقة باختصاصات وسلطات مجلس الوزراء الانتقالي، إذ تقرأ المادة 15.1 "تنفيذ مهام الفترة الانتقالية وفق إعلان الحرية والتغيير الوارد في هذه الوثيقة"، وأولى هذه المهام تنص عليها المادة 15.2 "العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام".

إن الدعوة إلى أيلولة إدارة عملية تحقيق السلام إلى رئيس الوزراء دعوة سليمة وضرورية لاستكمال عملية السلام مع الحركه الشعبية شمال وحركة تحرير السودان، وغيرِهما إن وجِد. فإن قضت ظروف بعينها إلى إنشاء "المجلس الأعلى للسلام"، والذي توفَّق في التوصل لاتفاقية سلام جوبا، فينبغي الآن أن يباشر رئيس الوزراء اختصاصاته وسلطاته في قيادة المرحلة الثانية من عملية السلام والدفع بها إلى نهاياتها المنطقية، بما ينسجم مع الوثيقة الدستورية (النسختين الأولى والمُعدَّلة). ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال، ابعاد المكون العسكري الذي سيكون حاضراً في التفاوض حول الترتيبات الأمنية، وفي مجلس الشركاء. فقد حان الوقت لتشكيل وتفعيل مُفوضية السلام، ضمن المفوضيات الأخرى المنصوص عليها في هذه الوثيقة كآلية للتوصل إلى سلام شامل، والتى أمَّن عليها الاجتماع الأخير لمجلس شركاء الحكم الانتقالي بحثه على أطرافه بالإسّراع بتكوين كافة أجسام الفترة الانتقالية. إن شركاء الحُكم مُطالبون بدعم رئيس الوزراء لاستكمال السلام، خاصة قوى الكفاح المسلح الموقعة على اتفاقية سلام جوبا والتي ينبغي أن تسعى بصدقِ لتعزيز هذا المسار، طالما ظل تحقيق السلام الشامل هو الهدف والقاسم المشترك. فقيادات هذه القوى ما فتئت تؤكد، في بياناتها ولقاءاتها الإعلامية، على ضرورة استكمال عملية السلام، ودعوتهم إلى القائدين عبد العزبز وعبد الواحد، على وجه الخصوص، للتجاوب. إنَّ اتفاق أديس أبابا بين رئيس الوزراء الحركة ورئيس الحركة الشعبية يُضفي قيمة مُضافة نحو السلام الشامل والمُستدام، وبلا ريب يصب في مجرى اتفاقية سلام جوبا . وبنفس القدر، فإنَّ الحركة الشعبية وحركة تحرير السودان لم يقِفا حجر عثّرةٍ في توقيع اتفاقية سلام جوبا، وفي ظني أن كلاهما يؤمن على المكاسب التي تخدِمُ مصلحة أهل دارفور والمنطقتين، ولعل هناك قواسم مشتركة بين هذه القوى صاحبة النضال المشترك تسعى القيادات إلى توسيع نطاقها. إن مصداقية "شركاء السلام" مرهونة بالموقف الذي ستتخذه في هذا الظرف الحرِج الذي يُحيط بالبلاد حتى لا تنتكس مسيرة السلام ونعود للضلال القديم والجدل العقيم حول من يُفاوِض من؟

تورونتو، 3 يناير 2021



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في ذكرى القتل الممنهج للمدنيين في قريضة 2021-01-11 20:00:30 شبكة صيحة قامت مجموعة مسلحة بإحراق معسكرات النازحين بأم عسل، وبابنوسة، وأم زغرات بمحلية قريضة بتاريخ الإثنين، 19 من أكتوبر 2020م. تتكون محلية قريضة من عدد من القرى المحيطة ببلدة قريضة الواقعة جنوب مدينة نيالا، عاصمة ولاية (...)

قحت و "سريالية" المشهد 2021-01-11 08:58:27 بقلم : محمد عتيق هل يمكن اتهام الدكتور حمدوك بأنه تماهى مع المكون العسكري أو يود التحالف معه ؟ أم هل هو فعلاً يريد انجاز التحول الديمقراطي وترسيخ مدنية الدولة ؟ في وقت مبكر من عمر الفترة الانتقالية شرع دكتور حمدوك في (...)

جبال النُّوبة والسُّلطة في السُّودان (2 من 2) 2021-01-10 20:33:19 الدكتور عمر مصطفى شركيان shurkiano@yahoo.co.uk مهما يكن من أمر، ففي نهاية تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1989م تمَّ حرق ونهب 20 قرية، وقتل 98 مدنيَّاً أعزل، وتشريد 3.000 شخصاً من ديارهم. وفي أمر الممتلكات المنهوبة قال إمام (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.