الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الاثنين 17 شباط (فبراير) 2020

مخاطر في ساحات الثورة ...(١)

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

اتفق الناس على أن ثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية واحدةً من أهم ثورات العصر ، وأنها اتسمت بوعي كبير وبسلمية تامة سلاحاً ماضياً لها ، *وأنها وضعت حداً نهائياً للاسلام السياسي والانقلابات العسكرية في السودان وتقدمت بالبلاد* إلى مشارف النهوض والنمو واستكمال الاندماج الوطني ... إلى آخر التوصيفات ، وكلها صحيحة ، ولكن الصحيح أيضاً أنها تحمل - ليس في أحشائها - ولكن حولها وفي ساحاتها بذور ضدها وعنصر تقاوم تقدمها ، مخاطر عديدة تطيل المسافة الزمنية إلى حين استوائها وبدء عطائها، مخاطر في شكل إجراءات وقرارات معادية للشعب ، وهياكل هي بكل المقاييس الضد من الثورة ، ثم حاضنة شعبية تتدافع أطرافها نحو مصالح آنية ضيقة وبعضها بارتباطات خارجية وداخلية معيقة لتقدم الثورة نحو أهدافها ورؤاها النهائية .. بعض بذور الضد تعود إلى أخطاء في البداية .. ولكن ، كلها ، ليست نهاية الأشياء ، فالإصلاح ممكن، حتى إعادة التأسيس وتصحيح الأوضاع المعوجة ممكنة ؟ ..
(١)

أكثر تلك المخاطر خطورةً هي تلك التي يؤجل الناس مواجهتها ويهمسون عند الحديث عنها ، هو *المتعلق بالمكون العسكري في قيادة الفترة الانتقالية بقسميه : اللجنة العسكرية ومليشيا الجنجويد* .. أول التبريرات ، بل المبرر الوحيد الذي يواجهك عند الحديث عن المكون العسكري بقسميه هو مبرر الانحياز للثورة ، أنهم انحازوا للثورة في صراعها مع النظام الساقط وحسموه لمصلحة الشعب .. بهذا المبرر تصدروا المشهد بينما الحقيقة تقول أن انحيازهم كان لأنفسهم نجاةً لها ، ولمصالحهم صيانةً وتطويرا ، ولم يكن للثورة وسواد عيون المستقبل السوداني الذي كان المزيد من الأرواح العزيزة جاهزةً لسداد ضريبته .. ومن آيات الذي نقول :

اللجنة الأمنية للنظام الساقط ، جنرالات القوات المسلحة وكبار قيادات جهاز الأمن ، لا زالت ارتباطاتهم بعناصر النظام الساقط السياسية* ، ثم بمراكز خارجية سارية في شكل توجيهات ينفذونها ، هي أكبر من قدراتهم الذاتية ، هيمنوا على مجلس السيادة بالإصرار على رئاسته في الدورة الأولى للفترة الانتقالية فارضين منصباً لم يرد في الوثيقة الدستورية الحاكمة هو منصب نائب لرئيس مجلس السيادة ووضعوا أيديهم عليه .. ورغم أن المجلس السيادي منصب شرفي فانهم يتصرفون كحكام تنفيذيين ، ووصلوا حد وضع اليد على السياسة الخارجية بالذهاب إلى أخطر ملفاتها ، ملف الصراع العربي الصهيوني ، ليلتقي الجنرال البرهان بنتنياهو ، وبعد افتضاح الأمر - وكان يعتقده سراً - جاء مرتبكاً متناقض الأقوال فيما يخص سبب اللقاء ودوافعه ، يتصرف كرئيس تنفيذي للبلاد.. إضافةً إلى هيمنتهم على أخطر جهازين هما القوات النظامية ، المسلحة وقوات الشرطة في وزارتي الدفاع والداخلية ، هيمنة تعيق مهمة إعادة تأسيس القوات النظامية والأمنية وفق عقيدة جديدة ومهام محددة تليق بالسودان والسودانيين وثورتهم وتوقهم لحياة آمنة وديمقراطية مستدامة تحت سيادة حكم القانون ومبادئ حقوق الانسان.
* القسم الثاني في المكون العسكري هو الذي أطلق عليه البشير الساقط اسم "قوات الدعم السريع" كآخر سلاح يذود عن عرشه ، وهي (الجنجويد) المذكورة في كافة صفحات المأساة الدارفورية كأسوأ الفصول .. ما يقوم به هذا المكون معروف للجميع فلا داعي لتكراره ، ولكن أحسن الحلول السيئة المطروحة لمعالجته مستقبلاً هو دمجه في القوات النظامية ( *دمج وإعادة تأهيل* ) ، غير أن هنالك ما يشي بعمل مخالف يعيق حتى أحسن الحلول السيئة المقبولة على مضض ، معاد لأهداف الثورة ومستقبلها :
- عند الإشارة للقوات المسلحة أو (النظامية) ، يقال : "القوات المسلحة وقوات الدعم السريع" ، الجميع يقول ذلك بما فيهم رئيس وأعضاء اللجنة الأمنية .. قوة تتصدى لكل نشاط حتى في المجتمع المدني كحملات النظافة العامة ، إصحاح البيئة ومكافحة الأمراض .. الخ .. ( *ومن علامات المعركة المؤجلة أن الشباب ينفرون منها ويرفضون مشاركتها في مثل هذه الأعمال رغم حيويتها وأهميتها* ) ..

- والعلامة الثانية ، والأهم ، أن "قوات الدعم السريع ( الجنجويد) تطوف على الأقاليم لتستقطب الأفراد من "شيوخ قبائلهم" في صفوفها ، وتعلن عن فتح باب التقديم لسلاح المدرعات (خاصتها) ، وتبعث البعوث من شبابها لدراسة الطيران العسكري في الخارج (أيضاً لطيرانها هي) ، كل ذلك بإمكانات مالية واسعة وحرية مطمئنة أمام نظر الجميع وفي مقدمتهم أنظار القيادات العسكرية والمدنية في البلاد ، ولكي لا نقول غداً : ( *ذهب البشير وإخوانه إلى كوبر وتركيا ، وجاء فلان وإخوانه إلى الخرطوم ٢ والرياض والعمارات* ) ، لكي لا نقول ذلك، علينا أن نقول هذا الآن ، ليس من باب التيءيس - أكيد - ولكن "ادعاءاً " بالتبصير ..

وإلى حلقة قادمة لتناول بقية المخاطر المشار اليها أعلاه ..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

رئيس الحكومة ووزير الاعلام 2020-04-05 22:48:46 بقلم : محمد عتيق كان الأسبوع الماضي موعداً مع حراك جيد تمثل في حدثين : التئام عمل لجنة تفكيك التمكين وتصاعد وتيرة عملها بالإعلان عن بعض انجازاتها الهامة ، وبينما الناس في فرح واستبشار بذلك الحدث أطلق رئيس الوزراء الدكتور (...)

المصالحة الإنسانية والمصالحة الوطنية 2020-04-03 20:40:31 بقلم: إبراهيم منعم منصور تتبعت منذ فترة الحديث عن المصالحة بين المكونات السياسية بما فيها الحركة الإسلامية وفرعا الحركة: الوطني والشعبي. وإذا كان بعض الإسلاميين قد همس بذلك فقد جهر وأسهب في الأمر الدكتور الشفيع خضر في (...)

الْحَوْراني والطّيار 2020-04-03 10:50:37 أطِبّاء السّودان يازارعِي الرَياحِين حولِ بِلادِنا ياسِر عرْمان (1) مسح اللورد كتشنر شاربه الكثّ وقد انتابته بعض الحيرة ، بعد ان أعاد تشغيل هاتفه الذّكي ، الذي إنطفأ منذُ حادثة غرق السفينة المشئومة في 5 يونيو 1916، والتي (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.