الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 12 كانون الثاني (يناير) 2020

محنة الانتقال والسياسة الحمقاء: مفارقة ولع الغالب باتباع المغلوب

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم: خالد التيجاني النور

لا يمكن النظر للقرار الذي أعلنته اللجنة الحكومية لإزالة التمكين بحق عدد من المؤسسات الإعلامية إلا من زاوية أنه خطير في مآلاته ومعيب من أي جانب نظرت إليه، ولا يمكن القبول به ولا الدفاع عنه بأي حجة، اللهم إلا كان تواطؤاً لإعادة توطين الاستبداد، تحت لافتة جديدة وكأنه قدر هذه البلاد، والمفارقة أن يأتي بعد ثورة شعبية مجيدة أحد أضلع شعارها تتوسطه "العدالة" وهي قيمة مطلقة لا تعرف إزدواجية المعايير، ولا تقبل القسمة على اثنين، ولا يمكن تحقيقها بالهوى، أو تحت أية مزاعم، فإما عدالة أو لا عدالة، إذ لا موقع لها في منزلة بين المنزلتين.

لسنا هنا بصدد مناقشة "الاشتباه" الذي ساقته اللجنة في تبرير ما أقدمت عليها، ولسنا هنا بصدد تبرئة أو إدانة هذه الطرف أو ذاك لأن هذه هي مهمة القضاء بامتياز وهو يزن بيّنات من ادعى ودفوعات من أُتهم، وليست هناك حصانة لأحد، ولا كبير على المحاسبة والمساءلة. ولكن ما يدعو للاستغراب أن تشرع اللجنة في تنفيذ هذه القرارات بلا سند من مقتضيات العدل، والتي لا تعني سوى شيئاً واحداً أن الجميع حكاماً ومواطنين سواسية أمام القانون، لا يمكن لأي أحد مهما كان مركزه أن يكون فوق القانون أو أن يأخذه بيده، أو يعتبر نفسه فوق القضاء السلطة الوحيدة المؤهلة دستورياً للفصل في أي إداعاءات من أي نوع من أي طرف جاءت.

ولكن أن يقول أحد أعضاء اللجنة صراحة أنهم أقدموا على هذه الإجرءات التعسفية من باب "الاشتباه"، وأن على المتضرر اللجوء إلى الاستئناف فهذا لا يعني سواء قلب لمنطق العدالة، أن تكن الخصم والحكم والمنفذ، وأن تجعل القاعدة هي البرئ متهماً حتى يثبت العكس، ولا يعنى سوى التغوّل على سلطة القضاء في البلاد وحتى الاستهتار بوجوده، وعدم الاعتراف بالفصل بين السلطات القاعدة المركوزة للدولة الحديثة وسر نجاحها في إرساء موازنة تمنع طغيان أي من أضلاعها الثلاثة.

ماذا تركت هذه اللجنة ليُقال، وقد تقمصّت على نحو بالغ الغرابة ممارسات النظام السابق الموغلة في الاستبداد، فإذا هي تسير سيرته وتمارسه بالنهج ذاته، لا يغير من ذلك تغيير لون اللافتة، فقد كان النظام السابق مولعاً بأخذ القانون بيده تاركاً المهمة لجهاز أمنه ليكون الخصم والحاكم بأمره، يتحاشى الاحتكام للقضاء لأنه لم يكن يملك ترف الصبر على إجراءاته المحققة للتقصي في طلب العدل، متخذا من المنطق ذاته تكأة أن قانونه يبيح له كل هذه السلطات الاستثنائية، ولذلك يسارع إلى امتشاق حسام السلطة الزائل ليحسم خصومه.

وبالطبع من السذاجة أن تسأل مستبداً عن مقتضيات الإجراءات العدلية، ولكن أن يفعل الأمر نفسه من أنتدب لمهمة تأسيس قواعد الحرية والعدالة والسلام، فهذه هي الملهاة بعينها، فها هي تجد في استخدام قوة السلطة وأخذ القانون باليد ميزة ذات متعة خاصة لم تستطع مقاومة لذتها فعجلت لتوظيفها دون أدنى اعتبار لما يعنيه ذلك من هدر لفرصة تأسيس بداية جديدة للولة السودانية، فشعارات الثورة الداعية للحرية والسلام والعدالة لا تتحق بالتمنيات بل ببناء مؤسسات راسخة قادرة على ترجمتها لإجراءات وممارسات وأفعال مصدّقة لمضامينها الحقيقية.

ولعل ما يدعو للاستغراب هذا الولع الشديد وسط بعض قادة الحكم الانتقالي الجدد لاتباع سنن وسير النظام السابق دون عظة ولا اعتبار، والعبرة بالممارسة وليست النيّات مهما حسنت، وهو ما يقلب رأساً على عقب واحدة من فرضيات نظرية بن خلدون الشهيرة، فالأصل عنده أن يولع المغلوب بإتباع الغالب، ولكن أن يحدث العكس فهذا ما يجعل علاّمة علم العمران والاجتماع البشري يتململ في قبره، ويبكي حتى ابتلّت لحيته وقد أبطل السودانيون إحدى نظرياته التي صمدت وأثبت صحتها على مدار قرون.

ففي الفصل الثالث والعشرين في مقدمته الشهيرة ذهب بن خلدون إلى تأسيس قاعدة في أن "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده"، ويعزو السبب في ذلك إلى أن "أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها و انقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك و اتصل لها اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به و ذلك هو الاقتداء أو لما تراه"، أليس في ذلك مفارقة كبرى، أن الذين قدمهم الشباب الثائر ليفتحوا له أبواب الأمل على مشروع وطني جديد يخاطب تحديات المستقبل، يفضلون الانكفاء على الماضي، ويقودهم قصر النظر إلى أن يتبعوا المغلوب، بل وأكثر من ذلك يتمثلون به وبممارسته في مغالطة يحار المرء أن يجد لها تفسيرا، اللهم إلا أن ذلك تعبير طبيعي عن نمط تفكير وعقل مشترك للنظام السياسي السوداني القديم بكل تمثلاثه.

لا سبيل للحلم بتحقيق تحول ديمقراطي بالتمنيات، وما لم يؤسس على ترسيخ مؤسسي للفصل بين السلطات، والصبر على ممارسة حقيقة وفعالة لاستحقاقاتها، وهذا هو السبيل الوحيد الذي ترسخت به الديمقراطية في كل الأمم التي سبقتنا على هذا الطريق، ولنعلم ان الوسيلة الأكثر فاعلية في إزالة التمكين ومحو آثار النظام السابق هي تقديم البديل الأفضل ببناء دولة المؤسسات المحقق لتطلعات الجيل الجديد، لا اقتفاء سيرته.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

هل اشتم دقلو رائحة "انقلاب"؟! 2020-02-18 20:40:10 بقلم: خالد التيجاني النور (1) لا شك أن حالة غموض "غير خلاّق"، وعدم ارتياح باتت تخيّم على البلاد حول مجمل الأحوال السائدة، في غياب رؤية واضحة عن مآلات الوضع السياسي، وخطاب حكومي "أبكم"، مما يزيد الرهانات على سيناريوهات (...)

مخاطر في ساحات الثورة ...(١) 2020-02-17 09:04:37 بقلم : محمد عتيق اتفق الناس على أن ثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية واحدةً من أهم ثورات العصر ، وأنها اتسمت بوعي كبير وبسلمية تامة سلاحاً ماضياً لها ، *وأنها وضعت حداً نهائياً للاسلام السياسي والانقلابات العسكرية في السودان (...)

في انتظار الضوء الاخضر الامريكي (2-2) 2020-02-17 05:47:09 بقلم : السر سيد أحمد قبيل مغادرته الخرطوم العام الماضي بعد انتهاء فترة عملة تحدث ستيفن كوتسيس القائم بالاعمال الامريكي السابق في أحدى الحفلات التي أقيمت وداعا له عن العلاقات السودانية الامريكية وعندما سأله البعض لماذا لا (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.