الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 2 آذار (مارس) 2020

لنكسر الحلقة الشريرة إلى الأبد

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

لست ممن ينتقد الجيش بشكل مطلق ، فالنقد الشائع له يستند على أنه لم يقم بواجباته الوطنية الأساسية حتى الآن ، ذلك أن الحروب التي خاضها هي إما تحت إمرة المستعمر البريطاني في صفوف الحلفاء ضد المحور خلال سنوات الحرب العالمية الثانية ، أو مع العرب في حروبهم ضد العدو الصهيوني في فلسطين أو حروبهم الداخلية في الكويت ولبنان ..الخ..الخ ، وأنه داخلياً ظل يقاتل أهلنا في الجنوب ثم في دارفور وغيرها أو عمل على قمع الانتفاضات والمظاهرات الشعبية التي تهب في وجه الأنظمة الدكتاتورية في العاصمة ومدن الأقاليم بينما هنالك أسباب حقيقية لحروب ضد الاعتداءات القائمة على أراض سودانية في الفشقة وحلايب وجماهير سودانية تحت احتلال أجنبي فيهما .. وأن هذا الجيش ظل يستهلك النسبة الأكبر من الموازنات المالية للبلاد ..

هذه الانتقادات تبدو وجيهةً في ظاهرها ولكنها في الحقيقة ظالمة إلى حد ما ذلك أن الحرب قرار سياسي في المقام الأول وأن الجيش السوداني ظل رهيناً للقرار السياسي في عهد المستعمر وفي العهود الوطنية المختلفة بغض النظر عن مقداري الخطا والصواب في تلك القرارات .. حروبه في صفوف الحلفاء ضد المحور النازي/الفاشي كانت قراراً سياسياً من المستعمر البريطاني الحاكم للبلاد آنذاك ، حروبه الداخلية ضد السودانيين في الجنوب ودارفور وفي قمع المظاهرات والانتفاضات كانت بقرارات سياسية من الأنظمة القائمة ، وعدم اهتمامه بتحرير الأجزاء الوطنية المحتلة في حلايب والفشقة مثلاً هو لعدم وجود الإرادة فالقرار السياسي ..

إذا وضعنا في الاعتبار أن عدد السنوات التي حكم فيها العسكريون البلاد بعد الاستقلال هي اثنين وخمسين عاماً (٥٢) من جملة ثلاث وستين عاماً (٦٣) هي عمر السودان المستقل ، وأن القرار السياسي الوحيد بالحرب كان ضد مصر عند احتلالها الأول لحلايب عام ١٩٥٨ (لو لا تدخل عبدالناصر وسحبه لقواته) كان في عهد ديمقراطي ، فإن كل الحروب الداخلية (الأهلية) كان قرارها السياسي من الانظمة العسكرية التي حكمت البلاد .. كل انقلاب من تلك الانقلابات ، وفي بيانه الأول بأسباب انقلابه، أشار إلى الفوضى والعبث في العهد الديمقراطي الذي انقلب عليه .. والانتفاضات الشعبية التي أسقطت الانظمة العسكرية سرعان ما تنادي بانتخابات عامة عاجلة تعيد نفس الأوضاع التي انقلب عليها الجيش !!! وهو ما درج الناس على وصفه بالحلقة الشريرة ..

طرفي هذه الحلقة الشريرة هما النظام الديمقراطي والقوات المسلحة ، وكسر هذه الحلقة للأبد يكمن في إصلاح جذري "إعادة صياغة" للطرفين : الحياة المدنية والقوى العسكرية ...

الحياة المدنية ، عمادها هو الديمقراطية المستندة على الاحزاب السياسية والنقابات الحرة ومنظمات المجتمع المدني المختلفة .. والديمقراطية كي تكون مستدامة، بمعنى مستقرة ومستوطنة في المجتمع بحيث تحرسها القوات المسلحة والنظامية الأخرى لا أن تنقلب عليها ، لكي تكون كذلك ، تتطلب تعليماً جيد المحتوى ، عصري المفاهيم ، يسود في المجتمع ويرتقي به صاعداً في سلم الاستنارة ، يتولى خريجوه - عاماً إثرا عام - وظائف الدولة المدنية والعسكرية ، ويشكلون عصب العضوية في الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ، فتنهض سلطات الديمقراطية الثلاث قويةً واعية ؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية ، والتي تراقبها صحافة حرة مسؤولة ، السلطة الرابعة كما يقولون ، مرآةً أمينة لها في السلوك وفي الأداء ، وأن تتحول تلك الديمقراطية إلى سلوك عادي في البيت وفي المدرسة ، في التربية والتعليم ، وفي كافة المناشط والعلاقات ..

هذه المسألة - استدامة الديمقراطية - سهلة التوصيف، ولكنها تحتاج جهوداً ذهنيةً وعمليةً كبيرة ، وتحتاج وقتاً يتوقف مداه على نوع وحجم تلك الجهود المبذولة ، وليكون من بين نتائجها انصراف كل من طرفي المجتمع ، العسكري والمدني ، إلى مهامه الدستورية : المدني يدير دفة الحكم ودواوينه ، ينتج ويبدع إداريًا وثقافياً واقتصادياً ...الخ ويوفر للطرف العسكري كافة احتياجاته المادية والفنية والمعنوية ليقوم بمهامه في حماية التراب الوطني والنظام الدستوري ومساعدة المجتمع الوطني والمجتمعات المحلية في كل الأنحاء في حالات الأوبئة والفيضانات والسيول وغيرها من كوارث الطبيعة ، ويبتعد تماماً عن العمل السياسي والنشاط الاقتصادي..

أمامنا ، في اعتقادي ، آخر نظام عسكري في البلاد ، وقد اعتلى السلطة بأكذوبة الانحياز لثورة الشعب ، وهي القيادة العسكرية والأمنية للنظام الساقط ، ومعها رأس عسكري آخر (الجنجويد) ، جيشاً مستقلاً ودولةً داخل الدولة ، بإعلامه ومصادر تمويله ومناشطه الاقتصادية ، مما يزيد التعقيد القائم تعقيداً ويلقي على كاهل الشعب الثائر وقواه السياسية اعباءاً إضافيةً جسيمة .... وقد أكثرت من نقد أحوال ق ح ت والتنسيقيات وتجمع المهنيين ، ولا أود التكرار ولا المزيد ، فقط أقول :

- لكل فرد منهم أن يختلي بنفسه ويسألها بصدق عن حقيقة دوافعه لكي ينأى بها عن أي تصنيف في المستقبل قد يضعها في خانة لا يرضاها لنفسه ولا يرضاها له أهله وذووه ..
- أن تستشعر الاحزاب والمنظمات عظم الواجبات التي تنتظرهم ليستعيدوا : الدولة المختطفة الممزقة ، الجيش الجديد بعقيدة وطنية مستقيمة ، الشرطة العائدة إلى واجباتها المقدسة في الأمن والقانون وصديقةً للشعب كما كانت ..الخ..الخ ..

- وتجمع المهنيين ، وقد قام بدور هام في الثورة ، أن يعود أعضاءه وقياداته ، بالإضافة إلى احزابهم ، إلى نقاباتهم المهنية إضافات نوعية مؤثرة في إعادة بنائها وإعدادها للأدوار الوطنية والمهنية الكبيرة والجديدة التي تنتظرها .

وللجان المقاومة الباسلة أن تلتصق أكثر وأكثر بجدر الثورة تنفيذاً للواجبات اليومية ويقظةً متوثبة لكل خطر يبرز أمام تقدم الثورة ، بمديونياتها المخطط لها جيداً ، وبتنسيق وانسجام تامين مع ق ح ت ..



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

دعوات التطبيع مرةً أخرى 2020-09-28 00:51:56 " الخيانة ليست وجهة نظر " بقلم : محمد عتيق بينما الملاحم الوطنية تندلع في الأسافير يقودها السودانيون داخل البلاد ومن مغترباتهم ومهاجرهم في كل القارات : يتبرعون بسخاء لطباعة الكتاب المدرسي وتوفيره مجاناً لكل تلميذة (...)

الجيل الجديد أمام مسؤولياته 2020-09-20 21:30:26 بقلم : محمد عتيق نشأت أهم أركان الدولة السودانية الحديثة (الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية) على التقاليد البريطانية : من المجتمع المدني تنشأ الأحزاب السياسية التي تقود الدولة في ظل نظام ديمقراطي على نهج "وستمنستر" ، بينما (...)

الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية 2020-09-14 00:37:48 الفحم الحجري أحد الخيارات الطاقة الممكنة والمستدامة لتشغيل التنمية المهندس صلاح النعيم من القناعة السائدة إدخال الصناعات التحويلية في المنتجات الزراعية والرعوية ليتم تصديرها مصنعة أو علي قدر متقدم من التصنيع بما يحقق (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.