الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 8 آب (أغسطس) 2020

لجان المقاومة: نحو قيام المؤتمر القومي لإجازة نظامها الأساسي

separation
increase
decrease
separation
separation

صلاح شعيب

مع استمرار التشظي الكئيب في مكون قوى الحرية والتغيير لم يبق أمامنا سوى الاعتمادُ على لجان المقاومة لحراسة الثورة. بل إنها تمثل الحاضنة الحقيقية للفترة الانتقالية، والتي ما تزال حتى الآن ملكا للثوار الذين ساهموا في خلقها، واثبتوا قدرتهم على اليقظة ضد مؤامرات الفلول. والشاهد على ذلك هو أن لجان المقاومة هي التي اطلعت ببسالة، وجسارة، بمهمة تحريك الشارع لإسقاط ذلك النظام الذي أصبح بائدا، وفي الثلاثين من يونيو الماضي جددت العزم على مواجهة العابثين بالحلم السوداني.

ولهذا يعتقد المرء أن التفكير الاستراتيجي ينبغي توجيهه نحو ربط هذه اللجان المقاومة للارتداد بعمل مؤسسي، خصوصا بعد انتشارها في كل بقاع البلاد. وهذا يعني أن يبذل الثوار الشباب جهدًا في ترتيب عمل هذه اللجان بحيث أن تكون لها مكونات مركزية، وإقليمية، وعلى مستوى المدينة، والمحلية، والقرية، والحي، حتى تنسق كقواعد شعبية لتفعيل حماية الثورة. وكذلك من أجل انبثاقها كجسم قومي لا يرتبط فقط بمتابعة مؤامرات سدنة النظام البائد، وإنما بتحديد مستقبل الانتقال الممرحل نحو دولة المواطنة أيضا.

ذلك أن الفترة الانتقالية ليست سوى الأساس المرحلي الذي ترتكز عليه عملية بناء الدولة السودانية الجديدة لتحقيق التطلعات الأساسية لغالب الشعب السوداني التي نشدها عبر شعار الثورة. وباعتبار أن هذه اللجان تمثل حلم الكتلة التاريخية في المدن، والأرياف، والتي ظلت بلا مظلة توحد في منظومة مستمرة في وجودها السياسي، فإن الفرصة الآن أمام الشباب لقيادة مهمة توحيد المهمشين سياسيا، ومدنيا، وريفيا، وجندريا. ويتخصص التركيز على الشباب في هذا الجانب لكونه يمثل نصف الحاضر وكل المستقبل وهو الذي يرث إدارة البلاد، فوقا عن ذلك فإنه ظل مهمشًا من الجنسين في قيادة المكاتب السياسية بوصفها قمم الهرم الحزبي. وبهذا المعنى فإننا نتوقع أن تتحول العاطفة، أو الحماسة، الثورية المطلوبة التي تغلب على طبيعة عمل اللجان إلى تدبير عقلاني نظامي قائمً على المؤسسية التي تعني الكثير من تجويد التنظيم، والاستفادة من زخم الفكرة التي عززت يقظة هذه الأجسام الثورية.

ولا نخال أن هذا التدبير التنظيمي يحتاج إلى وقت كثير. فالنواحي القاصرة في عمل لجان المقاومة بنشاطها الملحوظ تتمثل فقط في قيام جسم مركزي بتمثيل مناطقي، ونوعي، ومهني، ليكون بمثابة برلمان شعبي، وتصبح سطوته في أنه الفاعل في تحديد الخيارات السياسية للبلاد. ذلك ما دامت هذه اللجان قد ساهمت في تفجير الثورة، وترعاها الآن في ظل تهافت نخب القوى السياسية في تصفية مساعي بعضها بعضًا في العمل السياسي الجبهوي. بل إن طبيعة الديموقراطية تبيح وجود لوبيهات سياسية سلمية، فما بالك لو أنها انبنت على قاعدة المدن والأرياف السودانية، وهي وحدها المعنية بتحديد خياراتها على النحو الذي باشرته أحزابنا التقليدية تاريخيا.

على أن الوجود السوداني في الخارج يمكن أن يكون طاقة دافعة لمركزية لجان المقاومة، ممثلا فيها - ومنظما لصالح أهدافها - عبر وجوده العالمي، وهكذا يصبح داعما ماديا، ومعنويا، ودوليا، لهذه اللجان. ولعل الوجود السوداني في الخارج نفسه ظل يقوم بدور الداعم للداخل دون أن يتطور بتنظيم نفسه قاريًا ليفعل دعمه أكثر فأكثر.

إن قوى الحرية والتغيير كان مفترضًا فيها أن تكون على قدر المسؤولية في هذا الظرف الحرج، وأن تبقى حاضنة حقيقية للفترة الانتقالية. ولكن اتضح أن هناك أسبابا ذاتية وعضوية تتعلق بطبيعة التحالفات السياسية، وهي التي تعوق إمكانية أحزابنا مجتمعة في توجيه الأهداف الجماعية نحو غاياتها النهائية.

إن أبرز الإخفاقات طوال العام الذي يكاد ينصرم تمثل في العجز في تمهيد المجال لتحقيق السلام، وإزالة التمكين في الوزارات، والمؤسسات الحكومية، وتأخير اختيار الولاة، ورفع الضيق الاقتصادي عن كاهل المواطنين، وحماية المدنيين في مناطق النزاع، وتكوين المجلس التشريعي، ومحاكمة رموز النظام السابق، إلخ.

كل هذه الإخفاقات تعد مؤشرًا قويًا لتفعيل النظر من أجل توسيع الحاضنة الأساسية للعمل التنفيذي - سواء بوجود المسؤولين عنه، أو إذا تم إبدالهم. فقوى الحرية والتغيير تبدو عاجزة عن النظر مجتمعة لمصلحة البلاد ما يستدعي ترميم نسيجها، وتناسي خلافاتها، والتنازل عن رؤية كل طرف حزبي لصالح المجموع حتى نضمن عبور المرحلة الانتقالية.
والواقع أنه ليس هناك ما يعضد حقيقة وجود اتفاق بين تياراتنا الحزبية، والمدنية، والنقابية، لعقد مؤتمر في القريب العاجل لتطوير أسس مكون قوى الحرية والتحرير كطرف موقع على الوثيقة الدستورية بقضها وقضيضها، على أن يكون هذا المؤتمر فرصة لإصلاح هذا المكون ليصبح فاعلا بحسب أنه الجسم القومي الضامن لسلاسة الانتقال، وتنفيذ كل ما جاء في وثيقة الاتفاق مع المكون العسكري.

وما برح الحال كذلك فإن البديل هو أن تتلاقى لجان المقاومة المنتشرة في كل البلاد عبر عمل يؤسس لقيام جسم مركزي مختار بعناية من كل أقاليم البلاد، ويتبع ذلك التخطيط لمؤتمر جامع يشارك فيه المهتمون لخلق تنظيم يمثل كل الثوار السودانيين الذين يؤمنون بقيام دولة المواطنة. ومن شأن هذا المؤتمر المقترح أن يوجد نظاما أساسيا للجان المقاومة، ويمهد لبنائها على المستوى الأفقي والهرمي في الداخل، والخارج. وبهذا ستكون الحارس الشعبي للديموقراطية، وتتيح للأحزاب جميعها مجالًا للتفرغ لتطوير برامجها، وعلى أن تكون لجان المقاومة شبيهة بلوبي ثوري، وفكري، وسياسي، ذا أذرع إعلامية، ومدنية، وريفية، لحماية الديموقراطية، وتذكية خيار الناس لخدمتها، وخلق الرابطة الوطنية لسودان المستقبل.



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

في تذكر الإمام: أظلمت بوابة الشعب وأبواب الفراديس أضأن 2020-12-03 23:59:26 بقلم : المحبوب عبد السلام في منحنيً ما يسخو الزمان بالعباقرة والكبار، تزدهر في كل بستان باقةٌمنهم، علماء وشعراء وأدباء وموسيقيين ومثقفين وساسة، ثم يرتاح الزمان برهةً يتزاحم فيها العاديون ودونهم حتي يتوهم الناس أنهم كل (...)

هل انحصرت مطالب الهامش على إزالة الإسلام في السُّودان ؟ (1-2) 2020-12-03 05:08:14 عادل شالوكا تشهد البلاد تطوُّرات مُتسارعة نحو المجهول بعد توقيع إتفاق سلام جوبا في 3 أكتوبر 2020 وإنتقال فصائل الجبهة الثورية إلى الخرطوم، وفشل ورشة الحوار غير الرَّسمي بين الحركة الشعبية لتحرير السُّودان – شمال ووفد (...)

هنيئاً للشعب الأمريكي 2020-12-02 07:16:44 هذه المقالة هي آخر ما كتبه المغفور له بأذن الله الصادق المهدي في 7 نوفمبر 2020م الصادق المهدي انتخابات 2020 في أمريكا غير عادية، بل كانت استفتاء على أداء رئيس عبأ قاعدة شعبية خائفة حاقدة للوصول لولاية الأمر. وفي أثناء (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.